العنوان (يوغوسلافيا) مستقبل المسلمين في البوسنة والهرسك بعد الاستفتاء
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الأحد 08-مارس-1992
مشاهدات 88
نشر في العدد 992
نشر في الصفحة 28
الأحد 08-مارس-1992
نتائج الاستفتاء الأخير في البوسنة
والهرسك تضع الدول العربية والإسلامية أمام مسؤولية مباشرة للاعتراف باستقلالها
هل وصلت الأزمة اليوغوسلافية إلى مرحلتها النهائية؟.. وهل يغلب الطابع
السلمي على هذه المرحلة أم ينفجر القتال مجددًا ولكن في البوسنة والهرسك بعد
كرواتيا... وما الذي ينتظر مقدونيا وينتظر زهاء 2.5 مليون مسلم يعيشون داخل
صربيا والجبل الأسود؟
هذه بعض التساؤلات الملحة الآن بعد الاستفتاء الذي جرى في البوسنة
والهرسك يومي السبت والأحد «29/ 2 و1/ 3/ 92م» وأسفر عن تثبيت قرار الاستقلال
الكامل في الجمهورية التي يسكنها 4.5 مليون نسمة نصفهم مسلمون وبعد الاستفتاء الذي
جرى في جمهورية الجبل الأسود «1/ 3/ 92» وأسفر عن تثبيت مخطط إقامة دولة اتحادية
جديدة بين صربيا «وفيها أكثر من 2 مليون مسلم في كوسوفو خاصةً من أصل 8.5
مليون نسمة» وبين الجبل الأسود وفيها زهاء 250 ألف مسلم من أصل 750 ألف نسمة.
الاستفتاء آخر خطوة
وكان الاستفتاء الشعبي في البوسنة والهرسك آخر خطوة في مرحلة خطيرة من
طريق طويل سار عليه الرئيس علي عزت بيكوفيتش بين الألغام متبعًا سياسة اتسمت
بالحذر الشديد وبعد النظر إلى درجة تستحق الإعجاب والتقدير. وكان الزعيم المسلم
الذي سجن أكثر من مرة في العهد الشيوعي بسبب مؤلفاته ودفاعه عن حقوق المسلمين
وحرياتهم شديد الحرص- منذ فوزه في انتخابات عام 89م- على تحقيق أربعة أهداف
رئيسية.
1- تعزيز إحساس المسلمين في
البوسنة والهرسك بانتمائهم المتميز إلى الإسلام دون أن تتحول علاقاتهم اليومية مع
المواطنين الآخرين من الصرب الأرثوذوكس والكرواتيين الكاثوليك إلى درجة الصدام أو
العداء المباشر.
2- التزام أقصى درجات الحياد
إزاء القتال بين الصرب والكرواتيين في ظروف صعبة لا يسهل الحياد فيها نظرًا إلى
تعاطف الأقليتين في بلده مع الدولة الأم لكل منهما ونظرًا إلى استخدام الجيش
الاتحادي الذي يسيطر الصرب عليه أراضي البوسنة والهرسك في كثير من هجماته العسكرية
على أراضي كرواتيا علاوة على مخاوف المسلمين الذين كانوا يتوقعون أن يلتفت الصرب
إليهم بعد فراغهم من المعركة الدائرة مع الكرواتيين.
3- الحرص الكبير على إبقاء
قضية مستقبل البوسنة والهرسك حية على المستوى الأوروبي خاصة في مرحلة يتركز
الاهتمام فيها على إنهاء القتال في كرواتيا واستقرت السياسة الأوروبية الرسمية
خلالها على الاعتراف باستقلال سلوفينيا وكرواتيا واستثناء مقدونيا والبوسنة
والهرسك من خطوة مماثلة.
4- ثم تعزيز العلاقات مع
البلدان الإسلامية وهذا ما لم يجد الاستجابة على المستوى الذي يستحقه المسلمون في
المنطقة وتفرضه إخوة العقيدة والمصالح الواقعية على السواء.. وكانت جهود بيكوفيتش
في هذا الاتجاه مقترنة بالحرص على ألا يتخذ الأوروبيون من الانتماء الإسلامي في
البوسنة والهرسك ذريعة إضافية لموقف عدائي ينطوي على مقاومة قيام دولة إسلامية
أوروبية علاوة على ألبانيا في منطقة البلقان.
مسؤوليات الدول الإسلامية
وحققت سياسة بيكوفيتش الحذرة هذه أغراضها إلى حد بعيد وكان الاستفتاء
الشعبي الأخير بمثابة الخطوة الختامية لتجاوز سلسلة العقبات الشكلية التي وضعتها
الرابطة الأوروبية تحت عنوان شروط رسمية للاعتراف الدبلوماسي.. ولا ينفي
ذلك احتمال قيام عقبات جديدة، ومن المعروف أن الرابطة امتنعت عن الاعتراف بمقدونيا
بسبب الموقف اليوناني المعارض، رغم أن مقدونيا وفرت سائر الشروط الرسمية
المعلنة من جانب الرابطة.
ومن جهة أخرى فإن نتائج الاستفتاء في البوسنة والهرسك تضع الدول
الإسلامية أمام مسؤولية مباشرة، فلئن كانت قد انطلقت من مراعاة المواقف الغربية
حتى الآن فتلكأت في تعزيز العلاقات مع البوسنة والهرسك وفي الاعتراف باستقلالها
فإن هذه الحجة أسقطتها سراييفو الآن باستجابتها لسائر الشروط الغربية المعلنة على
هذا الصعيد.
