; مسيرتي مع الإخوان المسلمين على مدى أربعة وستين عامًا | مجلة المجتمع

العنوان مسيرتي مع الإخوان المسلمين على مدى أربعة وستين عامًا

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الجمعة 20-أغسطس-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1614

نشر في الصفحة 35

الجمعة 20-أغسطس-2004

محمد مهدي عاكف، المرشد السابع للإخوان المسلمين يفتح أوراقه للمجتمع:

•  تعرفت إلى الإخوان وعمري (١٢) عامًا، وأصبحت مسؤولًا عن مدرسة فؤاد الأول، وكان للإخوان يومها نشاط ضخم في مدارس مصر.

•  قدنا أضخم المظاهرات ضد اتفاقية صدقي باشا مع الإنجليز؛ ففصلني من جميع مدارس القطر، وأصر على ترحيلي من القاهرة مقابل الإفراج عني، كان صديقًا لوالدي.

•  كونت ثقافة واسعة لكثرة ما قرأت، وترددت على أساتذتنا ومشايخنا كالأستاذ محب الدين الخطيب، والأديب عبد القادر المازني، ومحمود شاكر، كان الإمام البنا يحثنا على ذلك.

•  بإشارة من الشيخ البنا سحبت أوراقي من كلية الهندسة، والتحقت بمعهد التربية الرياضية.

• قصة معسكرات التدريب على مقاومة الاحتلال الإنجليزي داخل جامعات مصر.

• لقد وضع الإمام البنا بدعوته النقاط فوق الحروف في مفاهيم الإسلام وجماله وشموله، فارتعد لهذه الصحوة أعداؤنا فكانت المؤامرة الكبرى لحل جماعة الإخوان.

أربعة وستون عامًا مع جماعة الإخوان المسلمين ظل خلالها في مقدمة الصفوف قريبًا من مؤسسها الإمام البنا، ثم قريبًا من المرشدين الخمسة الذين سبقوه، شارك في مواقف وأحداث محورية، وعاش عهودًا مختلفة من عهد الملكية حتى اليوم، شارك في الإعداد لعمليات الجهاد في فلسطين، وأشرف على معسكرات الجهاد ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، واحتك بقادة ثورة يوليو، وكان له معهم تجربة حافلة ومثيرة، شهيد حي، عاش محن الإخوان، وحكم عليه بالإعدام، ثم خفف إلى المؤبد فكتبت له حياة جديدة، وأشيع خبر موته في سجون عبد الناصر من شدة ما لاقاه من تعذيب، ثم كان قدر الله أن سخر له يهوديًا سجينًا ليضع في فمه قطرات من الماء لتعيد إليه الحياة -بقدر الله- مرة أخرى ليستأنف المسيرة في الدعوة إلى الله.

      شاهد رئيس على أحداث كبرى داخل الجماعة بصفته أحد الذين عايشوها، استشهاد الإمام البنا، واللغط الذي أثير ضد الشيخ حسن الهضيبي، والعلاقة مع قادة حركة يوليو والعمل الإسلامي في الخارج والتجربة البرلمانية الإخوانية، وقصة حزب الوسط، وهي أحداث توقفنا مع فضيلته خلالها في هذا الحوار على حلقات، والأستاذ محمد مهدي عثمان عاكف، من مواليد قرية كفر عوض السنيطة مركز أجا، دقهلية في ٢١ يوليو ۱۹۲۸م، والده -رحمه الله- كان رجلًا ميسورًا، له عشرة إخوة وأخوات، بدأ تعليمه بالمنصورة، ثم انتقل إلى القاهرة مع والديه وإخوته حينما انتقل عدد من إخوته إلى الجامعة، وكان ذلك حوالي عام ١٩٤٠م وهي السنة التي عرف فيها الإخوان المسلمين حرص والده -يرحمه الله- على تعليمه وإخوته جميعًا.

      في القاهرة سارت الحياة هادئة حيث تعرف إلى الإخوان، في شعبة حي السكاكيني بوسط القاهرة، وكانت من أوائل شعب الإخوان، وكانت المجموعة التي تعرف إليها متفردة، ومن بينها الأساتذة إبراهيم الطيب، والشيخ عبد المجيد العيسى، وعبد المجيد أحمد حسن، والدكتور الأبيض، وعادل كمال، وغيرهم.

•  هل لنا أن نتعرف الشرارة الأولى التي انقدحت في ذهنك تجاه الإخوان وجذبتك إليهم؟

       كنا نعيش في المنصورة بمحافظة الدقهلية في دلتا مصر، وانتقلنا منها إلى حي العباسية بالقاهرة عندما التحق إخوتي الأكبر مني بالجامعة، وهناك كنت أذهب إلى المسجد للصلاة، حيث تعرفت إلى الإخوان، وعلى رأسهم أحد الإخوة الكرام، وكان ضابط بوليس.

تدرجت في الإخوان، حتى صرت مسؤولًا عن مدرسة فؤاد الأول الثانوية (٤٠٠ طالب) وكان ذلك سنة ١٩٤3/١٩٤4م، وكانت تلك المدرسة هي معقل حزب الوفد، لكن بعد ظهور الإخوان فيها وعلى رأسهم العبد الفقير، وكانت المدرسة تعرفني لأني رجل رياضي- تحول الميزان لصالح الإخوان، والتف الطلاب حول الدعوة في هذه الآونة بدأت نهضة الإخوان في المدارس الثانوية، وكان مسؤول الطلاب ساعتها الأستاذ فريد عبد الخالق، وقبله الأستاذ عز الدين أبو شادي، وكان لنا لقاء مع الأستاذ البنا -يرحمه الله- كل يوم خميس على سطح المركز العام الرئيس بمنطقة الحلمية وسط القاهرة.

• في أي شيء تمثل نشاطكم بالمدارس؟

       كنا نقوم بكل الأنشطة -تقريبًا- رياضية واجتماعية وتمثيل وخطابة ورحلات، وهذه المرحلة من العمر -كما هو معروف- تتميز بسعة العطاء والنشاط في هذه المدارس آنذاك كان أكابر الملحدين من الأساتذة، وكانت تدور بيننا -كطلاب- وبينهم مناقشات ساخنة، وعلى صالة ثقافتنا كنا محل احترام وتقدير من الجميع بحمد الله، ولا شك أن الأنشطة الواسعة أعطتنا فرصة واسعة للتعرف إلى الناس، ومن الأحداث الكبرى التي وقعت في هذه المرحلة، وكان النقراشي وقتها رئيسًا للوزراء، تظاهرة كوبري عباس الشهيرة التي نظمها طلبة الجامعات والمدارس ضد الإنجليز عام ١٩٤٦م، وقامت قوات الأمن خلالها بفتح الكوبري على نهر النيل، ووقعت مذبحة للطلاب.

