; مشكلتي - التربية بالشك | مجلة المجتمع

العنوان مشكلتي - التربية بالشك

الكاتب د. يحيى عثمان

تاريخ النشر الجمعة 08-فبراير-2013

مشاهدات 102

نشر في العدد 2038

نشر في الصفحة 60

الجمعة 08-فبراير-2013

* تنمية الوالدين لعلاقة وثيقة مع أبنائهما قائمة على الحب والثقة تجعل الأبناء حريصين على مشورتهما في المواقف التي تستعصي عليهم

أنا طالبة في الصف الحادي عشر، وأنا الأخت الكبرى، فلدي شقيقان؛ أحدهما في الصف التاسع والآخر في الصف السابع.

والدي والحمد لله يعمل مهندسًا بإحدى الشركات، أما والدتي فهي معلمة في نفس مدرستي، نعيش في مستوى مادي ممتاز بفضل الله، ويحرص والدي على توفير كل ما يمكن أن يسعدنا سواء من الناحية المادية أو المعنوية، ونحن بفضل الله أسرة متدينة.

كما يحرص والدينا على علاقة طيبة معنا، ولكن المأساة التي نعيشها - نحن الأبناء - هي طريقة التربية بالشك، وإن كنت أنا الأكثر تضرراً سواء من حيث التأثير النفسي عليَّ كفتاة، وكذلك لأن حجم الشك والريبة الذي يحيط بي أكبر من شقيقاي، لدرجة أنني مللت أي حديث من أمي أو أبي معي؛ لأن الهدف منه هو محاولة لكشف سر ما أخفيه، أو كذبة ما يحاولان معرفة سببها، أو إن لم يكن هناك شيء ما أخفيه فعلى الأقل هناك خطأ ما سوف أقع فيه.

حتى وأنا أحاول أن أركز في دراستي أشعر بأمي تتلصص عليَّ من خلف الباب، أو فجأة تدخل غرفتي للتأكد من أنني مشغولة في دراستي وليس بشيء آخر.

حتى أنهم وضعوا تليفوناً في كل غرفة؛ بحيث لو اتصلت إحدى صديقاتي أو صديق لأخي يمكنهما متابعة الحديث، بالطبع ليس لدي محمول كباقي زميلاتي، كذلك كان التعامل مع الإنترنت ممنوعاً، ولكن بناء على الواجبات التي تطلب منا في المدرسة وافقت أمي بناء على طلب مدرستي تقريباً لا أجلس على الإنترنت إلا في حضور أمي، لعلك تتعجب كيف تكون أمي وهي مدرسة وتربوية، وأبي المهندس الناجح يتصرفان بهذه الشكوك والريبة.. أقول لك: إن كل انحراف أو سلوك غير سوي واجهته أمي مع الطالبات عبر حياتها المهنية كمدرسة تتوقع أن يقع مني، وكذلك أبي كلما اشتكى له صديق أو قريب عن سوء أخلاق وتصرف لأحد أبنائه فهو كذلك يتوقع أن يجده فينا.

أنا مطالبة بأن أبرهن على براءة كل تصرفاتي، وأعطي الدليل على ذلك، وكذلك أخواي، ويؤسفني أن أبلغك أن تلك التصرفات انعكست على ردود أفعالي؛ فقدت ثقتي بنفسي، وأصبحت أتشكك في صديقاتي وعلاقتهن بي، فلم يعد لدي تقريباً أي صديقات، والأدهى من ذلك انعكس هذا السلوك على علاقاتنا الأخوية، بعد اكتشافنا أن كلاً منا مطالب أن يعطي تقريراً عن بقية الإخوة، ويرفعه للأب أو للأم!

أستاذي الكريم، لقد مللت تبرير والديّ لهذا النهج الذي يتبعاه معنا، وأن ذلك لشدة حبهما وحرصهما علينا ولحمايتنا من الزلل.

إن أبي وأمي من قراء مجلتكم الموقرة، فأرجو أن تجد رسالتي الاهتمام حتى أستطيع مواصلة الحياة بصورة طبيعية.. وجزاكم الله خيراً.

التحليل

إن بناء الشخصية السوية وتنميتها بحيث تكون قادرة على التفاعل مع الأحداث التي تواجهها؛ هي ثمرة منهجية تربوية ناجحة، وهناك فرق كبير بين متابعة الوالدين لأبنائهما والتعرف على أحوالهم، والشك في تصرفاتهم، فالأولى تتابع نمو وتطور بناء الشخصية، أما الثانية فتهدم وتدمر النمو الطبيعي للشخصية.

الأولى طبعاً حسنة، بل واجب على الوالدين القيام بها من خالل الملاحظة العامة لسلوكيات أبنائهما وتقييم أدائهم سواء الدراسي أو الحياتي بصفة عامة.

أما الثانية، فهي قائمة أصلاً على عدم الثقة في الأبناء، وتُغلّب جانب الانحراف في سلوكهم، وهي قائمة أيضاً على التشكك في قدرة الآباء على بناء القناعات اللازمة لدى الأبناء التي تحول بينهم وبين الوقوع في الخطأ.

أيضاً، فإن المتابعة تساعد على الارتقاء بالسلوك، وتدريب الأبناء على متابعتهم الذاتية لأنفسهم من منطلق تنمية المراقبة الإلهية على النفس؛ ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14].

أما الثانية؛ فتثير في النفس البلبلة والاضطراب، وتوقُّع هجوم مباغت؛ ومن ثم تبحث عن كيفية تبرير الموقف والدفاع عنه أمام الاتهامات المتوقعة.

إن اللجوء لأسلوب الأمر والنهي دون توليد القناعات الذاتية للارتقاء بالسلوك هو الذي يلقي بظلال الشك في سلوك الأبناء.

إن نجاح الوالدين في توليد القناعات عن طريق الحوار البناء، معتمدين على قوة العلاقة الوجدانية مع أبنائهما، والثقة المتبادلة بينهم؛ هو الضمان الوحيد لنمو قدرات الأبناء على بناء شخصياتهم؛ ومن ثم قدرتهم على التفاعل الإيجابي لما يواجهونه من أحداث.

إن اعتماد الوالدين على تنمية علاقة وثيقة مع أبنائهما قائمة على الحب والثقة؛ هي التي تجعل الأبناء حريصين على مشورة والديهم في المواقف التي تستعصي على قدرتهم، ولا يتحرجون أن يعرضوا عليهم حتى الأخطاء التي وقعوا فيها وطلب مساعدتهم للتغلب عليها.

إن من أهم العوامل المؤثرة في سلوك الأبناء صورتهم الذهنية عن أنفسهم؛ أي كيف يرون ذواتهم، وبناء على هذه الصورة يتصرفون ويكون سلوكهم.

إن الثقة بالنفس هي التي تؤدي إلى صياغة صورة ذهنية إيجابية عن الذات، وتساهم البيئة التربوية مساهمة فعالة في مساعدة الابن على اكتساب الثقة بالذات، وإن التشكيك في مصداقية تصرف الابن أو قوله أو مشاعره يؤدي إلى فقدانه لثقته بذاته؛ ومن ثم اضطراب صورته الذهنية عن نفسه؛ مما يؤدي إلى تدني سلوكياته، وفي النهاية تتشكل لديه شخصية مهتزة لا تقوى أمام تحديات الحياة، بل تتكون لديه نفس ضعيفة على ضبط رغباته وشهواته.

الآثار

إن التربية بالحصار الحديدي من الشكوك والاتهامات تولد لدى الأبناء الرغبة تصرفاتهم تفقدهم الرغبة في الإقدام والمبادرة، ومن ثم التعلم من أخطائهم، كما أنها تولد لديهم الرغبة في تبرير تصرفاتهم حتى وإن كانوا مقتنعين أنها خطأ، وتؤدي إلى فقدانهم للثقة بالنفس، والارتكان إلى تعليمات والديهم، وللأسف نرى أثر ذلك حتى بعد أن يكبر الابن ويكون شاباً يافعاً، ثم رجالً مسؤولاً عن أسرة، لكنه مازال يعتمد على أبويه في قراراته.. لذا على كل والدين اتبعا هذا المنهج الخاطئ أن يتوبا إلى الله تعالى، وينميا معارفهما ومهاراتهما وقدراتهما التربوية.

وقد يتساءل البعض: هل بعد أن بلغ ابني قدراً من العمر، يمكن أن أصلح ما أفسدته؟ نقول وبالله التوفيق: من الواجب أن يفعلا ذلك، ويجلسا مع الأبناء، ويعتذرا عما سلف منهما، ويتعهدا على بناء علاقة جديدة قائمة على الثقة والحب.

إلى ابنتي الفاضلة أتوجه بحديثي:

إن على الأولاد أن يساعدوا والديهم على بناء الثقة بينهم؛ بمعنى أن وقوف الآباء على كل تصرفات الأولاد يزيل المخاوف التي مبعثها كل الحب لهم، كما أن السلوك الطيب السوي يساعد الوالدين على منح مجال أوسع للثقة في تصرفات الأولاد.

كما أن حرص الأولاد على استشارة والديهم، والاستفادة من خبراتهم يساعدهم على الفوز بثقتهما، كذلك على الأولاد اختيار الظروف المناسبة للحديث مع الآباء والأمهات بكل أدب للتعبير عن انطباعاتهم بخصوص أسلوب الوالدين معهم.

كما أود أن أوضح لك يا ابنتي عن حقيقة ثابتة، هي أن شك الوالدين في الأولاد ليس مبعثه سوء الظن بهم، ولكنه مبعثه الحب الجارف لكم والخوف عليكم.. بارك الله في والديك وحفظهما لكم.

أرسل مشكلتك أو أسئلتك

باسمك أو بالأحرف الأولى من اسمك على:

moshkelty1@gmail.com

ستجد الحل على هذه الصفحة 

الرابط المختصر :