ومن المعروف أن تداخل الفئات السكانية الرئيسية الثلاث في سائر أراضي
البوسنة والهرسك يجعل أية محاولة لتقسيمها الذي تسعى إليه أوساط صربية وكرواتية
سبب اندلاع معارك دامية لا يختلف المراقبون والمحللون السياسيون على أنها ستكون-
إذا وقعت- أشد ضراوة بأضعاف مضاعفة، مما كان في كرواتيا وسبب خلال ستة شهور مقتل
زهاء 100 ألف وتشريد زهاء 700 ألف نسمة ونظرًا إلى هذه المخاطر فقد كان الاستياء
في سراييفو كبيرًا إزاء موقف الأمم المتحدة، الذي حكمته السياسات الأميركية
والبريطانية والفرنسية، إذ لم يستجب مجلس الأمن الدولي إلى طلبات حكومة سراييفو
المتكررة بإلحاح أن تنتشر قوات السلام الدولية في البوسنة والهرسك أيضًا لدرء
احتمالات نشوب القتال... رغم أن مجلس الأمن الدولي يناقش في هذه الفترة بالذات
تعزيز ما يسمى بالدبلوماسية الوقائية والإجراءات العملية للحيلولة دون نشوب
الأزمات. كذلك فإن المماطلة الطويلة في مواقف مجلس الأمن تبعث على التساؤل كيف
سيتصرف وبأية سرعة إذا اندلع القتال في البوسنة والهرسك وهل سينتظر إلى أن يتمكن
الصرب المتفوقون عسكريًا من فرض واقع جديد في المناطق التي يريدون ضمها إلى
صربيا؟.. ثم كيف سيكون موقف الكرواتيين في حال نشوب القتال؟.. وقد كان معروفًا عن
الرئيس الكرواتي توجمان تبنيه هدف تقسيم البوسنة والهرسك ولم يتوقف عن إعلان هذا
الهدف إلا أثناء القتال في كرواتيا ويقال إن زعيم الأقلية الكرواتية مانوليتش داخل
البوسنة والهرسك والمعروف بصلاته الوثيقة مع توجمان قد جدد الحديث عن التقسيم خلال
اجتماع سري عقده مع زعيم الأقلية الصربية كارادسيتش في كلاجينفورت كذلك فمواقف
الأقليتين متقاربة في إطار الاجتماعات الثلاثية التي ضغطت الرابطة الأوروبية من
أجل عقدها فجرت في لشبونة واستؤنفت في سراييفو ومحورها اقتراح إقامة مقاطعات شبيهة
بالمقاطعات السويسرية بحكم ذاتي أقرب إلى الاستقلال داخل دولة البوسنة والهرسك
وبينما يتبنى الطرف الإسلامي أن يكون تقسيم المقاطعات وفق الاعتبارات الاقتصادية
ومعطيات شبكة المواصلات يتلاقى الصربيون والكرواتيون على تغليب الاعتبارات القومية
السكانية ويبرز حجم الاستفزاز السياسي في هذا الموقف عند النظر في المقترحات
الصربية التفصيلية واكتشاف أنها تجعل حوالي 62٪ من مجموع المساحات الجغرافية تحت
سيطرة الصرب الذين يمثلون حوالي 30٪ من السكان.
تثبيت الاستقلال
لقد ثبتت نتائج الاستفتاء استقلال البوسنة والهرسك فأنهت مرحلة من
المعركة السياسية على مستقبلها وفتحت الأبواب أمام مرحلة تالية أشد صعوبة وأكبر أخطارًا
من سابقتها ويبرز ذلك بصورة خاصة في الخطوات الإجرائية من جانب الأقلية الصربية
والتي لا يمكن وصفها إلا بـ«التعجيزية الاستفزازية» والتي يمكن أن تسبب اندلاع
صدامات مسلحة واسعة النطاق في أية لحظة.
الدعم السياسي والاقتصادي
ولئن كانت البوسنة والهرسك في حاجة الآن إلى دعم سياسي سريع من جانب
الدول الإسلامية فهي في حاجة إلى دعم اقتصادي مماثل فالوضع فيها لا يختلف عامة عن
الوضع المتدهور في معظم المناطق الإسلامية التي حكمتها الشيوعية وحيث كان نصيبها
من توزيع الفقر أكبر من نصيب سواها وتقول الإحصاءات إن مستوى دخل الفرد من الإنتاج
الاجتماعي العام يتفاوت داخل ما يسمى يوغوسلافيا سابقًا بصورة ملحوظة فإذا اعتبر
في صربيا يعادل 100٪ فهو يرتفع في سلوفينيا وكرواتيا إلى 204, 127٪ وفي إقليم
فويغرد شمال صربيا إلى 117٪ ولكنه ينخفض في البوسنة والهرسك إلى 69٪ وفي مقدونيا
إلى 67٪ بل وينخفض في إقليم كوسوفو الإسلامي داخل صربيا نفسها إلى 28٪ فقط.
ويلعب موقع البوسنة والهرسك ما بين كرواتيا في الشمال والغرب والجنوب
وصربيا مع الجبل الأسود في الشرق والجنوب الشرقي دوره في أنها لن تستطيع إذا اكتمل
استقلالها السياسي أن تستقل اقتصاديًا أيضًا دون دعم التعاون بينها وبين
البلدان الإسلامية بصورة فعالة وسريعة وبهدف نجاتها من الضغوط الاقتصادية الكبيرة
والمنتظر أن تتعرض لها علاوة على الضغوط السياسية المتواصلة...