• هل شاركت في هذه الأحداث، وهل تذكر واقعة معينة؟

       كنت مسؤولًا عن مدرسة فؤاد الأول، وهي من المدارس الكبرى المعدودة في القاهرة مثل مدارس السعيدية وشبرا والخديوية، وكانت مدارس لها قدرها ومكانتها، أذكر ونحن نقوم بالمظاهرات الضخمة ضد الاحتلال الإنجليزي، كان حكمدار العاصمة آنذاك إنجليزيًا اسمه فيتريس باترك، وقد قمنا بطرده ذات مرة من المدرسة عندما جاء ليتحدث معنا بشأن إيقاف إحدى المظاهرات، لكننا رفضنا وخرجت المظاهرة، وقد كانت الدوافع الوطنية هي المحرك الأول لتلك المظاهرات، وكنا نركب الترماي، ونقوده بأنفسنا في مثل هذه الأحداث، وبمجيء وزارة صدقي باشا سنة ١٩٤٧م سعى لعقد معاهدة مع الإنجليز، فتفجرت المظاهرات الضخمة في أنحاء (مصر) بقيادة الإخوان، وكانوا يقبضون علينا ويضعوننا في أقسام الشرطة، وقد وضعوني في قسم الوايلي بالقاهرة، وصدر قرار بفصلي من جميع المدارس الأميرية في أنحاء القطر المصري، وأصر صدقي باشا -على الرغم من صداقته لوالدي- على ألا أبقى في القاهرة مقابل الإفراج عني، فأخذني والدي -يرحمه الله- وعدنا إلى البلد، ومكثت في البلد حتى سقطت حكومة صدقي باشا في مارس ١٩٤٧م. فعدنا مرة أخرى إلى القاهرة، لكن قرار فصلي من جميع المدارس ظل ساريًا، وسمح لي فقط بأداء امتحان نهاية العام، وكان لي صديق هو شقيق الشهيد إبراهيم الطيب، وكان سكنهم بجوارنا، وكان يذهب إلى المدرسة صباحًا، وألتقي به من صلاة العصر حتى صلاة العشاء، نراجع ما أخذه من دروس سويًا، وما ذاكرته أنا في الصباح، ثم دخلت الامتحان ونجحت بدون دراسة في المدرسة، بحمد الله.

     لقد كانت أكبر مرحلة حزت فيها على ثقافة واسعة هي المرحلة الثانوية، لكثرة ما قرأنا من كتب، وكثرة ما ترددنا على أساتذتنا ومشايخنا كالأستاذ محب الدين الخطيب، والأديب عبد القادر المازني، ومحمود شاكر وغيرهم.

•  قيامكم بالمظاهرات والنشاط السياسي والإسلامي هل كان يحدث بسماح من السلطات، وكيف تقارن ذلك بالوضع الآن؟

       كانت الحرية آنذاك مطلقة، كنا نفعل ما نريد، ونتحرك كما نشاء، ونقيم معسكرات ونقوم بالرحلات كما نريد وفي أي مكان وزمان، المعسكرات والرحلات من أهم وسائل التربية؛ لأن فيها تعارفًا واحتكاكًا وتأثيرًا متبادلًا وتآلفًا، كانت مرحلة ذهبية، أما الآن فالشباب محرومون تقريبًا من كل شيء، وبارك الله في الشباب المسلم، ففي ظل هذا الكبت والظلم والقهر يقبضون على دينهم كالقابض على الجمر، لقد عشنا مرحلة مجد الإخوان، كان التنظيم دقيقًا، وكان كل فصل في المدرسة له مندوب، وكل سنة دراسية لها مسؤول، وكنا نلتقي ونجتمع علنًا.

• بعد المرحلة الثانوية ماذا عن قصة انتقالكم من كلية الهندسة إلى كلية التربية الرياضية، كما قيل بأمر من الشيخ البنا؟

كنت في هذه الفترة في النظام الخاص للإخوان، ومكثت حوالي عامين لم أر الأستاذ البنا، فقلت للأخ المسؤول عني في النظام الخاص: هل نحن نتبعك أم نتبع الأستاذ حسن البناء؟ وكان ذلك يوم الخميس، ويوم الجمعة مباشرة أرسل لي الأستاذ البنا وقال لي: لا يا سيدي، أنت تبعي، فقد كان يعرفني جيدًا، ويعلم أني رجل رياضي، وهو الذي رشحني للنظام الخاص، وكان من عادة الأستاذ البنا أن يتكلم معنا عن أحوال الجماعة، وذات مرة كان يتحدث معي وسألني: أليس لنا أحد في معهد التربية الرياضية؟، ففهمت ما يريد، وكنت يومها طالبًا في كلية الهندسة، فتوجهت من تلقاء نفسي إلى معهد التربية الرياضية بصحبة أخ عزيز هو الشهيد صلاح حسن، وقدمت أوراق الالتحاق، وكانت امتحانات المعهد صعبة جدًا، ولكن كان كل شيء ميسرًا بفضل الله، ومن الأشياء المضحكة في اختبارات معهد التربية الرياضية أنه كان بها اختيار شخصي، بواسطة مجموعة كبيرة من الأساتذة، وقد سألوني في أحد الأسئلة عن إحدى الممثلات وأحد الأفلام فلم أعرف، فسألوني: هل تعرف اسم رئيس وزراء مصر؟ فقلت: أعرف جميع رؤساء وزراء مصر منذ تشكيل أول وزارة، ثم قلت للسائل: أنا من الإخوان المسلمين، فسر الرجل جدًا، ودخلت المعهد، وظللت رئيسًا للطلبة به، وكان الأساتذة يحترمونني، وقد اعتقلت عام ١٩٤٨م من المعهد.

• الحرية التي عاشها الشعب المصري أيام الاحتلال الإنجليزي، هل كانت -في رأيك- سياسة مقصودة، أم تكتيكا، أم هي طبيعة العصر؟

        كانت طبيعة العصر، وكانت مصر بها مجموعة من الرجال العظام، دعك من بعض العملاء الذين لا يعتد بهم، وكان هناك دستور وقانون، نعم، كان هناك احتلال، ولكن كنا نذهب إليهم ونطالب بخروجهم ونشتبك معهم.

      هل يتصور أحد أنه في عام ١٩٥١م كنا نقيم معسكرات في قلب الجامعة، وندرب الطلاب بالذخيرة الحية على مقاومة الاحتلال؟ وقد كان كل أساتذة الجامعة يرحبون بما نقوم به لإخراج الإنجليز، الذين تركوا القاهرة نهائيًا تحت ضغط المظاهرات الحاشدة وتمركزوا في منطقة قناة السويس.

• لكن كيف سمحت لكم الجامعة بهذه المعسكرات، وكيف تعاملت معكم السلطات؟

        الجامعة تحملت المسؤولية؛ لأن الإدارة كانت وطنية والسلطات تغاضت تمامًا، وقد أقمنا تلك المعسكرات لأننا أردنا أن نكون عمليين أكثر في مقاومة الاحتلال، وكنت قائدًا لمعسكر جامعة إبراهيم (عين شمس حاليًا).

     وسأسرد قصة تبين مدى رجولة رجال الجامعة آنذاك مع الطلبة، نحن وضعنا بعض الأهداف للمعسكرات، وكان منها: محو الأمية العسكرية لدى الشعب المصري المحتلة أرضه، وكان لا يقوى على الصمود ومواصلة التدريب إلا القليل، وهم الذين كانوا يذهبون للقتال في القناة ضد الاحتلال الإنجليزي، ولكن التدريب كان مفتوحًا ومتاحًا للكل، وظهر من شباب الجامعة رجال من غير الإخوان أعتز بهم حتى الآن، بل ومن النصارى، فقد كان معنا أحد النصارى الميسورين وكانت لديه سيارة فخمة، وكان يصر على أن يقود لي هذه السيارة بنفسه، كما أن سيدة ميسورة اسمها قوت الدمرداشية -صاحبة مستشفى الدمرداش الذي تحول بعد ذلك إلى كلية للطب- أرسلت لي سيارة، وكنت معروفًا جدًا آنذاك، ولما جاء ابنها -وكان طالبًا بكلية الطب- وقال لي: هذه السيارة هدية لك، قلت: أما لي فلا، وأما للمعسكر فنعم، فردت عليَّ والدته قائلة: لاستعمالك الشخصي في المعسكر، فقلت: وهو كذلك، وبعد نهاية المعسكر أعدتها إليهم مع خطاب شكر، وكان يرأس جامعة إبراهيم (عين شمس حاليًا) أستاذ جليل هو د. محمد كامل حسين كبير جراحي العظام في الوطن العربي، وكان يشاركنا جهادنا، وقد أرسل لي عميد كلية الحقوق د. عثمان خليل وكنت طالبا بها -بعد أن أنهيت الدراسة في كلية التربية الرياضية- وقال لي: يا عاكف، مدير (رئيس) الجامعة يريد تنظيم حفل افتتاح للمعسكر حتى يحضر فقلت له: أنت رجل قانوني، ونحن في هذا المعسكر داخل حرم الجامعة نعد ناسًا خارجين على القانون (وكان أحد لا يستطيع دخول المعسكر، لا احتلال ولا أمن ولا غيره، كما يحدث الآن) فإن كنتم تريدون أن تشاركونا في المسؤولية فمرحبًا، ثم أرسل لي رئيس الجامعة مرة أخرى عميد كلية الهندسة ثم قائد حرس الجامعة بنفس الرسالة، ثم أرسل لي رسالة بالحضور فذهبت إليه، وكان رجلًا محترمًا فقال لي: إنه لشرف عظيم -يا بني- أن أشارككم جهادكم.

فهل تجد مثل ذلك الآن؟

     لقد تبين لي حقيقة أن الشعب المصري شعب عريق، وكان أساتذة الجامعة -آنذاك- نماذج مباركة طيبة.

• وماذا عن شهادتكم بخصوص قيادة الإخوان لحركة الجهاد الوطني آنذاك؟

       لقد قام الإخوان المسلمون بدور عظيم في حرب القناة عام ١٩٥١م، شهد بذلك رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، فقد تم نسف مخازنهم التي تكلفت أموالًا طائلة، وتم نسف قطار به (٤٠٠) محتل، فكيف يهنأ لهم العيش في ظل تلك العمليات وهذه المقاومة؟

• أعود فأسأل: ماذا عن تعامل السلطات المصرية معكم بالضبط؟

       كان وزير الداخلية آنذاك فؤاد سراج الدين باشا، وكان رجلًا متعاونًا تعاونًا كاملًا، ولولا ذلك لما أخذنا حريتنا في العمل.

• هل كان فؤاد سراج الدين يعتنق هذه السياسة كوزير للداخلية فقط، أم أنها كانت سياسة الحكومة ككل؟

      كانت سياسة الحكومة ككل، وقد وقف رئيس الوزراء النحاس، بعد المظاهرات ضد الإنجليز، في البرلمان وقال: باسم مصر، وقعت معاهدة ١٩٣٦م، وباسم مصر ألغيها.

• بقية القوى السياسية مثل الوفد، هل كان لها وجود؟ وهل كانت تشارك في تلك الأنشطة؟

        ليس لي علاقة بالقوى السياسية، علاقتي كانت بشباب الجامعة الذين يقفون أمامي أيًا كان وضعهم أو انتماؤهم، وأنا ما رأيت منهم شيئًا، بل كانوا شبابًا صالحين.

     وقد استمر المعسكر حتى عام ١٩٥٢م، وعند قيام الثورة قمت بتسليم المعسكر لكمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة، بعد أن أنشأنا الحرس الوطني، وقد وقعت حادثة لا أنساها فالشيوعيون -على امتداد تاريخهم- مستغلون ومنتهزون للفرص، وكنت في ذلك الوقت مدرسًا في مدرسة فؤاد الأول الثانوية بجوار الجامعة، وكانت هناك انتخابات لاتحاد الطلبة في الجامعة، فجاءني بعض الإخوة وقالوا: الشيوعيون وزعوا منشورًا على نطاق واسع داخل الجامعة، بعنوان: أين السلاح يا عاكف؟ فقلت لهم: أعلنوا عن عقد مؤتمر وأنا قادم، وانتظرت الجامعة كلها محمد عاكف، وكانت الجامعة قبل الثورة قد حددت واحدًا من الأساتذة للإشراف على إنفاق المعسكر، وقد وجه لي هؤلاء الأساتذة في نهاية المعسكر خطاب شكر، وكان رئيس الجامعة محمد كامل حسين يقول لي: لم أجد أمن منكم، ولم يكن أحد غيره عنده ملف المعسكر بالكامل، وكان يعرف ماذا اشترينا وماذا فعلنا، المهم ذهبت إلى المؤتمر ومعي خطاب الشكر من الأساتذة، وقلت في كلمتي: يؤسفني أن يكون هذا المعسكر الضخم الذي تم تنظيمه لمقاومة المحتل مثار تهكم، ومجالًا للتكسب الحقير والدعاية الرخيصة من بعض الأحزاب التي لم تشترك فيه ليشوهوا هذه الحركة المباركة الضخمة، ويكفي أن الأستاذ فلان والأستاذ فلان أساتذة كبارًا، قدموا لي خطاب شكر، ثم أخرجت الخطاب وقرأته، فظلت الصالة تصفق حوالي (10) دقائق، وحصل الإخوان وقتها على (۱۰۰%) في الانتخابات وسقط الشيوعيون سقوطًا مدويًا. 

