العنوان مستقبل الأمة يعتمد على النهضة العلمية وأساسها البحث العلمي
الكاتب مجاهد مصطفي بهجت
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2016
مشاهدات 44
نشر في العدد 2093
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 01-مارس-2016
المفكر السياسي الماليزي د. عبد مناف أبو العباس:
مستقبل الأمة يعتمد على النهضة العلمية وأساسها البحث العلمي
حاوره: أ.د. مجاهد مصطفى بهجت
هذه جولة فكرية وحوار علمي ومراجعة مع علم من أعلام ماليزيا، د. عبد مناف أحمد أبو العباس، عاش نصف قرن من حياته الفكرية في معترك المؤسسات السياسية والتعليمية، وأسهر ليله في التفكير والتأليف، فكانت حصيلة ذلك عدداً من الكتب التي نُشرت باللغة الماليزية والعربية، فضلاً عن جهوده في الإشراف على مئات من الطلبة الذين درسوا في المرحلة الجامعية والدراسات العليا بالقاهرة ودول عربية أخرى.
ود. عبد مناف أحمد أبو العباس عمل مستشاراً ثقافياً لسفارة ماليزيا بالقاهرة (1965 - 1980م)، ثم مديراً عاماً لمؤسسة الدعوة الإسلامية في ماليزيا (1981 - 1986م)، ثم عضواً في البرلمان الماليزي (1986 - 1995م)، ثم نائباً للمدير العام لمؤسسة الدعوة الإسلامية في ماليزيا (1996 - 2000م)، ثم رئيساً لمعهد العلوم الفنية (2000 - 2005م)، نائب رئيس الجامعة الإسلامية الماليزية (2010 - 2015م)، وهو رئيس جمعية خريجي الكلية الإسلامية بالملايو منذ عام 1982م حتى الآن.
< للنشأة المبكرة والطفولة أثر كبير في شخصية الإنسان، كيف كانت نشأتكم في القرية؟ وما أثرها في حياتكم؟
- كان يوم مولدي صباح الجمعة 13 أبريل بقرية فرماتنج كراي سبرانح فراي شمال ماليزيا عام 1934م، وكان والدي فلاحاً اسمه أحمد، واختار عمدة البلد اسماً لي فسُميت بـ«عبد مناف أحمد»؛ تبركاً باسم جد الرسول صلى الله عليه وسلم.
كان والدي ماهراً في الزراعة والتجارة، فكان يشتري الأرض الزراعية القاحلة، وبجوارها ترعة (ساقية) ماء طبيعية، فيقوم بسد هذه الترعة ويرتفع الماء إلى المزرعة، ويشتري بمحصول هذه الأرض أرضاً أخرى.. وهكذا، وكان والدي مثقفاً معتدلاً، يحب العلم؛ حيث كان يتعلم التوحيد والفقه على شيخ في القرية.
بدأت الدراسة الابتدائية عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث شن جنود اليابان هجوماً على جنود بريطانيا الحامية لشبه جزيرة الملايو، وكانت تحت سيطرتهم منذ عام 1870 - 1940م.
وبعد مرور خمس سنوات من الدراسة حصلت على الشهادة الابتدائية بتفوق، والتحقت بالمدرسة الخيرية الثانوية الإسلامية على نظام قديم كالثانوية الأزهرية، وكانت تنقصني المواد العلمية، إلا أنني كنت أدرس هذه المواد بالليل ونجحت بتفوق أيضاً، وحصلت على الشهادة الثانوية الإسلامية، ثم التحقت بالجامعة التي كان اسمها «الكلية الإسلامية بالملايو»، وهي أول جامعة بشبه جزيرة الملايو.. ولي قصة مؤثرة آنذاك؛ حيث إن والدي كان لا يستطيع أن يتحمل نفقة دراستي الجامعية العالية إلا بعد اقتناعه بمستقبل ولده الذي هو الأهم من كل شيء في حياته، ولذلك ومن أجلي باع أرضه الزراعية، والتحقتُ بالجامعة عام 1956م، وكان مسروراً لذلك.
< أسهمت في مشروع إحياء الكلية الإسلامية، ما أهمية هذا المشـروع؟
- التاريخ يذكرنا أن مدة حياة الكلية الإسلامية بالملايو كانت قصيرة جداً، وذلك من عام 1955 إلى 1970م فقط؛ والسبب أن الحكومة تريد تطبيق اللغة الماليزية بالجامعة دون اللغة العربية التي كانت تدرس بالكلية الإسلامية بالملايو، وجدير بالذكر أن خريجي الكلية الإسلامية بالملايو في هذه المرحلة القصيرة كانوا معروفين ومشهورين في المجتمع الماليزي، حيث أصبحوا وزراء وأساتذة في الجامعات وموظفين كباراً بالدولة في الإدارات والبنوك، ومنهم من أسس البنك الإسلامي المعروف.
وبعد أن عُينت مستشاراً ثقافياً لسفارة ماليزيا بالقاهرة، اتفق أعضاء جمعية خريجي الكلية الإسلامية بالملايو على اختياري رئيساً لهذه الجمعية عام 1982م وحتى اليوم، وحزنت عندما سمعت عن تعطيل الدراسة بالكلية الإسلامية بالملايو، فشرعت في التخطيط لإعادة فتحها من جديد، وواجهنا معارضة لهذه الفكرة؛ وذلك بحجة وجود الجامعة الإسلامية العالمية IIUM، وجامعة العلوم الإسلامية USIM.
إن فكرة إعادة فتح الكلية الإسلامية من جديد باسم الجامعة الإسلامية في ماليزيا لا تتعارض مع وجود هاتين الجامعتين؛ وذلك لأن هذه الجامعة ليست جديدة، وإنما امتداد للكلية الإسلامية بالملايو، كما أن الجامعة الإسلامية في ماليزيا تُعد أول جامعة بحثية بماليزيا متخصصة في الدراسات العليا فقط.
أضف إلى ذلك أن الجامعة الإسلامية في ماليزيا لها دور مختلف تماماً عن الجامعات الأخرى؛ لأن هذه الجامعة مهمتها البحوث العلمية، وتنفرد أيضاً عن الجامعات الأخرى في أن الدراسة فيها تكون للدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) فقط، وتعتمد على الحكمة المستمدة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية لتكون مثلاً عالياً لحياة المسلم في ماليزيا وخارجها.
< مَنْ من الأساتذة والشيوخ تحتفظ بهم الذاكرة حاز على إعجابكم، وكان له الأثر الكبير في حياتكم؟
- لا أنسى ما ذكره الأستاذ الكبير د. محمد عبدالرؤوف (يرحمه الله)، عميد الكلية الإسلامية بالملايو (1955م - 1963م) في كتابه «الملايو.. وصف وانطباعات»، حيث كان يعاني مشقة في بداية عمله بالكلية، وصبر كثيراً، وتأثرت بمسيرة حياته ونشاطه العلمي، حتى إنني أشعر كأنه ما زال حياً معنا.
كما لا أنسى الأستاذ الكبير حاجي محمد أبو بكر، فقد كان شديداً في الفصل وحازماً، وحتى الآن لا أنسى ما تلقيته منه من علم نافع مبارك، ولا أنسى كذلك الأستاذ محيي الدين موسى، والأستاذ إبراهيم ياسين، وكانا يساعداني كثيراً بعد أن عدت من القاهرة إلى ماليزيا عام 1981م.
< كيف يؤثر الاقتصاد الإسلامي في إصلاح المجتمع وتحقيق التنمية والتطور؟
- إن فكرة إصلاح المجتمع عن طريق الدين فكرة صحيحة لا انحراف فيها، ولكن الانحراف يكون في الأسلوب، وإن المظاهر والأسباب التي ولّدت عدم الاقتناع بالواقع الحاضر تقصد إلى إصلاحه، وقد يكون الخطأ في الوسائل المتبعة، فمثلاً إصلاح المسار الاقتصادي هدف مشروع، ولكن ما الوسيلة إليه؟ فإن كانت تحريم الربا فهذا حسن وجيد، ولا بد من البحث العلمي في علم الاقتصاد، وموضوع الاقتصاد موجود في كتب الفقه الإسلامي وخصوصاً في كتاب البيوع من باب المعاملات، وقد نجح د. عبدالحليم إسماعيل، عميد كلية الاقتصاد بجامعة الملايو بماليزيا، في تطبيق الاقتصاد الإسلامي باسم البنك الإسلامي، وسارعت البنوك في اليابان وأوروبا للاستفادة من هذه البحوث، وترجع أسباب هذا النجاح إلى أن د. عبدالحليم إسماعيل كان يتعلم في الصباح في المدرسة العربية الدينية - وهي معروفة في شمال ماليزيا - وفي المساء كان يتعلم بالمدرسة الإنجليزية، فكانت له ثقافة مزدوجة إسلامية وثقافة غربية أو علمانية.
< ألّفتَ عدداً من الكتب في السياسة والاجتماع، ما الكتاب الذي ألفته وتعتز به دون الكتب الأخرى؟
- من الكتب التي أعتزّ بها كتاب «تاريخ دستور ماليزيا»، وكتاب «ماليزيا كدولة إسلامية».
ولا شك أن أفضل مجتمع في الوجود هو المجتمع الذي يقوم على أحسن دستور، وليس هناك دستور أفضل من دستور الله سبحانه وتعالى؛ وهو القرآن الكريم، مع سُنة النبي [، وقد ورد ذكر القرآن والسُّنة في سورة «الجمعة» في قوله تعالى: {هٍوّ پَّذٌي بّعّثّ فٌي الأٍمٌَيٌَينّ رّسٍولاْ مٌَنًهٍمً يّتًلٍو عّلّيًهٌمً آيّاتٌهٌ $ّيٍزّكٌَيهٌمً $ّيٍعّلٌَمٍهٍمٍ پًكٌتّابّ $ّالًحٌكًمّةّ $ّإن كّانٍوا مٌن قّبًلٍ لّفٌي ضّلالُ مٍَبٌينُ (2)} (الجمعة).
< ما البعد الحقيقي في تصوركم لانهيار نظام الحكومات القديمة بتونس ومصر وليبيا واليمن؟
- من الأسباب المهمة لما حدث عدم وجود دستور حقيقي لحماية المواطنين من الظلم والفساد.
< ما الأزمة التي تعاني منها الأمة الإسلامية اليوم؟ هل هي فكرية ثقافية، أو تربوية أخلاقية؟
- الأزمة التربوية الأخلاقية تأتي في الأولويات، وبدايتها من البيت ثم المدرسة ثم الجامعة ثم المجتمع.
< كيف ترى مستقبل المسلمين بين التفاؤل والتشاؤم؟ وما سبيل النهوض بهم؟
- أرى أن الله لا يحب التشاؤم الذي يؤدي إلى الهلاك، ومستقبل الأمة يعتمد على النهضة العلمية وأساسها البحث العلمي، وكذلك الأعمال الصالحة للدولة والأمة، وقد قال تعالى عن هذه الأمة المسلمة: {كٍنتٍمً خّيًرّ أٍمَّةُ أٍخًرٌجّتً لٌلنَّاسٌ تّأًمٍرٍونّ بٌالًمّعًرٍوفٌ $ّتّنًهّوًنّ عّنٌ پًمٍنكّرٌ $ّتٍؤًمٌنٍونّ بٌاللَّهٌ} (آل عمران:110).>