العنوان مسئولية الفكر الإسلامي نحو.. الشهيد سيد قطب
الكاتب الأستاذ حسن التل
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1971
مشاهدات 76
نشر في العدد 80
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 05-أكتوبر-1971
مسئولية الفكر الإسلامي نحو.. الشهيد سيد قطب
بقلم: حسن التل
هذا رجل كانت حياته والكيفية التي استشهد فيها صورة الحقيقة رجل الفكر المسلم الذي عاش أفكاره، وتمثل عقيدته طيلة المرحلة التي وضحت له فيها الرؤيا فأعطى عطاء لم يعطه أحد في عصره لعقيدته وأمته.
أما ما أعطاه لعقيدته فهو قدرة هذا الدين على صناعة الأبطال في كل زمان ومكان وعلى كل صعيد فالعقيدة الإسلامية التي حُرِبت في عقول أبنائها وقلوبهم بعد أن صُدرت وعزلت رغم تجهم الباطل ووعورة المسالك، وأما ما أعطاه لأمته فهو الدليل والشاهد على أن هذه الأمة لم تعجز عن صناعة الأبطال الذين يرتفعون على الواقع ويرفضون الاسترحام لباطل ويضربون المثل الرفيع على الصمود، والإصرار على تحقيق الأهداف الكبيرة، ولا يبالون أن يكونوا قرابين فداء للغاية الكبرى والهدف العظيم.
ولئن قضى سيد قطب في سبيل فكره وعقيدته، فلقد كان استشهاده على الصورة والكيفية التي تم بها صفحة مشرقة في تاريخ هذه الأمة في هذه الحقبة من عمرها الحالكة السواد.
لقد تم استشهاد– سيد قطب في عام ١٩٦٥ أي قبل عام حزيران بعامين والذين عايشوا الشهيد وقرأوا له وتتلمذوا على يديه كانوا يعرفون رأيه في طريق النصر إلى فلسطين ففي عام ١٩٥٤ عندما عقد المؤتمر الإسلامي العام في بيت المقدس قال سيد قطب أن وسيلة النصر على اليهود هي المقاومة على طريق حرب العصابات كما صنع الإخوان المسلمون في مقاومة الإنجليز في القنال عام ١٩٥١ وكما فعلوا مع اليهود في حرب ١٩٤٨ وتاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية يشهد لها بأنها أسبق الفئات إلى الإعلان عن الكيفية والطريق التي يتم بها تحرير فلسطين وهي نفس الطريق التي سلكها الشعب الفلسطيني العربي ضد الإنجليز والصهيونية قبل دخول الجيوش العربية عام ١٩٤٨ ولئن استطاع الشعب الفلسطيني العربي بأمكاناته المحدودة ورغم المؤامرات المختلفة أن يصمد في وجه الاحتلال الإنجليزي وأساليب الصهيونية والوكالة اليهودية طيلة فترة الاحتلال فإن الحركة الإسلامية كانت الفيلق الوحيد في حرب ١٩٤٨ الذي لم يغلب والذي حقق انتصارات رائعة على القوات اليهودية في أكثر من جهة وقد اعترف بهذه الحقيقة كبارالعسكريين اليهود، نسوق هذا الكلام في موجة التضليل والكذب التي استهدفت عزل الإسلام عن المعركة الراهنة، وبعد أن تمت عملية العزل وهيأت للهزيمة راحت تعلن بكل ظلم وبهتان أن سبب هزيمة العرب تعود إلى دينهم ووراثاتهم الروحية والفكرية يالله كيف يبغي الباطل: فالعرب كما يزعم الماركسيون ومن لف لفهم من الماديين خسروا المعركة بسبب دينهم، وقرآنهم، وواقع التاريخ العربي يؤكد أن الذي جمع شمل العرب وجعل منهم أمة ذات كيان ولغة وحضارة هو الإسلام، والإسلام وحده الذي صنع الإنسان العربي الذي قهر دهاقين الظلم من أكاسرة الفرس وقياصرة الروم وهو الذي حرر سوريا والعراق ومصر والشمال الإفريقي واليمن من استعمار الروم والفرس والأحباش، بل هو الذي عرب كل شمال إفريقيا وغربي آسيا وهو الذي أعطى اللغة العربية هذه القوة والقدرات التي استطاعت بها أن تصمد في وجه كل الحملات التي كانت ومازالت تستهدف قتلها والقضاء عليها والإسلام هو الذي احتضن العلماء من رجال الفكر والمعامل والمختبرات في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تغط في سبات عميق، والإسلام هو الذي جعل من المسلم إنسانًا لا يقهر لأنه قرن الفرار أمام العدو بالشرك الصراح ولم يفر العرب أمام أعدائهم إلا عندما هانت في نفوسهم عقيدتهم ومع ذلك فإن الظلمة والمرجفين لا يخجلون أن يعلنوا أن الإسلام كان سببًا للكارثة وسواد شعبنا يسمح لمثل هذا الظلم أن يشيع في وسائل الثقافة المختلفة في الوطن العربي وكأنه قد نسي السبب في إشاعة مثل هذه الأراجيف أن العدو وسماسرته يشيعون مثل هذه التهم ليباعدوا بين الشعب وبين سر قوته وعماد نصره.
