العنوان الإسلام والقومية: 1 من 8":مساعي الصليبية العالمية لإقصاء الإسلام
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1638
نشر في الصفحة 44
السبت 12-فبراير-2005
لم يتوقف الصليبيون الاستعماريون الغزاة للحظةٍ واحدة عن العمل لإقصاء الإسلام، ثم استئصاله بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة. عن طريق عملائهم، أو النُّخب التي دربوها واحتضنوها، وتشعبت بثقافتهم في جانبها المنحط والمبتذل.
ولا أجدُني قادراً على استعراض تاريخ الصراع الصليبي الاستعماري مع الإسلام في هذه المناسبة لضيق المجال.
إنّه في عهد كرومر الذي حكم مصر في ظل الاحتلال البريطاني نحو عقدين من الزمان (أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين) فإنّه وضع نظاماً للتعليم يبعد المصريين عن الإسلام، ويقربهم من الثقافة الإنجليزية البروتستانتية، واستمر الوضع زمناً بعد رحيله على يد مستشاره دنلوب، وهو قَسّيس اسكتلندي من غلاة المستعمرين المتعجرفين المتغطرسين الذين يحتقرون الإسلام والشعوب الإسلامية.
وسبق الفرنسيون كرومر على مدى القرن التاسع عشر في تأسيس المدارس الفرنسية وإرسال البعثات التّبشيرية والعلمانية إلى مصر والشام لنشر لغتهم وثقافتهم، فقد عمدتْ فرنسا إلى بسْط نفوذها الثقافي في مصر بتأسيس أوّل مدرسة فرنسية عام ١٨٤٤م على يد الآباء (العزارين)، ثم جاء العزير وأسّسوا أول مدرسة لهم عام ١٨٤٥ م . ثم جاءت راهبات المحبة - منشئَات أخوية الراعي الصالح- وأسسن مدرسة لتربية البنات عام ١٨٤٦، وحذتْ حذوهنّ الراهبات الفرنسيسكان، وانشأْن مدرسة في القاهرة عام ،۱۸۵۹م، بالقرب من الأزبكية، وأخرى في بولاق سنة ١٨٦٨م، وغيرها في المنصورة سنة١٨٨٢ وقد أمّ هذه المدارس كثير من الطلبة والطالبات من كلّ جنس حتى بلغ عددهم في عهد إسماعيل ما يزيد على ثلاثة آلاف طالبٍ وطالبةٍ على الرغم من أنّ الغرض الرئيس لهذه البعثات كان نشر الدين الكاثوليكي، وخدمة الاستعمار الفرنسي والتمكين النفوذ فرنسا الأدبي في مصر.
وقد وصل عدد التلاميذ في المدارس الفرنسية في مصر حسب تقرير وزارة المعارف سنة ۱۹۳۱ - ۱۹۳۲م أكثر من ٤٢ ألف تلميذ وتلميذة، ويزيد هذا العدد على ضعف مجموع الطلاب الذين يتعلمون في المدارس الأجنبية بمصر سواء كانتْ إيطاليّة أو أمريكيّة أو إنجليزيّة أو يونانيّة، مما ترتّبَ عليه انتشار الفرنسية في مصر، وتمسُّك الأجانب بها عامَّة، وجعلها لغتهم الأولى في التّعامُل، وساعد ذلك على انتشار الأدب الفرنسي وبراعة بعض المصريين في النَّظم بالفرنسية.
ما حدث في مصر حدث على نطاق أوسع في الجزائر، حيث تفرنس المجتمع تماماً على مدى ثلاثين ومائة عام، وقد شاركتْ الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الميدان بإنشاء المدرسة الأمريكية «الجامعة الأمريكية» فيما بعد في لبنان ومصر، لتكون مركزاً للتبشير في العالم العربي ومازالتْ المدارس والجامعات الفرنسية والإنجليزية والأمريكية تقوم بدورها في إقصاء الإسلام، والأرثوذكسية أيضاً لحساب الكاثوليكية والبروتستانتية.
المدارس والجامعات الأجنبية خرّجتْ نُخبًا ولاؤها للثقافة الاستعمارية الصليبية، وهذه النُّخب انعقد لها على مدى القرن الماضي حتى الآن قيادة الفكر والثقافة والأدب والسياسة في عالمنا العربي، تحت رايات مختلفة، وأحزاب متعددة، وعبرتْ هذه الرايات عن توجهات قومية أو قُطريّة أو طائفية أو شعوبية.
وبدأ في القرن الماضي يتردد سؤال من نحن؟ طُرح هذا السؤال في مصر، وفي غيرها من البلاد العربية.. هل نحن عرب؟ هل نحن فراعنة أم فينيقيون أم بابليون أم سيثيون أم زنوج أم بربر أم أفارقة ...؟ هل نحن مسلمون؟ هل نحن نسبةً إلى البحر المتوسط؟ هل نحن اشتراكيون؟ هل نحن رأسماليون؟ هل نحن عالمٌ ثالث؟ هذا السؤال يأخذ أشكالاً متعددة ومتنوعة. ولكنه في معظم الأحوال، سعى لتخطّي الانتماء الإسلامي وخاصّةً في فترة المدّ القومي، بعد الاستقلال عن الدول الصليبية الاستعمارية. انطلاقاً من كون العالم العربي يضُمّ مواطنين غير مسلمين، مما يرتب على الأغلبية الإسلامية أن تُنحّي الإسلام جانباً لصالح القومية العربية.. أي أنّ الإسلام يصبح مجرّد عبادةٍ شخصية لا علاقة لها بحركة المجتمع أو الأمة.. وتصير القومية هي الإطار الذي يجمع الأقلية مع الأكثرية .. وكانت ثورة ١٩١٦ التي قادها الشريف حسين، وسميت بالثورة العربية ضد الخلافة العثمانية بتحريض من الدول الصليبية الاستعمارية «إنجلترا وفرنسا خاصة» ودعمها إيذانا بانطلاق فكرة القومية العربية التي تبلورتْ فيما بعد بإنشاء أحزاب وتنظيمات قومية أبرزها: حزب البعث في سورية والعراق والاتحاد الاشتراكي العربي في مصر على عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر، وقد امتدت هذه التنظيمات والأحزاب إلى العديد من الدول العربية بصورة أوأخرى.
بيْدَ أنّ الفكرة القومية، وخاصّةً بعد هزيمة١٤م، أُصيبتْ بانتكاسةٍ كبيرة، حيث اختلف البعثيّون في دمشق وبغداد، وبدأتْ تظهر في الدول العربية دعوات لإحلال الوطنية محل القومية. وبعث الهُويّات القديمة ورموزها الفرعونية الفينيقية البابلية السبئية البربريّة الزنوجيّة.. إلخ.
ولم تجدْ الدعوات الانعزالية، ونبذْ فكرة القومية أو العروبة غضاضةً في المجاهرة بأرائها وأفكارها، بل صار هناك مثلاً من يقول: إنّ مصر ليستْ عربية ولا تمُتّ إلى العروبة بصِلَة، وظهرت كتبٌ وصحف ومقالات وأحزاب تؤكّد على ذلك، وتدعو إلى نبذ اللغة العربية، والكتابة باللهجة العامية، وبعث اللغات المصرية القديمة مثل الهيروغليفية.
لم يتوقف الأمر عند هذه الحدود، بل تعدّاه إلى بروز دعواتٍ طائفية، تدعي مثلاً أنّ المسلمين في مصر عربٌ غزاة، ومحتلّون، وجاؤوا مع الاستعمار العربي الذي احتل مصر منذ العام٣٢هـ !!
لقد بدأتْ الفكرة الاستعمارية بتفكيك الخلافة الإسلاميّة عن طريق القومية، ثم تفكيك القوميّة عن طريق الإقليميّة، وتفكيكها عن طريق الطائفيّة والعرقيّة وهلم جراً..