•  على ذكر الجهاد ضد الاحتلال الإنجليزي وقبل الاستطراد، نرجو إلقاء الضوء على جهاد الإخوان عام ١٩٤٨م، في حرب فلسطين وفقا لما عايشته فضيلتكم في هذه الفترة.

      حرب ١٩٤٨م كانت مرحلة نادرة، كان الأستاذ البنا موجودًا، والحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، وعبد الرحمن عزام أمين عام الجامعة العربية، وكان هؤلاء أقطاب حرب ١٩٤٨م. وكان المركز العام للإخوان عبارة عن خلية نحل للإعداد لحرب فلسطين، معسكرات الإخوان كانت موجودة في الهايكستب وبورسعيد وسورية والأردن، وكانت السلطات تغض الطرف عنها، وكانت أول كتيبة تستشهد من الإخوان بها (١٢) أخًا وقد مثل ذلك صدمة شديدة للشعب المصري، وأشعلت الروح الوطنية كثيرًا، وبعدها تدفق آلآف المتطوعين على معسكرات الإخوان بصورة لافتة للنظر، وكان الأستاذ البنا يرغب في الذهاب إلى فلسطين على رأس كتيبة من عشرة آلآف مجاهد لكن الهيئة التأسيسية رفضت ذهابه، وكانت كلها من الشباب مثلي، وكان سبب الرفض ظهور بوادر التآمر على البنا، فخشينا عليه رحمه الله، فذهب الشيخ الشهيد محمد فرغلي، وكثير من قيادات الإخوان، وكانت الروح المعنوية ضد اليهود والصهاينة -آنذاك- عالية بين الإخوان والشعب عمومًا، وقد شعر الإنجليز بذلك، فاستغلوا وقوع بعض التفجيرات في المحلات اليهودية، مثل شيكوريل فاتخذها الإنجليز والأمريكان والفرنسيون تكأة وحجة لحل جماعة الإخوان، وتلك الأحداث تذكرنا بما يحدث اليوم، فالمؤامرة مازالت مستمرة لوقف هذا الفهم الإسلامي ووأد هذه الروح، لقد وضع الإمام البنا بدعوته النقاط فوق الحروف في مفاهيم الإسلام وجماله وشموله، فارتعد لهذه الصحوة أعداؤنا، فكانت المؤامرة الكبرى لحل جماعة الإخوان.

•هل شاركت في الجهاد على أرض فلسطين؟

• • كنا نستعد، ولكن لم أذهب، فقد رأى الإخوان أنه لا داعي لذهاب مجاهدين جدد، على اعتبار أن من ذهب إلى هناك يكفي، وكانت الأحداث أسرع من الترتيب.

•وماذا عن سحب الإخوان من ساحة الجهاد في فلسطين؟

      سحب الإخوان لم يتم إلا بعد قرار حل الجماعة عام ١٩٤٨م، ثم اغتيال محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء، ثم استشهاد الإمام البنا حيث تسارعت الأحداث، وكان الشارع المصري كله يغلي.

