; مستقبل اليمن: نظام جديد بوجوه قديمة | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل اليمن: نظام جديد بوجوه قديمة

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994

مشاهدات 128

نشر في العدد 1110

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 02-أغسطس-1994

* اليمن حريص على علاقاته بالدول الخليجية، ويسعى إلى إعادة العلاقات إلى طبيعتها.

* لقد أصبح التجمع اليمني للإصلاح هو الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في حالتي السلم والحرب في اليمن.

رغم مرور عدة أسابيع على نهاية الحرب في اليمن، إلا أن ملامح الفترة القادمة لا تزال غير واضحة المعالم، وخاصة فيما يتعلق بمشاركة الحزب الاشتراكي في الائتلاف الحاكم، ومدى هذه المشاركة.

ولا شك أن بلدًا كاليمن سيعاني مصاعب حادة بعد حرب داخلية لها آثارها الجذرية على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولعل هذه القضايا هي محور اهتمام المراقبين السياسيين داخل اليمن وخارجها، وهي– كذلك– محل اهتمام المواطن العادي، الذي يريد أن يطمئن إلى أن مستقبله سيكون أفضل من الماضي. 

نهاية «الثنائية»!!

لعل من أهم نتائج الحرب السياسية هو نهاية زمن الثنائية السياسية التي حكمت الحياة السياسية في اليمن منذ إعادة توحيد شطريها عام ١٩٩٠م، وهي صيغة ذات سمعة سيئة في الأوساط اليمنية، لكن ميزتها أنها كانت الوسيلة الوحيدة لإحداث توازن قوي، يمكن أن يؤدي إلى إجراء إصلاحات حقيقية، وإقامة نظام متوازن السلطات، إلا أن تجربة السنوات الأربع الماضية قد أكدت أن قطبي السلطة فشلا في تحقيق تلك الإصلاحات، بل وتحولت عملية التوازن إلى صيغة لضمان التواجد في السلطة، بصرف النظر عن أية قواعد ديمقراطية أخرى.

وعلى ذلك فإن السبب الرئيسي في تفجير الأزمة السياسية ثم الحرب الأخيرة، هو حرص الاشتراكيين على ضمان تواجدهم في قمة الأجهزة عبر ضمانات سياسية، بعد أن اتضح لهم أن سياسة تبادل السلطة سلميًّا سوف تؤدي بهم- بعد سنوات قليلة- إلى مقاعد المعارضة.

وحتى الآن فإن القيادة اليمنية حريصة على الإعلان عن نيتها في الحفاظ على شكل الحكم الائتلافي، الذي يضم أكبر الأحزاب اليمنية «المؤتمر- الإصلاح- الاشتراكي» بل إن هناك توقعات قوية بأن تضم التشكيلة الحكومية القادمة ممثلين عن المستقلين والأحزاب الصغيرة، كالناصريين والبعثيين والشيعة، ومع ذلك فإن الأمر الأكيد هو أن الرئيس علي عبد الله صالح سوف يستعيد السيطرة علي كثير من مفاتيح السلطة في الحكومة والجيش، وربما يتحول حزب المؤتمر الشعبي إلى حزب على طراز الحزب الوطني في «مصر»، أو مثيله في «تونس»، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة الفارق في قوة المعارضة في اليمن.

وعلى صعيد إعادة ترتيب الأوضاع في اليمن، تبدو هناك رغبة قوية في تمكين أنصار الرئيس السابق علي ناصر محمد من تولي العديد من المسؤوليات على مستوى الوزارات والإدارات المحلية في المحافظات الشرقية والجنوبية، حسمًا لأي اتهام بسيطرة «الشماليين» على الأوضاع هناك... وكذلك لإقامة نوع من التوازن مع التيار الإسلامي الذي يتمتع بشعبية تفوق شعبية المؤتمر الشعبي نفسه.

أما الرئيس السابق علي ناصر محمد،  فقد كان في بداية الحرب هو المرشح المفضل لدى الرئيس علي عبد الله صالح للانضمام إلى عضوية مجلس الرئاسة.. لكن موقفه المتردد بين طرفي الصراع جعل مراقبين كثيرين يميلون إلى أن «علي ناصر» قد فقد فرصته الأوفر حظًّا في العودة إلى قمة القيادة اليمنية، ولا سيما أن ظروف الحرب كانت تجبره على الاستعانة بالشخصيات السياسية من المحافظات الشرقية والجنوبية لملء الفراغ في المراكز القيادية التي كان يحتلها قادة الحزب الاشتراكي، ومع ذلك فإن احتمال عودة «علي ناصر» تبقى متوقعة، وإن كان لهذا الاحتمال جوانب سلبية، إذ يخشى أن يشكل «علي ناصر» مركز استقطاب «شطري»  جديد، يعيد تجرية «علي سالم البيض»، وذلك لما للرجل من شعبية في كل من «عدن»  و«أبين».. بالإضافة إلى وجود أنصار عديدين له في الجيش اليمني، وكانت لهم مشاركة في القتال ضد الاشتراكيين، وكانوا من أوائل القوات التي دخلت «عدن» في السابع من يوليو الماضي.

الاشتراكيون ينتظرون «المنقذ»:

منذ بداية الحرب والاشتراكيون يسعون بحذر لاستشكاف مواقع أقدامهم، بعد أن حلت هزيمة ساحقة لم يتوقعوها أبدًا، وانفراط قيادتهم.. وهروب كثير من القيادات إلى الخارج، وبعد يومين من السيطرة على «عدن» كان اثنان من أعضاء المكتب السياسي للحزب الاشتراكي يرسلان- من مخبئهما في المدينة، عبر وسيط- إلى أحد القيادات العسكرية البارزة- وثيقة الصلة بالرئيس علي صالح، في مقر قيادته الشهير تاريخيًّا-... يطلبان فيه ترتيب لقاء معه.

وبالطبع، فإن مثل هذا الطلب كان بمثابة طلب استسلام، إلا أن حساسية الأوضاع في اليمن جعلت الأمر يمضي بدون إثارة أي من الحساسيات المعهودة في مثل هذه الظروف.

وعلى أية حال، فإن القيادة اليمنية لم تغلق باب التفاهم مع ما تسميه بالتيار الوحدوي في الحزب الاشتراكي، بل التزمت سياسة ذكية في توجيه عدائها لعدد محدود من القيادات الاشتراكية، فيما أبقت آخرين في مناصبهم الوزارية والحكومية، وفي مقدمتهم «سالم صالح محمد» عضو مجلس الرئاسة.

وينبغي الاعتراف بأن هذه السياسة قد نجحت في تفريق كلمة الاشتراكيين أثناء الحرب، ودفعت كثيرين منهم إلى التزام الصمت وانتظار نتيجة الحرب، بعد أن تعذر عليهم إعلان تأييدهم للانفصال أو الوقوف في صف الرئيس علي صالح.

وبعد صمت المدافع، كان الهم الأول للقيادات الاشتراكية المتواجدة في صنعاء كسب الوقت لجمع ما يمكن جمعه من أعضاء اللجنة المركزية في أي مكان، لتحديد عدد من المطالب الملحة مثل:

١- انتخاب قيادة جديدة للحزب.

٢- تحديد شكل العلاقة بين الحزب الاشتراكي والدولة.

والواضح أن كل مطلب مذكور يحمل في ثناياه بذور عاصفة من الخلافات المحتملة، ويصعب الوصول إلى اتفاق سريع بشأنه، إلا أن هناك آراء تجزم بأن الاشتراكيين قادرون على تأجيل خلافاتهم إلى حين الانتهاء من إعادة ترتيب أوضاعهم داخل الدولة والجهاز التنفيذي؛ لأن تشكيل النظام الجديد في اليمن لا يستطيع الانتظار طويلًا حتى يأتي الاشتراكيون بوجهة نظرهم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن تشكيل حكومة جديدة صار أمرًا مفروغًا منه، ويبدو أن الرئيس علي صالح ينتظر الانتهاء من حل المشاكل الحادة التي تعاني منها مناطق القتال، قبل أن يكلف شخصًا آخر بتشكيل الحكومة.

