العنوان مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية (10) سطح مشهد الاغتيال
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010
مشاهدات 53
نشر في العدد 1931
نشر في الصفحة 42
السبت 18-ديسمبر-2010
أيا كان سبب إنهاء حلقات مسلسل الجماعة، في جزئه الأول بمشهد آخر غير مشهد اغتيال الشيخ حسن البنا، ومهما كانت وجاهة لحظة الندم من الناحية الدرامية التي تصورها خيال كاتب السيناريو الأستاذ وحيد حامد أيًا كان ومهما كان سيظل غياب هذا المشهد- أو حذفه- خطأ لا يمكن الدفاع عنه.
غياب هذا المشهد أو حذفه خطأ لا يمكن الدفاع عنه وقد بدا منطق الأستاذ وحيد حامد في أضعف حالاته وهو يبرر ذلك.
الشيخ البنا الذي كان يتبعه نصف مليون عضو عامل من الجماعة أمسى وحيدًا ساعة الاغتيال وبات أعزل بعد أن سحبت منه الحكومة سلاحه المرخص وجزدته من حراسه.
السيناريست الذي يكتب دراما تاريخية فيها وقائع بوليسية حقيقية يتعطش المحاضر تحقيقات النيابة وهيئات الدفاع وحيثيات الأحكام القضائية.. وكل هذه المصادر متوافرة في قضية اغتيال الشيخ البنا
عمق مشهد الاغتيال نجده في عالم الأفكار التي كان الشيخ البنا يطرحها وتلقى استجابة واسعة وفي النداءات الحركية التي كان يوجهها ضد قوى الاستعمار والمشروع الصهيوني.
وقد بدأ منطق الأستاذ وحيد حامد أضعف حالاته وهو يبرر للأستاذ الليثي في برنامجه «واحد من الناس» 23/9/2010م) إنهاء الحلقة الأخيرة دون أن تتضمن مشهد اغتيال الشيخ وخصوصًا أن عملية الاغتيال انطوت على تفاصيل كثيرة ومن الطراز الأول لأي عمل درامي.
فالشيخ البنا الذي كان يتبعه نصف مليون عضو عامل من الجماعة أمسى وحيدًا تقريبًا ساعة الاغتيال، وبعد أن كان مسلحًا وله حراسة حكومية بات أعزل بعد أن سحبت منه الحكومة سلاحه المرخص وجرّدته من حراسه ونزعت تليفونه الخاص من شقته.. وهذا الرجل الذي أنشأت الجماعة في عهده عشرين مستوصفًا ومستشفى كبيرًا بالعباسية بدأ العمل فيها سنة ١٩٤٨م، لم يجد من يسعفه بعد أن تلقى ٦ أو 7 رصاصات في أماكن متفرقة من جسده، وظل ينزف في مستشفى قصر العيني حتى فاضت روحه، وعندما فتشوه وجدوا في جيبه حسب السجل الرسمي للمستشفى سنة جنيهات وعشرة مليمات بدون محفظة وساعة جيب، وقلم مداد قلم حبر» ومفكرة صغيرة، فقط لا غير.
وجنازته التي خرجت من شقته بشارع سنجر الخازن بحي نور الظلام- الحلمية قسم الخليفة آنذاك- لم يمش فيها سوى والده ذي الثمانين عامًا وقتها، ويقال: كان معه مكرم عبيد باشا السياسي والزعيم عامًا القبطي الشهير، وحملت زوجته وأبنته وشقيقاته نعشه إلى قبره في وقت لم يكن مضى سوى أربعة أشهر على إعلانه هو في مؤتمر صحفي بمناسبة مرور عشرين على تأسيس أول شعبة للجماعة أن عدد الأعضاء العاملين في وادي النيل ٥۰۰۰۰ نصف مليون، وأن الجماعة باتت لها شعب في السودان وفلسطين وشرق الأردن وسورية ولبنان والعراق والكويت، ومندوبين في اليمن وإمارات الخليج، والحجاز، والمغرب العربي، وأصدقاء في إندونيسيا، وسيلان وباكستان، وإيران وأفغانستان، وتركيا، وأيضًا في أوروبا وأمريكا «بيان المرشد العام في المؤتمر الصحفي يوم 4 سبتمبر ١٩٤٨م، بمناسبة مرور عشرين عامًا على تأسيس أول شعبة للجماعة جريدة الإخوان اليومية- عدد۷۱۹- السنة الثالثة- ٢ من ذي القعدة١٣٥٧هـ / ٥ من سبتمبر ١٩٤٨م. إن أي سيناريست تفوته هذه التفاصيل أو يفوتها، لابد أنه سيردد بينه وبين نفسه اللوامة لهذا خلق الله الندم.
وصفًا تفصيليًا للمشهد
مشهد الاغتيال رسمته أوراق النيابة العامة المصرية أيضًا، فقد تضمنت المذكرة التي كتبها أحمد فؤاد سري رئيس النيابة الذي تم تكليفه سنة ١٩٥٢م بإعادة التحقيق في قضية اغتيال الشيخ حسن البنا وصفا تفصيليا لعملية الاغتيال.. ومما جاء فيها: إن الأمير الاي محمود عبدالمجيد رئيس المباحث الجنائية بوزارة الداخلية بيت النية على قتل المرشد العام «حسن البناء يرحمه الله، واستقدم إليه الأشخاص الذين يعرف فيهم الاستعداد الإجرامي..
وهم: الصاغ حسين كامل واليوزباشي عبده أرمانيوس، والأومباشي أحمد حسين جاد، ووكيل الباشجاويش محمد سعد إسماعيل، والأومباشي حسين محمدين رضوان والباشجاويش محمد محفوظ محمد، ثم مصطفى محمد أبو الليل يوسف أبو غريب واتفق المتآمرون على ارتكاب الجريمة، مستجيبين لدعوة كبيرهم محمود عبد المجيد.. وتولت الدولة من جانبها اتخاذ التدابير التي يسرت للمتآمرين تنفيذ تدبيرهم، إذ جردت المجني عليه من سلاحه الذي كان مرخصًا له بحمله، كما حرمته من الحراسة التي كانت مضروبة عليه، فغدا بكل ذلك هدفا يؤمن الوصول إليه، وإنفاذ القتل فيه.
ثم قالت المذكرة: «ولبث المتآمرون عند مكان جمعية الشبان المسلمين بشارع الملكة رمسيس حاليا»، ينتظرون خروج المجني عليه، حتى إذا ما غادر دار الجمعية مستقلًا- مع صهره- إحدى سيارات الأجرة.. تقدم الأومباشي أحمد حسين جاد، ومصطفى محمد أبو الليل يوسف أبو غريب، يقفان في وجه تلك السيارة ويرغمان سائقها على توقيف سيرها، ثم يصوبان مسدسيهما نحو الشيخ حسن البنا، ويطلقائهما عليه قاصدين قتله، فيصيبانه بالجروح النارية التي أودت بحياته، كما أصابت بعض رصاصاتهما صهر هذا الأخير الجالس إلى جواره في السيارة بالجروح التي بينها التقرير الطبي.
ذلك، بينما وقف الصاغ حسين كامل واليوزباشي عبده أرمانيوس يحدان مسرح الجريمة من جانبه الشمالي والجنوبي ويردان عنه من توافدوا إليه على صوت الطلقات النارية صائحين في وجوههم بالابتعاد عن مكان الحادث حتى لا تصيبهم شظايا القنابل التي زعما أنها تلقى فيه وكان يشد من أزرهما في ذلك ويحمي ظهريهما وظهري الضاربين كل من وكيل الباشجاويش محمد سعيد إسماعيل، والأومباشي حسين محمدين رضوان اللذين وقفا بملابسهما الرسمية في مكان الحادث حتى تؤتى لهما فرصة التظاهر لضبط الضاربين باعتبارهما من رجال القوة العامة، ثم تمكينهما من الفرار بعدئذ وذلك لو أنه تيسر للجمهور أن يقبض عليهما متلبسين بفعلتهما.
وتمت الجريمة على الصورة التي رسمها المتآمرون وأسرع الضاربان يجريان في شارع الملكة، حيث كانت تنتظرهما سيارة الأمير الاي محمود عبدالمجيد بقيادة سائقها الباشجاويش محمد محفوظ عند تلاقي شارع الملكة بشارع عبدالخالق ثروت، فاستقلها القاتلان، وانطلقت بهما بعيدًا عن مكان الحادث.
شهادة أخرى
وفي شهادة إبراهيم محمد إبراهيم (٦٠ سنة) خفير جمعية الشبان المسلمين آنذاك، قال: وجدت الشيخ البنا داخلًا يجري ويقول: أنا قتلت واقترب ناحية كابينة التليفون ولكنه لم يستطع دخول الكابينة والدم نازل من إيده اللي فيها السبحة وطلع يجري تاني على بره (ص) من محاضر التحقيق في قضية اغتيال الشيخ حسن البنا من «أول أكتوبر إلى ١٨ ديسمبر ١٩٥٢م»، وغير ذلك كثير من التفاصيل التي تصور جوانب من المسرح الواقعي لجريمة الاغتيال ولا يتعطش السيناريست الذي يكتب دراما تاريخية فيها وقائع بوليسية حقيقية مثلما يتعطش لمحاضر تحقيقات النيابة، ومساجلات الادعاء العام، وهيئة الدفاع عن المتهمين وهيئة الدفاع عن المجني عليهم أو المطالبين بالحق المدني والحق الجنائي، إلى جانب حيثيات حكم المحكمة.
مصادر متوافرة
وهذه المصادر جميعها متوافرة في أرشيفات المحاكم، ومتحف القضاء المصري العريق، وبعضها مطبوع طبعات قديمة، وبعضها منشور ضمن بضع كتب.
