العنوان مشروع شولتز.. مبادرة أم مؤامرة؟
الكاتب طارق المسلم
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988
مشاهدات 63
نشر في العدد 858
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 15-مارس-1988
هل يستطيع مشروع
شولتز الجديد "ورقة التوت الدولية" أن يغطي سوءة الكيان الصهيوني التي
كشفها أطفال الحجارة؟ وهل يمكن للسياسة الأمريكية أن تحقق هدفها في إنقاذ حليفها
الاستراتيجي "يهود" من جهاد الشعب الفلسطيني الأعزل في الداخل؟ وهل
يتحقق لـ "شولتز" ما يريد أمام الموقف المتعنت لرئيس وزراء العدو
"شامير" الرافض لكل صيغ المؤتمر الدولي؟ كل هذه الأسئلة ستتمخض إجابتها
في هذه الأيام، وإن كانت هناك دلائل تشير إلى أن هذا الموضوع قد حمل بين طياته
عوامل فشله منذ ولادته.
الموقف
الأمريكي:
لقد تغير الموقف
الأمريكي خلال العقدين الماضيين تغييرًا كبيرًا تجاه القضية الفلسطينية، وكان هذا
التغيير مرهونًا بتغير موقف دولة العدو من مشروع "روجرز" الذي طرح حلًا
سلميًا للقضية الفلسطينية وفقًا لقرار هيئة الأمم (242)، والذي وافق عليه الرئيس
المصري -جمال عبدالناصر- ورفضته دولة العدو.
ومنذ ذلك الوقت
واليهود يرفضون فكرة الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يعنيهم من هذا
القرار سوى موافقة "م.ت.ف" عليه، حيث إن ذلك يقلص دورها ويتضمن اعترافًا
رسميًا بكيانهم كدولة. ولعل هذا الرفض هو ما جعل "كيسنجر" وزير الخارجية
الأمريكية السابق يطرح مشروع الحكم الذاتي في معاهدات كامب ديفيد القسم الثاني.
وهذا ما جعل رئيس الوزراء اليهودي "إسحاق شامير" يصرح قائلًا:
"أي انسحاب
'إسرائيلي' في ظل هذه الظروف ستكون له عواقب مأساوية ومن شأنه أن يقلص السلام،
فإذا لم يكن جيشنا هناك 'يقصد في الضفة والقطاع' فإن العنف سيأتي إلى هنا.. إلى
القدس، وتل أبيب وحيفا" ("القبس" 1988/3/6).
والولايات
المتحدة الأمريكية لا تقبل بالضغط على حكومة العدو لتضطرها إلى تقديم التنازلات
والالتقاء مع وجهات النظر الأخرى، بل تداعب مشاعرها وتضغط على الموقف العربي
لينسجم مع موقف يهود المتشدد. وقد ذكرت الصحف العبرية أن "شولتز" أكد:
"إنه لا ينوي ممارسة أي ضغط على إسرائيل" -دولة العدو- وأن ليس هناك نية
لاستخدام ضغط اقتصادي عليها".
شولتز.. مهمة
مزدوجة:
عندما توجه
"شولتز" إلى المنطقة، أعلن على الملأ أنه لا يحمل مشروعًا ثابت المعالم
محدد النقاط، وإنما يحمل "أفكارًا" قابلة للحوار والأخذ والرد. ولذا فقد
ذهب إلى "موسكو" ليتباحث معهم في هذا الشأن وصرح قبل الوصول إلى موسكو:
"إن على
الاتحاد السوفيتي أن يقيم علاقات دبلوماسية مع '....' -دولة العدو- ويسمح بهجرة
يهود إذا كان يريد دورًا في عملية السلام". ووصف الموقف الروسي من دولة العدو
ومن الجالية اليهودية ("الأنباء" 1988/2/19) في الاتحاد السوفيتي بأنه
يعتبر تعديًا لحقوق الإنسان! ولا ندري ماذا يقول "شولتز" عن البطش
اليهودي الذي يمارس ضد الشعب الفلسطيني المسلم في الأراضي المحتلة!! والموقف
السوفيتي المتحفظ على التحرك الأمريكي الجديد، يعتبر مؤشرًا على فشل هذا التحرك
مسبقًا.
وذكرت بعض
المصادر الصحفية أن "شولتز" كان يستخدم لغة مزدوجة أثناء شرح
"مشروعه" على المسؤولين في كلا الطرفين، فكان يتحدث عنه مع المسؤولين في
حكومة العدو وكأنه إحياء لمشروع الحكم الذاتي في معاهدة "كامب ديفيد"
الجزء الثاني، والتي يتمسك بها رئيس الوزراء في الكيان الصهيوني "إسحاق
شامير" لدرجة رفضه المساس ببنود هذه المعاهدة. وأوردت "الميد
اللندنية" أن شامير قال: "إنه ليس مسرورًا بفكرة الاجتماع الدولي وهو
يعارض أي عبث في النصوص المحدودة لمشروع الحكم الذاتي في اتفاقيات 'كامب
ديفيد'". وقد فسر عبارة "الأرض مقابل السلام" بأن الأرض التي
تحتلها قوات الاحتلال الآن تبقى لليهود لأنها لهم مقابل السلام للعرب!!
وعلى الطرف
الآخر، أخذ "شولتز" بنصيحة الرئيس المصري حسني مبارك عندما قال:
"إن مشروع الحكم الذاتي صيغة عفا عليها الزمن جعلتها '...' -دولة العدو- بدون
معنى، وليس من المنطقي أن يحيي أحد في عام 1988 ما قتلته الأحداث والأفعال لأكثر
من 7 سنوات" ("الميد اللندنية"). فكان يتحدث عن "أفكاره"
ومشروعه الجديد وكأنه شيء جديد لا علاقة له "بكامب ديفيد" وذلك أن العرب
يمقتون هذا الاسم علاوة على أن "السادات" لم يوافق على مشروع
"الحكم الذاتي" في حينه، فمن يمكنه أن يوافق على تنازل لم يستطع
"السادات" أن يقدمه!!
ماذا يريد
شولتز:
الهدف الذي
أعلنه "شولتز" والذي يسعى لتحقيقه من خلال مساعيه الجديدة هو سلام شامل
يضمن أمن جميع الدول في المنطقة والحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، ولكن الهدف
الحقيقي يتضح من خلال استقراء النقاط الخمس التي حملها لمساعده ريتشارد مورفي
أثناء زيارته لفلسطين المحتلة وهي:
• إجراء مفاوضات مباشرة.
• المؤتمر الدولي ينعقد فقط عندما تتوفر
ضمانات أكيدة بأنه سيؤدي لمفاوضات مباشرة.
• هذا المؤتمر لا يستطيع وغير مخول بفرض أو
استخدام حق النقض "الفيتو" ضد أي تلخيص أو تسوية تتوصل لها الأطراف
المعنية.
• يتم تمثيل الفلسطينيين من خلال وفد
"أردني - فلسطيني" مشترك.
• المسألة الفلسطينية يتم تناولها والتداول
فيها بين وفد أردني - فلسطيني مشترك ووفد الكيان الصهيوني.
وقد اقترح شولتز
على شامير إعطاء الحكم الذاتي للفلسطينيين في الضفة والقطاع وإجراء انتخابات للشعب
الفلسطيني في الداخل! ومن هذا يتضح أن شولتز يسعى لإيجاد قيادة بديلة عن منظمة
التحرير الفلسطينية من خلال إجراء هذه الانتخابات، وبالتالي يمكن إجراء أي مفاوضات
مع هذه القيادة المنتخبة والوصول إلى حلول ترضي اليهود، دون الرجوع إلى
"م.ت.ف" أو ترقب موقفها. وهذا ما رفضه إسحاق شامير خوفًا من أن تؤدي هذه
الانتخابات لإفراز قيادة موالية للمنظمة في الداخل، وكذلك فقد رفضه ياسر عرفات
لأنه يمثل محاولة للالتفاف على المنظمة فصرح لمؤتمر صحفي بعد إلقاء كلمته في لجنة
حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم، قائلًا:
"يبدو أن
السيد شولتز لا يدري ما هي الانتخابات الصحيحة، وهو يجهل إنها لا تجري إلا إذا زال
الاحتلال" ("الأنباء" 1988/2/19).
أما الهدف
الثاني والأكثر وضوحًا فهو إعانة الكيان الصهيوني، ومساعدة قوات الاحتلال في كبح
جماح انتفاضة الشعب الفلسطيني، والتي دخلت شهرها الرابع دون أن تنجح قوات الاحتلال
في إخمادها والقضاء عليها. وجاء الموقف الأمريكي ليوقف هذه الانتفاضة من خلال
مشاريع السلام والمؤتمر الدولي، ويبدو أن شولتز يسير على خطى أسلافه وزراء
الخارجية الأمريكية في تآمرهم على هذه الأمة المسلمة. وقد قال أحد الصحافيين
المرافقين لـ "شولتز" خلال زيارته الأخيرة بقوله:
"ومثلما
أدى التدخل الأمريكي 'العسكري - السياسي' إلى تحويل الانتصار العربي إلى هزيمة عام
1973، بفضل جهود كيسنجر ورحلاته المكوكية، ومثلما أدى التدخل الأمريكي عام 1982
وعلى يدي فيليب حبيب إلى إخراج 'م.ت.ف' من لبنان، فإن جورج شولتز يحاول الآن أن
يقوم بالمهمة الأمريكية الثالثة، التي تستهدف احتواء وإخماد الانتفاضة الشعبية
الفلسطينية التي ألحقت دولة العدو - من الخسائر وخاصة الخسائر المعنوية، أكثر مما
لحق بها في أي حرب سابقة مع العرب" ("المستقبل" 1988/3/5).
ردود الفعل
المختلفة:
تكاد تجمع جميع
الأطراف على رفض مشروع شولتز لأسباب تختلف من طرف إلى آخر.
• الكيان الصهيوني: يرفض مبدئيًا الحل على
أساس القرار (242) أي الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، وكذلك يرفض إجراء أي
انتخابات للفلسطينيين أو الاعتراف بـ "م.ت.ف" ويرفض المؤتمر الدولي بأي
شكل من الأشكال. وقال شامير الذي ينتظر وصوله إلى واشنطن في 1988/3/14 في تصريح
لإذاعة العدو: "لا نستطيع السماح لأنفسنا بالخضوع في مسائل مبدئية لأنها
ترتبط بمستقبلنا وبوجودنا الوطني" ("الوطن" 1988/3/10).
• الموقف العربي: ترفض بعض الدول العربية
التي زارها شولتز مساعيه الأخيرة لأنها غير مدعمة بأي ضمانات أمريكية، إضافة إلى
أن المؤتمر الدولي ليس سوى قناة للمفاوضات الثنائية وليست له أي صفة أخرى، وأخيرًا
عدم الاتفاق على التمثيل الفلسطيني في المؤتمر.
• منظمة التحرير الفلسطينية: ترفض هذا
المشروع، وترفض كذلك الحل وفق (242) قرار هيئة الأمم، وتصر على تمثيلها المستقل
للشعب الفلسطيني والمتساوي لبقية الأطراف المعنية في المؤتمر أو تمثيل وفد فلسطيني
مكون من الفلسطينيين في الداخل والخارج.
• أصحاب القرار الفعلي: أما أصحاب القرار
الفعلي -الشعب الفلسطيني المسلم في الأراضي المحتلة، أبطال الانتفاضة ورواد حرب
الحجارة- فهم يرفضون كل مشاريع التسوية ومؤتمرات السلام ويصرون على التحرير الكامل
لكافة التراب المقدس. وقد رفض بيان "حركة المقاومة الإسلامية" في
1988/2/23 في فلسطين مشروع شولتز وزيارته لفلسطين المحتلة ودعا إلى مقاطعته وعدم
الاجتماع به.
وأخيرًا.. إن
الذين فجروا انتفاضة شعبنا المسلم الأخيرة هم أصحاب القرار الحقيقيون في مثل هذه
المسألة المهمة، وهم يرفضون كل مساعي السلام والتنازل عن جزء من حقوقهم المشروعة
لعدوهم الذي يكسر أطرافهم ويزهق أرواحهم وينتهك أعراضهم. والله تعالى يقول:
﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
(آل عمران:200).