وبرغم أن معظم التوقعات تشير إلى د. عبد الكريم الإرياني كأوفر المرشحين حظًّا لرئاسة الوزارة الجديدة، إلا أن هناك مفاجأة متوقعة في اختيار شخصية معتدلة من حضرموت.. بل إن بعض التوقعات تحدد بالاسم «د. فرج بن غانم» وزير التخطيط السابق، وهو برغم تعيينه كممثل للاشتراكيين، إلا أنه غير معروف بحماسه للحزب الاشتراكي، بل يمكن تصنيفه ضمن فئة «التكنوقراطيين»، ولا شك أن وزيرًا سابقًا للتخطيط سوف يكون محل استحسان من المنظمات الدولية والدول الخارجية،  ويمكن القول– باطمئنان– إنه ما لم تحدث مواقف حادة من الاشتراكيين فإن مشاركتهم في السلطة هي الأقرب للتحقق، على أن يكون من نصيبهم مقعد واحد في مجلس الرئاسة هو الذي يشغله- حاليًا- «سالم صالح محمد»، بينما يتوقع أن يحتفظ الاشتراكيون بمناصبهم في وزارات «الثقافة- الإسكان– الثروة السمكية- الكهرباء»، ولعل مما يؤكد ذلك أن الرئيس علي صالح لم يعين وزراء جدد في الوزارات المذكورة، كما فعل مع «الدفاع– النقط- النقل» بالإضافة إلى أن مجلس النواب اليمني فتح في الأسبوع الماضي باب الترشيح لملء المقعد الشاغر في مجلس الرئاسة الذي كان يحتله «علي سالم البيض»، وهو ما يعد إقرارًا ضمنيًّا باستمرار «سالم صالح محمد» كعضو في مجلس الرئاسة.

الإصلاح.. والرقم الصعب!!

 تمكنت الحركة الإسلامية في اليمن من تجاوز كل المحاولات التي هدفت لتهميشها وتحجيم دورها، وقد أثبتت السنوات الأربعة الماضية أن «التجمع اليمني للإصلاح» هو الرقم الذي لا يمكن تجاوزه في حالتي السلم والحرب.

لقد خرج الإسلاميون من تجربة المعارضة بسمعة طيبة في ممارسة دور المعارضة العاقلة الواعية للعوامل المحلية والخارجية، المؤثرة في الوضع اليمني، ثم جاءت الانتخابات النيابية في أبريل ١٩٩٣م، لترسيخ دور الإسلاميين كطرف أساسي في المعادلة السياسية، الأمر الذي مكنهم من أداء دور مهم في الأحداث التي سبقت الحرب؛ حيث ظهروا كقوة توازن قادرة على الإسهام في تجنيب اليمن شطط الحسابات الخاطئة.

وبرغم ذلك فإن «الإصلاح» لم يتردد- لحظة– في الوقوف ضد رغبات الاشتراكيين في التفرد في حكم المحافظات الجنوبية والشرقية، ثم إعلان الانفصال.. ولذلك فإن الجميع مقتنعون بأن وقفة «الإصلاح» إلى جانب الرئيس علي صالح قد عززت مواقفه الشعبية والسياسية في حربه ضد خصومه الاشتراكيين.

والحق أن هذا التعاون بين الرئيس علي صالح وتجمع الإصلاح لم يكن الأول من نوعه، فقد تعاون الإسلاميون مع الرئيس اليمني قبل ١٤ عامًا لمواجهة حرب العصابات الماركسية، حيث نجح هذا التعاون في تحطيم موجة المد الشيوعي في اليمن، وبالتالي تعزيز نظام الرئيس علي صالح، الذي حفظ للإسلاميين دورهم هذا أثناء فترات التوتر في العلاقات بين الطرفين، فلم تصل الأمور بينهما إلى درجة «الدم» المعهودة في كثير من الأنظمة العربية، وقد أسهم وعي الإسلاميين بحساسية الظروف المحلية والخارجية، وتوازن القوى في الداخل والخارج، في تجنب دخولهم في صدامات مبنية على حسابات خاطئة لحقائق القوة في بلدهم، بالإضافة إلى أن الحركة الإسلامية تبني خطة حركتها على أساس أنها حركة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وفق القواعد والمراحل التي يقوم عليها فقه هذا الركن الهام في الفكر الإسلامي.

ومنذ أن انتهت الحرب يركز خصوم الحركة الإسلامية هجومهم على التحالف بين المؤتمر والإصلاح خوفًا من استفادة الإسلاميين من أوضاع ما بعد الحرب... وانتشرت هجمة إعلامية قوية عن قرب توقع انفجار الصراع بين الطرفين، بالإضافة إلى إثارة مخاوف الرئيس علي عبد الله صالح من احتمال انقلاب الإسلاميين عليه، واكتساحهم للساحة الشعبية من دونه، وحتى الآن لم يظهر ما يدل على أن الإصلاح سوف يستبعد من السلطة، أو يتم تمكينه منها بقوة، رغم أن هناك تيارًا داخل المؤتمر الشعبي لا يكن ودًا للإسلاميين، ولعله وراء الحملة الإعلامية ضدهم.

المصادر المقربة من السلطة والإسلاميين تؤكد على استمرار الإسلاميين في الائتلاف الحاكم، وإن كان هناك احتمال راجح أن يتقلص ذلك لتهدئة مخاوف الغرب مما يشاع عن تزايد لنفوذ« الأصوليين»، ولا سيما بعد أن شارك متطوعون إسلاميون في القتال ضد الاشتراكيين، الأمر الذي أكسبهم تعاطفًا شعبيًّا ملموسًا، ولا سيما بعد نجاحهم في عدد من العمليات الاستشهادية، وتدمير مصنع «الخمر» الشهير في «عدن»، وهو إحدى نقاط الخلاف الحادة بين الإسلاميين والاشتراكيين الذين اعتبروا أن إغلاق المصنع أو تغيير إنتاجه هزيمه للمشروع العلماني في اليمن.

ولأن الرئيس علي عبد الله صالح سوف يقابل مشاكل سياسية في المستقبل القريب من خصومه الموالين للحزب الاشتراكي، فإن ذلك سوف يفرض عليه ألا يمزق كل حبال الود مع الإسلاميين، فهو بحاجة إلى حليف في وزن «الإصلاح» الشعبي والسياسي، وفي المقابل فإن «الإصلاح» لا يرتضي لنفسه أن يتحول إلى حزب على هامش الحياة السياسية، طالما أنه يستطيع أن يمارس دورًا يخدم به أهدافه ومبادئه، مستفيدًا من القواسم المشتركة التي تجمع ما بين المؤتمر والإصلاح، ومن التعاطف الكبير الذي يحمله له قطاع كبير داخل المؤتمر الشعبي نفسه.

دول الجوار:

تشكل العلاقات اليمنية الخليجية أحد محاور الحياة السياسية في اليمن، ورغم برود العلاقات بين اليمن والدول الخليجية منذ احتلال العراق للكويت عام١٩٩٠م، إلا أن اليمن ظل حريصًا على إعادة المياه إلى مجاريها، وتصفية الشوائب التي علقت بالعلاقات.. ولعل ذلك كانت نتيجة عودة مباحثات عديدة إلى نشاطها، وانفراج نسبي في تسهيلات الانتقال بين اليمن والدول المجاورة.

ومع اندلاع أزمة الحرب الأخيرة كادت العلاقات اليمنية– الخليجية تدخل في طور جديد من التسخين السلبي، لكن اليمنيين جعلوا من سياستهم تبريد الموقف بأقصى ما يستطيعونه، وسعوا إلى إقناع الخليجيين بأن الخلاف يمكن تطويقه تمهيدًا لتصفيته مستقبلًا، انطلاقًا من قناعة يمنية بأن اليمن ليس من مصلحته أبدًا أن تسوء العلاقات مع دول الخليج.

ويمكن القول بثقة: إن إعادة العلاقات اليمنية الخليجية إلى طبيعتها سوف تكون هدفًا رئيسيًّا للمرحلة الجديدة، مع استعداد لنزع فتيل كل القنابل الموضوعة في الطريق.

والغالب أن طبيعة الحكم القادم سوف يكون أهم عقدة في اختيارات الرئيس علي عبد الله صالح.. وخصوصًا أن أطرافًا عديدة ترى أنه لا يمكن تجاوزها بسهولة.

فالمؤتمر– حزب الرئيس– يطالب بحق الأغلبية الشعبية التي حصل عليها، وعلي ناصر وأنصاره يقدمون انفسهم كبديل للاشتراكيين.

والاشتراكيون يلوحون بإمكانية استئناف القتال إذا استبعدوا.

والإسلاميون هم حلفاء الأمس، وتجاهلهم صعب، واختيار مجهول النتيجة. 

والمستقلون والأحزاب الصغيرة يطالبون بحصة كذلك.

والمجتمع الدولي يضغط من أجل مشاركة لموازنة وجود الإسلاميين.

والأيام القادمة سوف تضع النقاط على الحروف الجديدة التي يبدأ بها تاريخ جديد لليمن.

الرابط المختصر :