العنوان مستقبل مسلمي الصين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 01-مارس-1992
مشاهدات 88
نشر في العدد 991
نشر في الصفحة 4
الأحد 01-مارس-1992
حادث انفجار الباص في أرومكي
أثار حادث انفجار قنبلة مؤخرًا في أحد الباصات في مدينة أورومتشي
عاصمة إقليم شينجيانغ، الذي يقع شمال غرب الصين، وتقطنه غالبية من
المسلمين، كثيرًا من التساؤلات، لا سيما بعدما أشار مراقبون إلى أن مسلمين يطالبون
بالاستقلال ربما كانوا وراء ذلك الحادث.
ومع خروج أخبار هذا الحادث إلى الصحافة العالمية في الأسبوع الماضي،
بعد أسبوعين تمكنت السلطات الصينية خلالهما من التكتم على الخبر، فقد سُلّطت
الأضواء بقوة على مسلمي الصين، لا سيما مسلمي تركستان الشرقية، التي غيّر
الصينيون اسمها إلى شينجيانغ، والتي وقع الانفجار في عاصمتها.
اضطهاد المسلمين في الصين
يعيش المسلمون في الصين تحت الاضطهاد والقهر منذ عقود طويلة، وقد
حاولوا مرات عديدة أن يستردوا حريتهم، ويزيلوا اضطهاد الصينيين عنهم، ومنها ما حدث
في الفترة ما بين 1862 و1873 عندما ثار المسلمون ضد أسرة تشينغ، التي
سيطرت على المنطقة، وحاولت أن تقضي على هوية المسلمين فيها، وكذلك ثار المسلمون ضد
الشيوعية بعد ذلك، واندلعت اضطرابات كبيرة ضد نظام الحكم الشيوعي في الصين عام 1945.
نجح مسلمو الصين لبعض الوقت في إعلان جمهورية تركستان الشرقية
المستقلة، إلا أن السلطات الشيوعية في بكين تمكنت بعد 4 سنوات من
القتال أن تنهي ثورة المسلمين، وتقمعها بصورة وحشية، ثم قامت بتهجير السكان
المسلمين من المنطقة، وإحلال سكان صينيين بوذيين بدلًا منهم. ورغم هذا فقد بقيت
نسبة المسلمين في الإقليم تزيد على 60 في المئة من عدد سكانه البالغين 15 مليون نسمة.
محاولات طمس الهوية الإسلامية
إن محاولات السلطات الصينية القوية لطمس معالم الإسلام، وإذابة
المسلمين في المجتمع الصيني طوال العقود الماضية، تمثلت في الترحيل والتعذيب
والاعتقال والقتل، وإلغاء اللغة العربية واعتبارها لغة محظورة، وإجبارهم على دفن
موتاهم على الطريقة الصينية وليست الإسلامية، ونشر الكتب والأفكار التي تهاجم
الدين الإسلامي، والتي كان من آخرها رواية سلمان رشدي الشهيرة. كما حُرم المسلمون
من التعليم؛ حيث تشير بعض الإحصائيات إلى أن نسبة المتعلمين من تركستان الشرقية لا
تتعدى 10 أشخاص لكل ألف شخص. كذلك فرضت على المسلمين تحديد
نسلهم، وكانت مناطق تركستان وطوال السنوات الماضية مسرحًا لتجارب التفجيرات
النووية الصينية، التي كان لها آثارها على سكان المنطقة. وقد أشارت آخر الإحصائيات
إلى أن المعتقلين المسلمين من منطقة شينجيانغ يزيدون على 15 ألف معتقل، تهمتهم الرئيسية هي الترويج للأفكار
الرجعية والدينية.
ورغم كل هذه الممارسات فإنها لم تفت في عضد المسلمين الصينيين، فرغم
أن جيل الشباب المسلم في الصين قد وُلد ونشأ في ظل القهر الشيوعي الذي لا يزال
مستمرًا إلى الآن، فإن المسلمين في تركستان الشرقية يتحدثون الآن علانية عن طموحات
الاستقلال، وإعادة إقامة دولة تركستان الشرقية المسلمة. دافعهم في ذلك حالة التفكك
التي عاشها الاتحاد السوفيتي، وأدت إلى استقلال الجمهوريات الإسلامية التي يعتبر
مسلمو تركستان أنفسهم امتدادًا لها، لا سيما جمهوريات كازاخستان وقرغيزستان
وطاجيكستان، التي يشترك سكانها مع سكان تركستان الشرقية في الدين واللغة
والتراث والحدود وروابط القربى.
موقف المسلمين من زيارة ديفيد ليفي
ارتفع صوت المسلمين في الصين بالمناداة بحقوقهم بعد زيارة ديفيد ليفي
وزير خارجية العدو الصهيوني بكين مؤخرًا، لإعلان إعادة العلاقات والتعاون بين
الصين وإسرائيل. وأرادت الصين أن تعلن على طريقتها حسن نواياها تجاه ما يسمى
بـ"مشروع السلام العربي الإسرائيلي"، فقامت بدعوة وزير الخارجية
الإسرائيلي إلى زيارة أقدم مسجد في الصين، اعتقادًا منها أنها بذلك تقرّب المسافة
بين المسلمين وإسرائيل، متناسية مشاعر الغضب التي يمكن أن يؤججها ذلك الفعل في
قلوب ملايين المسلمين في الصين ومئات الملايين من المسلمين في جميع أنحاء العالم.
فأعلن مسلمو الصين غضبهم لهذا التدنيس، الذي طال أقدم مسجد من
أقدم المساجد التي بناها المسلمون الأوائل، وكانت فرصة يرتفع من خلالها صوتهم للفت
أنظار الدنيا والعالم الإسلامي خاصة إلى حقوقهم المسلوبة واضطهادهم الوحشي وقمعهم
اللاإنساني، مدركين أن أنظمة الحكم المستبدة لم تفلح على مدار التاريخ في محو هوية
الشعوب أو إزالتها، طالما أنها تستمد وجودها من دين الله وشريعته.
الواجب تجاه مسلمي الصين
إن أقل واجب يمكن أن تقوم به الحكومات الإسلامية تجاه مسلمي الصين في
هذا الوقت هو أن تمارس ضغوطها بقوة على الحكومة الصينية، حتى تقوم بمنح المسلمين
حكمًا ذاتيًّا في تركستان الشرقية، يتماشى مع حرية الشعوب في تقرير مصيرها، لا
سيما وأن الدول الإسلامية تسعى الآن لتقوية علاقاتها بجمهوريات آسيا الوسطى
المستقلة، وما مسلمو تركستان والصين إلا امتداد لمسلمي قرغيزستان وطاجيكستان
وكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان. وإن الدول الإسلامية تملك في هذا الوقت النفوذ الذي يؤهلها لذلك لو
أرادت.
إن المساعي الصينية الدؤوبة التي قامت وتقوم بها السلطات الشيوعية
الصينية لمحو الهوية الإسلامية، سواء في تركستان أو في شتى أنحاء الصين، التي
ينتشر المسلمون في معظم أقاليمها بما فيها العاصمة بكين، لن تفلح. وإن مسلمي الصين
يرفعون نداءاتهم الآن عالية إلى إخوانهم المسلمين في شتى أنحاء العالم الإسلامي،
يذكرونهم فيها بأنهم امتداد لهم، يربطهم رابط واحد لا يغيره الزمان، لكنهم ينتظرون
إجابة من بعيد على نداءاتهم تقول لهم وبقوة: "نحن معكم يا مسلمي الصين."