إن هذه الأمة لم تعرف العزة بغير الإسلام ولن تعرفها بغيره أقول هذا الكلام وأمامنا مثل صادق هو سيرة شهيد الفكر الإسلامي سيد قطب الذي أثبت في الطريقة التي عاشها والصورة التي استشهد بها، أن الفكر الإسلامي وحده هو الذي رفض الظلم وصاح في وجه الظلمة وأن الفكر الإسلامي هو الذي قدم الشهداء والضحايا في مسيرة الأمة نحو غد أفضل في الوقت الذي ملأت فيه وسائل الإعلام المختلفة الدنيا بالضجيج والعجيج أمام بعض أدعياء المادية الماركسية، وعندما انجلى الغبار عن الحقيقة الناصعة تبين أن الفكر الإسلامي هو الذي رفض الظلم وأن أدعياء الحرية والوحدة من صنائع الفكر المادي قد انتهوا يحرقون البخور بين أيدي الطغاة.
يقول سماحة الأستاذ الشيخ أبو الحسن الندوي عن سيد قطب في كتابه مختارات من أدب العرب الطبعة الثانية صفحة ٢١٤ هو سيد قطب بن الحاج قطب إبراهيم هاجر جده السادس الفقير عبيد الله من الهند إلى مصر ولد في سنة ١٩٠٦ في أسيوط وحفظ القرآن وانتقل إلى القاهرة وإلتحق بدار العلوم في سنة ۱۹۲۹ ونال منها شهادة في التعليم واشتغل في وزارة المعارف التي أرسلته سنة ٤٩ إلى أمريكا لدراسة نظام التعليم هناك ورجع منها سنة ٥١ وقد رأی إخفاق الحضارة الغربية وميلها إلى الانهيار وأعتزل الوظيفة وانقطع إلى التأليف والكتابة.
الأستاذ قطب من أركان الأدب الإسلامي الحديث والدعوة الإسلامية العلمية، كان من أساتذة النقد العربي والأدبي ومن المتجددين من مدرسة الأستاذ العقاد حتى أثرت فيه دراسة القرآن أثناء تأليفه «التصوير الفني في القرآن»، وأكرمه الله بالإيمان الجديد بدينه وصلاحه للخلود والقيادة والسيادة، فدعا إلى ذلك على بصيرة وكتب وألف واتصل بدعوة الإخوان المسلمين حتى اعتقل في سنة ١٩٥٤ على أثر حل الجماعة. له العدالة الاجتماعية في الإسلام، ومعركة الإسلام والرأسمالية، والإسلام والسلام العالمي وفي ظلال القرآن.
أما الدكتور محمد يوسف نجم أستاذ الأدب العربي في الجامعة الأمريكية في بيروت فقد قال عن سید قطب في كتاب الأدب العربي في أثار الدارسين المطبوع عام 1961م.
يعتبر سيد قطب من النقاد العصاميين، الذين شقوا طريقهم بنفسهم دون الاعتماد على النقاد الغربيين كما فعل أكثر النقاد في النهضة الحديثة. تخرج سيد قطب من دار العلوم سنة ١٩٣٣م، وبدأ حياته الأدبية بالشعر، ثم التفت إلى الدراسات النقدية وشهدت مجلتا الرسالة والثقافة جولاته العميقة في النتاج الأدبي المعاصر، وأخرج دراستين في البلاغة القرآنية أولاهما «التصوير الفني في القرآن» والثانية «مشاهد القيامة في القرآن» من خير ماكتب قديمًا وحديثًا في هذا الموضوع وحاول كتابة القصة وجمع مقالاته النقدية في كتاب «كتب وشخصيات» ثم أصدر كتابًا في النقد الأدبي هو«النقد الأدبي»، أصوله ومناهجه «القاهرة ١٩٤٧»، تحدث فيه عن العمل الأدبي والقيم الشعورية والتعبيرية، وتحدث عن فنون الأدب ومناهج النقد، وقد اعتمد في كتابه على ذوق مرهف وفهم عميق أصيل، وثقافة عربية شاملة واستمد من الكتب المترجمة ككتاب «قواعد النقد الأدبي» و «وفنون الأدب» و «ومنهج البحث في الأدب»، وأفاد من دراسات الجامعيين كدراسة أحمد طه إبراهيم في النقد الأدبي عند العرب، ودراسات خلف الله التي نشرها في مجلة كلية الآداب ثم جمعت في كتابه «من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده» وفي سنة ١٩٤٧ م سافر سيد إلى أمريكا ليتعلم اللغة الإنجليزية، وعاد بزاد ثقافي جديد كان من الممكن أن يفيد منه في تقويم منهجه النقدي فتتسق له طريقته الخاصة فيه، لولا أنه انغمس في السياسة، واستنفذت حركة الأخوان المسلمين جهوده، وساقته أخيرًا إلى السجن، وقد فقدنا بتوقفه ناقدًا ثقفًا لقفًا أستوعب منهج أستاذه العقاد أحسن إستيعاب، واستغله بذوقه المرهف وجلده العظيم على المطالعة والدرس، وتطلعه الدائم إلى الاستزادة من الثقافة والمعرفة.
ومنهج سيد قطب في النقد منهج تكاملي كما دعاه وهو لا يتقيد بمنهج من المناهج المختلفة كالمنهج الفني والمنهج النفسي بل يستخدم هذه المناهج مجتمعة متكاملة متداخلة في مواضعها المناسبة ويستخدم جميع الوسائل التي تمكن من إصدار أحكام متكاملة على العمل الأدبي من جميع نواحيه، وقيمة هذا المنهج في النقد كما يرى إنه يتناول العمل الأدبي من جميع زواياه ويتناول صاحبه كذلك وأن لا يغفل القيم الفنية البحتة ولا يغرقها في غمار البحوث التاريخية النفسية وأنه يجعلنا نعيش في جو الأديب الخاص ولا ننسى مع هذا أنه أحد مظاهر النشاط النفسية وأحد مظاهر المجتمع التاريخية وإن كان الدكتور نجم يعتبر حمل الأستاذ سيد قطب الراية في سبيل مجتمع أفضل تتحقق فيه العدالة في ظل شريعة الله استنفاذًا لجهود الشهيد وخسارة للأدب والنقد فإن شهادة التاريخ تؤكد أن استقامة الطريق أمام شهيدنا وثباته على الحق في وجه الظلمات ستبقى صفحة بيضاء مشرقة في تاريخ هذا الجيل الذليل الهزيل على صعيد الفكر والسياسة والكرامة القومية فماذا يفيد الأدب وماذا يفيد النقد وأدباؤنا ونقادنا جعلوا من الأدب وسيلة عيش واسترزاق رخيص وإلا فأين أدب الرفض للواضع الذليل المهزوم وأين الفكر المتجرد الذي يدرس أسباب الهزيمة ويضع الأسس لرد الكرامة القومية دون أن تتأثر بمصالحه أو يخاف من خاتمة أو يتطلع إلى ضعفه؟.
إن هذه الفترة من تاريخ الأمة الفكري لولا سيد قطب وأخوانه لكانت ليلًا بلا نجوم، لان أحدًا غيرهم لم يرفع عقيرته في وجه الظلم ولم يخدع بالسراب الكاذب الذي ضلل الأمة وساقها إلى هذا العار. وكلمة أخيرة أقدمها إلى أخوان الشهيد ورفاقه وتلاميذه وأبنائه ومعارفه بأن الإخلاص للفكر واحترام الأساتذة والرجال لا يكون بالدعاوي العريضة والتحدث عن الأمجاد والقعود المترف والعمل السهل الرخيص، فلقد قضى سيد قطب عشر سنوات في زنزانته وكان دائمًا يقول لزواره الذين يريدون للفكر أن يتلمس المعاذير ويظنون أن حمل الدعوة بلا تكاليف يكفي.
كان المرحوم يقول لهم إن كنت مسجونًا بحق فأنا ارتضى حكم الحق وإن كنت مسجونًا بباطل فأنا أكبر من أن استرحم الباطل، فماذا يا أدعياء النسب بالشهيد هل نكتفي بالخواتم البيضاء والأثواب الحريرية والنزهات الجماعية والفكر الإسلامي مطارد والقدس بأيدي اليهود والصيحات الكاذبة في كل واد ترتفع باسم الكفاح والمطالبة بالحرية والوحدة والغائب الوحيد عن المعركة بل عن واقع الناس هو الإسلام وجنده.
لقد مضى على استشهاد سید قطب اكثر من ست سنوات ومع ذلك لم يكتب عنه أحد من رفاقه وتلاميذه كتاباً واحدًا في الوقت الذي تناولت فيه مجلة حوار وغيرها من مؤسسات الأستعمار الفكري الرجل، وتحدثت عنه بالحق والباطل وكتب عنه رجال لم يعرفوه ولم يجلسوا معه جلسة واحدة، أما رفاقه وتلاميذه وإخوانه فقد قعد بهم العجز والاسترخاء عن هذا الواجب نحو الداعية والدعوة إن الصورة الظاهرة للكثيرين من أدعياء النسب الفكري بالشهيد تتغلب عليهم البطالة والهروب إلى الأفياء والظلال تحت قبة تاريخ الدعوة القريب والبعيد، أما أن يوصلوا تاريخ الدعوة الحديث بالماضي فتلك مهمة لم تزل تبحث عن الرجال.