       عمومًا، في اليوم التالي لقتل النقراشي تم القبض علي وعلى آخرين، وتم احتجازنا في سجن بمنطقة الهايكستب، ولم يحقق معنا في شيء، فنحن لم يكن لنا صلة بحادث الاغتيال، وكان معنا في السجن بعض اليهود معتقلين أيضًا، وكان معنا -أيضًا- كبار الشيوعيين مثل هنري كوربيل، وروما ندريك، ومجموعة من الشيوعيين اليهود، وعند بداية الهدنة الأولى في حرب ١٩٤٨م، وهي سبب المصائب كلها، أقام اليهود داخل السجن احتفالًا، لأن الهدنة فكت الحصار عن (١٢٠) ألف يهودي كانوا معتقلين في القدس، وكنا في الزنزانة حوالي (١٢) أخًا وكانوا يطلقون علينا أولاد الباشوات، وكنا فعلًا كذلك، وكنا نغلي من داخلنا، كيف أن دماء شهدائنا لم تجف بعد في فلسطين، واليهود بجوارنا في السجن يحتفلون، ويحتسون الخمر، ويحدثون صخبًا فقررنا أن ننكد عليهم، وكان شراب الكوكاكولا قد ظهر في بدايته فملأنا زجاجات فارغة كانت لدينا رمالًا وجعلنا أحد الإخوان يطفئ أنوار السجن، وقذفنا بالزجاجات من الشبابيك عليهم، ثم عدنا وجلسنا على أسرتنا. وكأن شيئًا لم يحدث، بينما اليهود يضربون في بعضهم البعض، وهم سكارى، وكان قائد المعتقل صعيديًا واسمه عبد الحفيظ، فدخل علينا في المساء ونحن جلوس نحتسي الشاي وقال موجهًا كلامه لي عملتها يا عاكف، عملتها بلهجته الصعيدية؟ وبعد تلك الواقعة بأسبوع تم تحويلنا إلى الطور، وهناك كانت مدرسة تربوية بمعنى الكلمة.

● ألم تكن البيئة قاسية؟

         كنا شبابًا أقوياء حوالي (٤٠٠) طالب، وكان هناك حوالي (٣) آلآف آخرين، وكان معي كثير من الطلبة، بعضهم من عظماء العالم الآن، منهم عز الدين إبراهيم، ورشاد رفيق الذي حصل على جائزة الملك فيصل، وجمال السنهوري، ونفيس حمدي، والشيخ القرضاوي، والشيخ الغزالي، والشيخ السيد سابق، ومحمد عبد الحميد، وكانوا مشايخنا، رغم أنهم ربما لم يتعدوا الثلاثين، ولكنا كنا في سن الـ (١٨ والـ ١٩)، كان جبل الطور إذا مدرسة ضخمة تربينا فيها ونعتز بها، كان معسكرًا دام سنة ثم خرجنا، عندما سقطت وزارة إبراهيم عبد الهادي وجاءت وزارة النحاس.

•الإمام البنا اغتيل إذن وأنت رهن الاعتقال؟

  نعم، اغتيل وأنا في الهايكستب.

•  ماذا حدث بعد الهدنة الأولى؟

       كما ذكرت ذهبنا إلى الطور، ثم وقع البلاء المبين، حيث قبضوا على مجاهدي الإخوان، وأتوا بهم من ميدان الجهاد في فلسطين إلى المعتقل، وجاءنا في الهايكستب، بعد أن رجعنا من الطور، د. حسان حتحوت، ود. أحمد الملط، وحوالي (5) أطباء، كانوا يجاهدون في فلسطين.

•  البعض يحتج بجهاد الإخوان في القناة ضد الإنجليز وفي فلسطين بأنهم قتلة وحملة سلاح.

      لأنهم جهلة، نحن كان في يدنا السلاح، كنت أدخل على رئيس الوزراء على ماهر باشا والسلاح في جيبي، وكذلك بعد مجيء عبد الناصر، لم يحدث ولم أسمع أن أحدًا من الإخوان أطلق رصاصة إلا على اليهود أو الإنجليز، وكان معنا السلاح، وكنا نعيش به وسط الشعب ولم نستخدمه حتى ضد أعدائنا داخل مصر، هذه اتهامات أناس لا يعرفون الله، بل هم مأجورون يريدون تشويه هذه الصورة الرائعة من الجهاد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية