الثلاثاء 28-يناير-1986
الميثاق الجديد يتعمد الربط بين الاشتراكية وتعاليم الإسلام رغم ما بينهما من تناقض.
الميثاق الجديد يكرس الديكتاتورية الحزبية في ظل الانفتاح على الرأسمالية.
تزاحم الجزائريون يوم 16/1/1986 حول صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء الشعبي حول مشروع الميثاق الجزائري الجديد الذي يعتبره المسئولون الجزائريون ثمرة جهود لمختلف الآراء الشعبية التي نوقشت في المؤتمر الاستثنائي لحزب جبهة التحرير الوطني، وقامت لجنة وطنية خاصة على صياغتها باللغة العربية لتصبح مشروع ميثاق جديد يحمل بين طياته طموحات المسئولين الجزائريين تجاه مستقبل العمل الحزبي والسياسي في البلاد.
وكان على المواطنين أثناء عملية الاستفتاء أن يختاروا بين ورقة انتخاب برتقالية تشير إلى رفض المشروع الجديد وورقة أخرى بيضاء تشير إلى الموافقة على المشروع، وقد جرت عملية التصويت في ۳۳۰٨٥ مكتبًا في الجزائر وفي الخارج، اشترك فيها 10.361.402 من جملة الناخبين البالغ عددهم 11.219.395 ناخبًا . وكانت نسبة الموافقة على المشروع قد وصلت إلى 98.37%.
ويمتاز مشروع الميثاق الجديد بحب التغيير في بعض الممارسات الحزبية القديمة وتطوير القطاع الخاص والقطاع الزراعي ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
الإسلام دين الدولة ولكن...
لقد حدد مشروع الميثاق الجديد عدة أمور هامة تعتبر نقاطًا أساسية لهذا الميثاق الذي يقصد منه تحديد الهوية الحقيقية للجزائر والتخطيط لتقدمها اقتصاديًّا وسياسيًّا وحزبيًّا.
وقد وردت هذه الأمور في ثلاث نقاط أساسية ارتكز عليها الميثاق الجديد أهمها وأخطرها هو موقف الميثاق من الإسلام حيث ورد في شأنه «الإسلام هو دين الدولة وأحد المقومات الإساسية للشخصية الوطنية الجزائرية، إلا أنه في مفهومه الصحيح لا يرتبط بنوع من المصالح الخاصة ولا يخضع لأي كهنوت؛ ولهذا لا يحق لأي نظام يعادي التحرر ويحارب الاشتراكية أن يتخذ الانتماء إلى الدين الإسلامي ذريعة لخدمة مصالح وقضاء مآرب».
إن تعمد الميثاق الجديد على ربط الاشتراكية الجزائرية بقيم الإسلام السمحة على الرغم مما بين الاشتراكية والإسلام من تناقض إنما يهدف ذلك إلى سد الطرق الحزبية والسياسية أمام التيار الإسلامي الذي أصبح يقود المعارضة الحقيقية ضد النظام الاشتراكي الحاكم في الشوارع والجامعات والمؤسسات الإدارية في الدولة. وخير دليل على حرص النظام على إبعاد هذا التيار هو ما تعرض له الإسلاميون في الجزائر من اعتقالات ومحاكمات تعسفية واكبت عملية إعداد الميثاق الجديد الذي مجد الأيديولوجية الاشتراكية وحدد المحاور الكبرى لبناء الاشتراكية.
ديكتاتورية حزبية
ومما شدد عليه الميثاق الجديد تكريس الحزب الواحد أو بمعنى آخر تکریس الديكتاتورية الحزبية التي هي سمة لازمة لمعظم الأنظمة اليسارية في العالم مما يساعد على إبعاد شبح احتمال قيام حزب للمعارضة من الإسلاميين الذين باتوا يسيطرون على أغلب القطاعات الشعبية في الجزائر، ومع ذلك فقد اعتبر الميثاق الجديد مرحلة معتدلة من النهج الاشتراكي الذي يتبعه حزب جبهة التحرير الوطني منذ استقلال البلاد عن فرنسا، ويرى بعض المراقبين أن تنقية ميثاق ١٩٧٦ الذي وضع في عهد الرئيس السابق هواري بومدين وتبديله بمشروع الميثاق الجديد تعتبر نهاية حقيقية لعهد بومدين، كما تعد نجاحًا لخط الرئيس الشاذلي بن جديد المعتدل والذي يرى أن الوقت الذي كانت الدولة توفر فيه كل شيء للمواطن قد ولى وأن على المواطنين أن يسعوا لضمان قوتهم بجهودهم الخاصة، وهذا هو سر اهتمام الميثاق الجديد بتطوير القطاع الخاص وتشجيع القطاع الزراعي. ويربط البعض هذا الاتجاه الجزائري الجديد بانخفاض أسعار النفط وهبوط مداخيل الدولة من العملة الصعبة وكذلك انخفاض مبيعات الغاز الطبيعي..
دساتيرنا والشريعة
هذا ويأتي مشروع الميثاق الجديد كحل وسط بين الأعضاء القدامى في الحزب الجزائري الذين يتمسكون بالمسار الحزبي القديم وبين من يطلقون على أنفسهم دعاة التحديث داخل الحزب وعلى رأسهم الرئيس الشاذلي بن جديد. وهكذا تنهار المواثيق والدساتير الوضعية وتبدل القوانين، وكلما ولي الحكم حاكم جديد أسقط الميثاق القديم وأقام بدلًا منه ميثاقًا جديدًا والشعوب هي الضحايا، فهي التي تهدر أوقاتها في الاستفتاءات المعروفة نتائجها سلفًا 99.99%، وليس ما جرى في الجزائر سوى واحدة من تلك الاستفتاءات العقيمة التي أفرزتها الممارسات الحزبية الضيقة والاحتكام إلى غير شرع الله الذي ارتضاه لعباده، ومنذ أن تخلى الحكام في البلاد الإسلامية عن التمسك بشريعة الإسلام السمحة وفضلوا عليها القوانين الوضعية أصبحت البلاد الإسلامية كمن يسير في ظلام دامس بدون نور يهتدي به وتعددت الدساتير والمواثيق الوطنية التي عجزت بأكملها عن قيادة الأمة على النهج القويم الذي يحفظ لها كرامتها ويضمن لها النصر المبين على أعدائها.
ولن يكون الميثاق الجزائري الجديد آخر ميثاق يطلب من الشعب الاستفتاء عليه، ولن تكون الجزائر الدولة الإسلامية الوحيدة التي ستضطر الى إسقاط ميثاق والاستفتاء على آخر بدلًا منه ما دامت الدول الإسلامية لا تحتكم إلى شريعة الله بل إلى قوانين وضعية ما أنزل الله بها من سلطان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل