; مشكلات العصر في ضوء الفقه الإسلامي التفسير الإسلامي للتاريخ... | مجلة المجتمع

العنوان مشكلات العصر في ضوء الفقه الإسلامي التفسير الإسلامي للتاريخ...

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1979

مشاهدات 71

نشر في العدد 432

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 13-فبراير-1979

• الإسلام يركز كل اهتماماته على المبادئ الحاكمة لا على عنصر الحاكم...

• وأن الأثر الذي يكمن في توجيه وتفسير التاريخ أعظم من الأثر الذي يكمن في تحريف التاريخ

الحادثة التاريخية يجب أن تفسر، وتوجه حسب الزمان والمكان الذي حدثت فيه.

التاريخ- وخاصة التاريخ السياسي- قصة مليئة بالألغاز والخفايا والمواقف التي يتخذها عباقرة السياسة ليس من السهل أن يعطيها المرء تفسيرًا، وهو إن أعطاها تفسيرًا فإن هذا التفسير سيكون مصبوغًا بالمنطلق الذي انطلق منه في هذا التفسير والتوجيه وإن الأثر الذي يكمن في توجيه وتفسير التاريخ أعظم من الأثر الذي يكمن في تحريف التاريخ. لأن تحريف التاريخ سرعان ما ينكشف، أما توجيه التاريخ فلا بد من أن يترك أثره في النفس لما يعتمده من المقدمات والمسلمات.

ومن هنا نجد أن حركات التبشير والاستشراق بدأت أول ما بدأت بتحريف التاريخ، ولكنها سرعان ما عدلت عن هذا إلى توجيه التاريخ، لما رأت من أن التحريف لا يلبث إلا قليلًا، بل إن المستشرقين المحدثين شددوا اللوم على المستشرقين القدامى لما تورطوا فيه من تحريف التاريخ، لأن هذا أفقد الثقة بالمستشرقين، ولو أنهم- كما يقولون- سلكوا سبيل التفسير والتوجيه لاستطاعوا أن يغرسوا حراب فكرهم في صدر الشرق.

التفسير الصحيح للتاريخ 

هناك منطلقات عدة لتفسير التاريخ كل كاتب يختار منها ما يوافق هواه أو ما يوافق الكتلة التي ينتسب إليها، فمنهم من يفسر التاريخ تفسيرًا إقليميًّا محضًا، ومنهم من يفسره تفسيرًا قوميًّا، ومنهم من يفسره تفسيرًا دينيًّا، عقديًّا ومنهم من يفسره تفسيرًا إنسانيًّا، ومنهم من يفسره تفسيرًا ماديًّا.

ولا نستطيع أن نقول أن واحدة من هذه التفسيرات خطأ، كما أننا لا نستطيع أن نقول أن واحدًا من هذه التفسيرات صواب. لأن منطلقًا معينًا من هذه المنطلقات قد يكون صحيحًا إذا فسرت به حادثة معينة في زمان ومكان معين، ولكنه يكون غير صحيح فيما إذا فسرت به حادثة أخرى في زمان ومكان غير زمان ومكان الحادثة الأولى، والذي نراه أن الحادثة التاريخية يجب أن تفسر، وتوجه حسب الزمان والمكان الذي حدثت فيه.

فمن الخطأ الفاحش أن يفسر تاريخ أمة في فترة ملأ الدين عليها كل حياتها حتى أصبح شغلها الشاغل، تفسيرًا قوميًّا، كما فعل بعض كتاب التاريخ الذين حاولوا تفسير التاريخ في عصر الرسول- عليه الصلاة والسلام- وعصر الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم تفسيرًا قوميًّا مع أن الرابطة القومية انصهرت في رابطة أعم منها وأشمل هي رابطة الدين حتى قال عليه الصلاة والسلام «سلمان منا آل البيت».

كما أنه من الخطأ الفاحش أن يفسر تاريخ أمة في فترة كانت القومية تملأ عليها كل حياتها تفسيرًا دينيًّا، كما إذا حاول أن يفسر كاتب تاريخ ألمانيا في ظل النازية التي تتبنى النظرية العرقية- والقومية فرع من العرقية- تفسيرًا نصرانيًّا.

والصواب أن يفسر التاريخ الذي سيطر فيه الدين على الأفئدة والجوارح تفسيرًا دينيًّا، ويفسر التاريخ الذي سيطرت فيه العرقية أو القومية تفسيرًا عرقيًّا أو قوميًّا.

تفسير «الاستعمار»

عندما استعملت المنظمة الدولية «عصبة الأمم المتحدة» التي أقيمت قبل «هيئة الأمم المتحدة» كلمة «استعمار» كانت تقصد بها: أن تتولى دولة متقدمة متطورة حضاريًّا دولة متخلفة حضاريًّا لتعمرها وتنهض بها ثقافيًّا واقتصاديًّا و... حضاريًّا.

ولكن سرعان ما استبد الجشع والتحكم بهذه الدول المتقدمة فأصبحت تستغل خيرات الدول المتخلفة التي وليت أمرها لصالحها تاركة شعوب الدول المتخلفة للجهل والفقر والمرض والضياع.

إن هذا التصرف من قبل الدول المتقدمة انحرف بكلمة «استعمار» عما وضعت له، وأصبحت هذه الكلمة تعني: التسلط والتحكم، والظلم والاستبداد.

ولما انتشرت فكرة القومية، ودانت بها أقوام، وأصبح لها فلاسفة وكتاب، أصبح يعتبر حكم قومية لأخرى استعمارًا، بقطع النظر عن النظام الذي يطبق في هذا الحكم، فحكم الأتراك للعرب استعمار عند هؤلاء، وحكم الأكراد للفرس استعمار أيضًا، ولكن حكم دولة عربية لدولة عربية أخرى لا يكون استعمارًا، ولهذا فإن الكتاب القوميين ينعتون حكم الدولة العثمانية للشعب العربي بالاستعمار، فهم لا يفتأون يرددون عبارة «الاستعمار التركي» «الاستعمار العثماني» في كل مناسبة.

ولكن هذا التفسير هو تفسير غير مقبول بالنسبة للمنطلق الإسلامي في تفسير التاريخ، لأن الإسلام يركز كل اهتمامه على المبادئ الحاكمة لا على عنصر الحاكم، لأن الشيء المهم في نظر الإسلام أن تسود العدالة ويعيش الناس في رخاء وأمن في ظلال الإسلام الوارفة، ولا يهم بعد ذلك إن كان الحاكم أبيض أم أسود، عربيًّا أم تركيًّا، طالما هو يحمل الإخلاص لهذا الدين ويعمل جاهدًا على تطبيق أحكامه ونشر رايته والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة ما أقام كتاب الله فيكم».

ولم يصف أحد من فقهاء المسلمين- رغم توفرهم وعلو كعبهم ونفوذ كلمتهم- حكم صلاح الدين الأيوبي- الكردي القومية- للبلاد العربية بأنه حكم استعماري، ولم يقل أحد منهم أن إمارته لم تكن إمارة شرعية، رغم أنه غير عربي حكم العرب.

فإن قال قائل: كيف هذا والرسول- عليه الصلاة والسلام- يقول: «الخلافة قريش».

قلنا: إن حديث رسول الله هذا هو حديث معلل – والأصل في أحاديث الأحكام أن تكون معللة- وذلك أن العرب قد انقادت لقريش في جاهليتها، واعترفت لها بشرف النسب وعلو الكعب، فحكم رجل من قريش في هذا الظرف مظنة لاجتماع الناس عليه، وانقيادهم لطاعته وحكم رجل من غيرهم مظنة لخروج بعض القرشيين عليه، لما يرون في أنفسهم من الفضل عليه، ولذلك جعل رسول الله الخلافة في قريش.

فإذا زال ذلك الظرف الخاص، وزالت العلة، وأمكن اجتماع الناس على رجل يختارونه، زال الحكم وصحت إمارته.

ومن هذا المنطلق الإسلامي فإن الحكم العثماني لا يجوز أن ينعت بالاستعمار، لأن محمد الفاتح لم ينطلق إلى أسوار القسطنطينية ليحقق سيطرة الترك على غيرهم من الأقوام ولكن لينال شهادة رسول الله به بأنه نعم الأمير، ويعلي كلمة الله في الأرض، ولأن الدولة العثمانية ما حكمت الناس إلا بشريعة الله تعالى – وما أخذت بالابتعاد عن أحكام الشريعة إلا حينما تسللت إلى أجهزة الدولة المخططات الصهيونية والماسونية.

محاربة الدول الاستعمارية للمنطلق الإسلامي في التفسير 

إن المنطلق الإسلامي في تفسير التاريخ، من شأنه أن يوحد المفاهيم بين المسلمين في جميع أنحاء الأرض- والمسلمون قوة مرعبة يخشى الاستعمار توحدها لما تتمتع به موقع استراتيجي، وموارد طبيعية، وكتل بشرية هي في ازدیاد دائم- ولذلك فإن الجهود الاستعمارية قد اتفقت على الحيلولة دون قيام تجمع إسلامي، على أساس من الإسلام الصحيح، لأن الإسلام يجمع ولا يفرق، وكل خلاف ينشب بين الأطراف المجتمعة على أساس من الإسلام يحل بقال الله أو قال رسول الله، ولا قول مع قولهما لقائل، فلا مكان للخلاف.

وفي ظلمة من الليل طرحت شعارات القومية، والتجمع القومي كبديل عن التجمع الإسلامي.

وبما أن القومية رابطة، لا مضمون فيها، فإن الخلاف لا بد وأن ينشب بين الأطراف المجتمعة حول المضمون فطرف يريدها بمضمون شيوعي، وآخر يريدها قومية بمضمون رأسمالي، وثالث يريدها قومية بمضمون إسلامي ورابع وخامس... وهذا ما يتيح الفرصة لضرب الأطراف بعضها ببعض، كل منها يدعي أنه على صواب وغيره قد ضل يدعي الطريق، والاستعمار يمد النار بالحطب، والنار لا تزداد إلا تأججًا.

غريب... عجيب 

ومن الغريب العجيب حقًّا أن نرى علماء ومفكرين ما زالوا يصرون على المنطلق القومي في التفسير، وكأنهم لم يتلقوا من الدروس ما فيه عبرة، أو كأنهم قد مروا بالحوادث التي عاشوها بأفكارهم ومشاعرهم كما يمر السائر في الظل، لا يلبث أن يفارقه ملأ يذكره، وأناس هذا شأنهم هم آخر من يحق له الكلام في تفسير التاريخ.

الرابط المختصر :