فإذا أضفنا إلى هذه المصادر الصحف والمجلات التي غطت الحدث وقت وقوعه، فإن المعالم السطحية لمشهد اغتيال الشيخ البنا- وليس عمقه الذي سنصل إليه في الصفحات التالية- تكون قد اتضحت أمام الباحث؛ سواء كان باحثًا أكاديميًا، أو كاتبًا لدراما تاريخية.
خلفيات مشهد الاغتيال
من الوقائع ذات الدلالة على خلفيات مشهد الاغتيال أن صحيفة «المصري» الوفدية آنذاك، نشرت في عدد ١٣ فبراير١٩٤٩م على صدر صفحتها الأولى عنوانا يقول: مصرع الشيخ حسن البنا وأوردت بعض تفاصيل الحادث مشفوعة بصورة للشيخ البنا، ومن ضمن ما أوردته رقم السيارة (۹۹۷۹)، وسرعان ما صودر هذا العدد وحل محله عدد آخر يحمل نفس التاريخ، ومشطوب منه رقم السيارة التي فر بها الجناة، وبدون صورة الشيخ حسن البناء وفي ملفات القضية، نجد أن الأستاذ مرسي الشافعي مدير تحرير «المصري» شهد بأنه أنتدب أثنين من المحررين للتوجه إلى مكان الحادث، فعاد أحدهما وأبلغه برقم السيارة، وامتنع الرقيب بمساعدة أحمد أبو الفتح عن إخبار إدارة المطبوعات عن رقم السيارة قبل النشر، غير أنه لما بدأ الطبع حوالي الساعة الواحدة صباحا توجهت قوات من البوليس السياسي وأوقفت الطبع وحاول ضابط البوليس السياسي معرفة المصدر الذي أبلغ الجريدة رقم السيارة، فلما فشلوا في ذلك أخطروا صاحب «المصري» بعدم ظهور العدد وبه رقم السيارة مهما كانت الظروف، ولكنهم تمكنوا من إخراج نحو ثلاثة آلاف نسخة، وقد أيده في ذلك المحرران محيي فكري، ومحمود عبد العزيز حسين أن الرقم (۹۹۷۹).
وكان السبب في مصادرة الطبعة الأولى هو أن السيارة تخص الأمير الاي محمود عبدالمجيد الذي قاد عملية الاغتيال، وصدر عليه حكم بعد ذلك في هذه الجريمة هو ومتهم آخر بالسجن خمس عشرة سنة وإلزامهم بطريق التضامن والتكافل بأن يدفعوا للحكومة المسؤولة عن الحقوق المدنية: أن يدفعوا عشرة آلاف جنيه على سبيل التعويض للسيدة لطيفة حسين الصولي زوجة الشيخ حسن البنا يرحمه الله ولأولاده القصر منها... وبأن يدفعوا للشيخ أحمد عبدالرحمن البنا والسيدة أم السعد إبراهيم والدي القتيل مبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت، حكم محكمة جنايات القاهرة في قضية النيابة العمومية رقم ( ١٠٧١) لسنة ١٩٥ م قصر النيل، و٦٨٢ لسنة ١٩٥٢م كلي).
مثل تلك الوقائع مهمة ولا شك في الكشف عن جوانب من مشهد الاغتيال، ولكننا نرى أنه أيا كانت أهميتها، ومهما كانت قوة الأدلة والقرائن التي قدمها الإخوان لتحديد هوية القتلة، ومهما امتدت أصابعهم باتجاه الملك أو الحزب السعدي، أو حتى نحو ممثلي بريطانيا وأمريكا وفرنسا الذين اجتمعوا في فايد، قبل أشهر قليلة من حادثة الاغتيال ويقال: إنهم أصدروا توجيها لحكومة« النقراشي» كي تحل الجماعة وتتخلص من الشيخ ومهما كانت براعة المحققين وممثلي النيابة العمومية، ومهما كانت براعة محامي المجني عليه في استجواب أولئك المتهمين الذين ألقي القبض عليهم، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تراوحت بين البراءة، وسنة واحدة إلى خمسة عشر عامًا سجنا مشددًا أقول: أيا كان كل ما سبق، ومهما كانت أهميته، فإنه يظل قاصرًا عن اكتشاف عمق مشهد الاغتيال.
عمق مشهد الاغتيال
عمق هذا المشهد نجده في عالم الأفكار التي كان الشيخ البنا يطرحها وتلقى استجابة واسعة من مختلف فئات المجتمع من جهة وفي النداءات الحركية التي كان يوجهها ضد القوى الاستعمارية وضد المشروع الصهيوني وحلفائه من جهة أخرى.
وكلما تأملنا رؤاه الفكرية ونظراته التجديدية لفهم الإسلام، وكلما بحثنا في مغزى نداءاته الحركية والقضايا التي تناولتها وخاصة القضية الوطنية المصرية، وقضية فلسطين؛ يتضح لنا عمق مشهد اغتياله تمام الوضوح وسنجد أن كتابات الشيخ نفسه- وبخاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٤٥م- كانت بمثابة الحيثيات التي قرر خصومه الدوليون والمحليون اغتياله على أساسها مساء يوم ۱۲ فبراير سنة ١٩٤٩م.
(يتبع)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل