العنوان في الذكرى العاشرة لانطلاقتها حماس.. مشروع جهادي في مواجهة المشروع الصهيوني
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
مشاهدات 76
نشر في العدد 1279
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
نشأتها جاءت لملء الفراغ السياسي والعسكري الذي خلفته المنظمة.. وعملياتها الاستشهادية الفريدة قلبت حسابات العدو.
يصادف يوم الخامس عشر من ديسمبر الذكرى العاشرة لانطلاق حركة المقاومة «حماس» في فلسطين المحتلة، وهي ذكرى ترتبط عضويًّا بذكرى الانتفاضة الشعبية الفلسطينية المباركة التي انطلقت قبل إعلان بيان حماس التأسيسي بأسبوع واحد فقط.
ولأن حركة حماس خرجت من رحم حركة الإخوان المسلمين التي أسسها في مصر الإمام الشهيد حسن البنا- رحمه الله- فإن عملها الجهادي وكفاحها السياسي يعد امتدادًا لجهاد حركة الإخوان المسلمين الذين اختطلت دماؤهم بتراب فلسطين المبارك في الأربعينيات من هذا القرن، يوم أن كان الشهيد حسن البنا وكتائب الإخوان التي جاءت من مصر والعراق وسورية في مقدمة المجاهدين الذين وقفوا يتصدرون لعصابات الإرهاب الصهيونية في فلسطين عام 1948م.
نشأت حركة حماس نتيجة التطورات السياسية التي طرأت على القضية الفلسطينية وخصوصًا خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وفقدانها لقاعدتها العسكرية هناك وما نتج عنه من فراغ سياسي وعسكري في فلسطين المحتلة مما سمح للصحوة الإسلامية التي كانت تنمو في فلسطين منذ أواخر السبعينيات بالتهيؤ والتشكل لأخذ زمام المبادرة وقيادة جهاد الشعب الفلسطيني ضد العدو الصهيوني الغاصب.
كانت رموز وقيادات حركة «الإخوان المسلمين» في الأراضي المحتلة يدركون اتجاه ومسار برنامج الثورة الفلسطينة ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهو برنامج اتضح بعد سنوات قليلة من خروج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان أنه برنامج «تسووي» قابل للتنازلات عن الأهداف الاستراتيجية التي قامت الثورة الفلسطينية من أجلها، وكانت هناك مؤشرات على توجهات منظمة التحرير الفلسطينية نحو التنازل عن مبادئها وأهدافها المتضمنة في الميثاق الوطني الفلسطيني الذي اعتبر أن حدود فلسطين من النهر إلى البحر ومن النافورة شمالًا إلى رفح جنوبًا وأن الصراع مع الصهاينة صراع وجود لا حدود.
وقد تزايدت تلك المؤشرات واتضحت أكثر بعد توقيع الرئيس المصري أنور السادات لمعاهدة كامب ديفيد والتي كانت تنص في شقها الثاني على حكم ذاتي للفلسطينيين في مناطق من الضف الغربية وقطاع غزة، وقد عزز خروج المنظمة من لبنان الاتجاهات القابلة للتسوية داخل المنظمة حفاظًا على المكتسبات الخاصة لبعض قيادات المنظمة على حساب مصالح وحقوق الشعب الفلسطيني.
وقد تزامن انتشار وتطور الصحوة الإسلامية في فلسطين المحتلة مع تراجع الاهتمام العربي والدولي بالقضية الفلسطينية التي كانت القضية المركزية الأولى للعرب والمسلمين وكانت على رأس القضايا السياسية الساخنة في الساحة الدولية خلال السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وهو تراجع تزايد وتسارع أثناء الحرب العراقية- الإيرانية «ليبلغ مداه ونهايته بعد الغزو العراقي للكويت».
وفي ظل تلك الأوضاع نضجت فكرة المشروع الفلسطيني الإسلامي الجهادي الذي بدأ في التبلور من خلال مجموعة الشيخ أحمد ياسين الذي اعتقل عام 1983م بتهمة تشكيل خلايا مسلحة وحيازة أسلحة، وأطلق سراح الشيخ بعد سنتين بعد عملية تبادل أسرى بين فصيل فلسطيني وسلطات الاحتلال الصهيوني.
وبدأت الحركة الإسلامية الفلسطينية عام 1986م في تهيئة قواعدها وجماهيرها الإسلامية لمرحلة المواجهة والصدام مع قوات الاحتلال الصهيوني، وانطلقت المواجهات الطلابية مع قوات الاحتلال في جامعات النجاح الوطنية وبيرزيت في الصفة الغربية والجامعة الإسلامية في غزة وكانت دافعًا للشارع الفلسطيني العام للتحرك وبدء المقاومة الشاملة.
وجاء حادث مقتل أربعة شباب فلسطينيين من مخيم جباليا في قطاع غزة على يد سائق شاحنة صهيوني في 6 ديسمبر عام 1978م، بعد أن صدم بشاحنته سيارتهم الصغيرة التي كانت تقلهم إلى عملهم ليكون الشرارة التي فجرت مرحلة جديدة من تاريخ الشعب الفلسطيني وهي الانتفاضة المباركة التي دخلت بهذا الاسم قواميس اللغة وصارت معلمًا في تاريخ جهاد الشعب الفلسطيني ومع إعلان بيان حماس التأسيسي في 15 ديسمبر عام 1978م بدأت حماس تأخذ موقعها في قيادة الشعب الفلسطيني لتجتاز معه أخطر مرحلة يواجهها العدو الصهيوني منذ تأسيس كيانه المصطنع عام 1948م، وأبدت الجماهير الفلسطينية بحسها الواعي وفطرتها السليمة استجابة قوية وكبيرة لقيادة حماس وبياناتها التي كانت تتضمن فعاليات مختلفة كالمواجهات الصدامية والإضرابات.
وقد أدركت سلطات الاحتلال الصهيوني منذ البداية الخطر الحقيقي الذي يتهدد وجودها فبدأت منذ بداية الانتفاضة حملات اعتقال ما زالت مستمرة حتى اليوم شملت قيادات الحركة وكوادرها وأنصارها، وكانت أكبر حملة اعتقالات تعرضت لها حركة حماس في شهر مايو 1989م وكان على رأس المعتقلين قائدها ومؤسسها الشيخ المجاهد أحمد ياسين الذي ظل مسجونًا حتى الأول من أكتوبر الماضي وتطورت أعمال المقاومة التي بدأت حماس بتنفيذها والتي شملت أسر الجنود الصهاينة بفرض مبادلتهم بمعتقلين فلسطينين في السجون الإسرائيلية، كما كانت حماس أول من ابتكر حرب السكاكين ضد الجنود الصهاينة عام 1990م حينما انتقم المجاهد البطل عامر أبو سرحان «من حماس» لدماء شهداء مجزرة الأقصى (8/10/1990م) بأن هاجم وقتل بحريته في القدس الشريف ثلاثة من الصهاينة «مجندة ومستوطنًا وشرطيًّا من قوة مكافحة الإرهاب»، وتم اعتقال البطل أبو سرحان إثر إصابته بالرصاص في قدميه، وفي ذلك العام أبعدت سلطات الاحتلال أربعة من رموز حماس وقيادييها.
كتائب القسام وسجل المجد
ودخلت حركة حماس مرحلة جديدة بالإعلان عن تأسيس جناحها العسكري المعروف بكتائب الشهيد عز الدين القسام في أواخر عام 1991م الذي نفذ منذ ذلك التاريخ عمليات عسكرية نوعية ومتميزة، قبلت حسابات العدو وبثت الرعب في صفوف جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين على حد سواء.
وترى حركة حماس كما جاء في أدبياتها أن العمل العسكري «يشكل الوسيلة الاستراتيجية لدى الحركة من أجل مواجهة المشروع الصهيوني، وهو في ظل غياب المشروع العربي والإسلامي الشامل للتحرير سيبقى الضمانة الوحيدة لاستمرار الصراع وإشغال العدو الصهيوني عن التمدد خارج فلسطين».
وعلى إثر أسر مجاهدي القسام للجندي الصهيوني نسيم توليدانو في ديسمبر 1992م شنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي حملة اعتقالات واسعة ضد كوادر حماس وأنصارها وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين بإبعاد 415 مجاهدًا منهم حوالي 400 من قيادات وكوادر حماس والباقون من حركة الجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان، وأقام المبعدون مخيمهم الصمودي «مرج الزهور» عامًا كاملًا في منطقة معزولة وتحت البرد الشديد ليقدموا نموذجًا رائعًا من صور الصمود والتحدي مارسوا خلالها حربًا إعلامية ضروسًا اضطرت معها حكومة العدو الصهيوني إلى الموافقة على إعادتهم إلى وطنهم.
وكانت الجريمة التي أقدم على ارتكابها المستوطن الإرهابي باروخ غولدشتاين ضد مصلين عزل في المسجد الإبراهيمي في الخليل في شهر فبراير 1994م، والتي أدت إلى استشهاد 29 فلسطينيًّا وجرح أكثر من 100 آخرين سببًا في إعلان كتاب القسام الحرب الشاملة على جنود الاحتلال الصهيوني وتوسيع عملياتها لتشمل المستوطين الصهاينة على الأرض الفلسطينية المحتلة.
منذ تأسيس حركة حماس وحتى يومنا هذا نفذت الخلايا المسلحة التابعة لها وكتائب القسام فيما بعد أكثر من 110 عمليات عسكرية معظمها عمليات نوعية شملت خطف جنود صهاينة ومهاجمة جنود ومستوطنين وعمليات تفجير استشهادية كانت الأولى من نوعها في تاريخ الجهاد الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني، ونتج عن تلك العمليات أكثر من 250 قتيلًا من جنود ومستوطنين وإصابة أكثر من 800 بجروح مختلفة وذلك حسب اعترافات المصادر الصهيونية التي غالبًا ما تعطي أرقامًا أقل بكثير عن الخسائر الحقيقية، كما نفذت الكتائب سبع عمليات خطف وتصفية استهدفت تسعة جنود إسرائيلين.
إن حركة حماس وذراعها العسكري الضارب تقف اليوم كقوة أولى في مواجهة المشروع الصهيوني القائم والعامل على تهويد فلسطين والقدس الشريف ومصادرة غالبية مناطق الضفة والقطاع بعد أن صادر أكثر من ثلثي فلسطين بموجب قرار التقسيم الغاشم الصادر عن الأمم المتحدة في 29 نوفمبر عام 1947م، وهي قوة سياسية وعسكرية وجماهيرية ضرورية للتصدي للمشروع الصهيوني في وقت تخلت فيه منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة الحكم الذاتي المحدود عن طموحات الشعب العربي الفلسطيني في التحرير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي عاصمتها القدس.
| جدول بأهم عمليات الجناح العسكري لحماس | ||
| العملية | تاريخها | خسائر العدو |
معركة حي صبرة معركة حي التفاح عملية العفولة عملية شارع ديزنكوف 3 عمليات في القدس وعسقلان عملية محنة يودا عملية بن يهودا | 24/5/1992 20/4/1993 6/4/1994 19/10/1994 25/2 و3/3/1995 30/7/1997 3/8/1997 | 8 جنود قتلى مقتل ضابط مخابرات و3 جنود صهاينة 9 قتلى وأكثر من 50 جريحًا 22 قتيل، و47 جريح مقتل 46 وإصابة أكثر من 90 مقتل 17 وإصابة أكثر من 150 مقتل 5 وإصابة حوالي 180 |
حماس: الداخل والخارج
في ظل ظروف الاحتلال الاستثنائية وحملات الاعتقال المستمرة التي يتعرض لها نشطاء حركة حماس وفي ظل عزل المناطق الفلسطينية المحتلة عن محيطها العربي، كان لا بد أن يكون لحماس هيئة قيادة سياسية وإعلامية خارج المناطق المحتلة لتأمين الدعم السياسي والإعلامي واللوجستي اللازم لاستمرار وتطوير العمل الجهادي داخل فلسطين المحتلة، لكن الداخل المحتل يظل مركز الثقل الرئيسي حيث تؤكد حماس باستمرار على أن عملها العسكري لم ولن يتعدى الأرض الفلسطينية المحتلة، كما أنه لا يستهدف إلا جنود الاحتلال الصهاينة وقطعان المستوطين المفسدين في الأراضي العربية المحتلة.
وتعمل قيادة حماس في الخارج بانسجام تام مع قيادة الداخل في الضفة والقطاع على الرغم من محاولات تشويه صورة العلاقة بينهما من جانب العدو الصهيوني وسلطة الحكم الذاتي على السواء التي تعيب على حماس ما كانت هي تمارسه حتى عهد قريب وهي القيادة من الخارج.
وفي هذا المجال يقول الأستاذ/ محمد نزال عضو المكتب السياسي لحماس بأنه لا يجوز لأحد احتكار حق التعبير عن القضية الفلسطينية أو حصرها في محيطه السياسي أو الجغرافي، ويضيف: «إن الحديث عن داخل يعاني و«خارج» يتنعم لم يكن موجودًا يوم كانت قيادته المنظمة تتباهى أمام العالم بجنرالات الحجارة، وتهدد بإشعال النار تحت أقدام الصهاينة من مقرها في حمام الشط في تونس، فمقولة الفتنة بين أبناء الشعب الواحد لم تظهر إلا من ثنايا اتفاقات أوسلو التي همشت حقوق أربع ملايين لاجئ ونازح فلسطيني ووضعت مستقبلهم وحقهم في العودة في مهب الريح.
إن حركة حماس تعتقد بأن الصراع مع الصهاينة في فلسطين صراع وجود وهو صراع حضاري مصيري لا يمكن إنهاؤه إلا بزوال سببه وهو الاستيطان الصهيوني في فلسطين واغتصاب أرضها وتهجير سكانها، وهي ترى في الدولة الصهيونية مشروعًا شموليًّا معاديًّا لا مجرد كيان له أطماع إقليمية، وترى حماس «أن خير طرية لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني، هي حشد طاقات الشعب الفلسطيني لحمل راية الجهاد ضد الوجود الصهيوني في فلسطين بكل السبل الممكنة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل