العنوان قراءة معاصرة في مقدمات الإمام البنا «1» مشوار الإصلاح.. وتجنيد الطاقات
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 06-فبراير-2010
مشاهدات 64
نشر في العدد 1888
نشر في الصفحة 40
السبت 06-فبراير-2010
- الإمام البنا صاحب مشروع حضاري متكامل حرص على اكتشاف المواهب والقدرات الخاصة واجتهد لوضعها على الخارطة الدعوية الكاملة الصحيحة.
- تحرّك على خارطة الدعوة بحُسن المرابطة بجنودها مع الإعلاء الأكمل والتوظيف الأمثل للطاقات الإبداعية والفكرية.
- الشاعر في نظر «البنا» من يتخير الألفاظ والمعاني فيجلو على الناس أنوارها ويدلهم على ما فيها من خير وسعادة ومجد وجمال وجلال وفضل وكمال.
- من مهاراته ومواهبه سعة الصدر واحتواء الآخر وتوزيع الواجبات وتجنيد كل الطاقات لمشروع إحياء أمة أرهقتها طواحين الفراغ والصغائر.
إن القارئ المتدبر والمتأمل والمتفكر في حياة الإمام الشهيد «حسن البنا» (١٩٠٦ - ١٩٤٩م)، إذا أراد أن يتوقف أمام الدروس العابرة، والمشاهد السائرة، ليؤصلّ ويفصلّ فسيرى كيف أسس هذا الرجل صفوفه، وكيف أقام بنيانه، وكيف تحسس وتلمس أنجح السبل، وأصلح الوسائل، لتصنيف وتوظيف أفراد وطاقات ومواهب الشباب والرجال الذين هداهم الله إليه، وهداه إليهم.. وسيرى بحق أنه المصلح الذي أحسن التأسيس حين أحسن التسييس، وأحسن فن القيادة، حين أحسن الانقياد، وأنقاد بمواهبه الكبار للشباب فأسلموا قيادهم له، ووضعوا مواهبهم بين يديه، وتحت ناظريه، فأحسن تصريفها لتحصيل المردود الأرفع والأنفع للفرد والأمة، وذلك بإحسان الغراس الطيب في التربة الطيبة، التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.. ومن لا يحسن الجندية بحق، فلن يحسن القيادة أبدًا.
ولعل أصلح هذه المفاتيح التي أمسك بها الإمام الشهيد حسن «البنا»، هو ذلك المفتاح السحري الذي دخل «البنا» من خلاله مباشرة إلى مكمن الموهبة التي يتمتع بها الفرد الذي أمامه، فيدخل «البنا» إليها من أقرب طريق، ويتمكن من أقطارها في أقل وقت، ويحسن توظيفها بأقل كلفة وأوفر عائد، مهما كان بُعدُ أو قُربُ هذه الموهبة من مركزية الفكرة الإسلامية، التي ولد «البنا» لها وعاش ومات في سبيلها.. فإنه الراعي الصالح الذي يدرك المآرب الأخرى لعصاه التي مكّنه الله منها.
ولم تكن الفكرة الإسلامية المطروحة على الساحة آنئذ، واضحة المعالم بيّنة السمات جلية القسمات كما هي اليوم... فقد كان «البنا» والجيل المرافق له، هو جيل التأسيس وشق السبل، وتعبيد الطرق وارتياد الآفاق، ووضع التصورات والمضامين لذلك المشروع الإصلاحي الكبير، الذي يستهدف إعادة تفعيل الأصول. وتيسير الوصول إلى الهدف المأمول، مما يتوجب معه إعادة البناء حجرًا حجرًا مع الاقتدار المدرك لمعركة التثمير الإيماني لمشروع النهضة في شتى المناحي، وإحسان رسم هذه المصفوفة، وتوقع نتائج إحداثيات أفرادها على المستوى الفردي والجماعي، في معركة التمكين الكبرى التي خاضها «البنا»، وسط غابات الأعداء، وأحراش الأدعياء، وتربص الكائدين وغلظة العملاء.. وأستشهد على ثرى الدعوة الطهور، صادق الولاء والابتلاء، حسن الجزاء والبلاء..
فعاشت الفكرة حين ذهبت السكرة، وبقي الرجال حيث تجذرت الأقوال، وتحددت الغايات حين وضحت المنطلقات.. فناجاه أبناؤه ومريدوه، على لسان شيخ العصر، وإمام الفقهاء المجددين العلامة د. يوسف القرضاوي، فقال:
لك يا إمامي يا أعزّ معلم *** يا حامل المصباح في الزمن العمي
يا مرشد الدنيا لنهج محمد *** يا نفحة من جيل دار الأرقم
حسبوك متّ وأنت حي خالد *** ما مات غير المستبد المجرم
حسبوك غبت وأنت فينا شاهد *** نجلو بنهجك كل درب معتم
شيدت للإسلام صرحًا لم تكن *** لبِنَاتُه غير الشباب المسلم
وكتبت للدنيا وثيقة صحوٍة *** وأبيت إلّا ان توقع بالدم
نم في جوار زعيمك الهادي فما *** شيدت يا بناء لم يتهدم
سيظل ذكرك في القلوب مسطرًا *** وسناك في الألباب واسمك في الفم
سواء السبيل
ومن مهارات ومواهب هذا الرجل الكبير -حسن البنا- أنه كان واسع الصدر، طويل الصبر.. يحسن من اللقاء على سواء السبيل، والالتقاء على كلمة سواء، والاحتواء للآخر، وابتكار الوسائل الجديدة والمفيدة للعمل المشترك، وتوزيع الواجبات، وتحميل المسؤوليات، وتجنيد كل الطاقات لمشروع الإحياء الكبير، لأمة أرهقتها حروب المنعطفات، وبعثرتها النظرات الجزئية، وهدّتها المآرب الخاصة، وأكلتها طواحين الفراغ والصغائر.. فكانت معركة الإنقاذ والانتشال، لا تقل بحال عن معركة البناء وتحقيق الآمال، فأصحاب المشروعات الحضارية لابد وأن يحسنوا لها التحضير... وذلك بربط جزئياتها وفروعها، وأشخاصها وإمكاناتها، وسائر مكوناتها بالحاجات الأساسية والمتطلبات الواقعية للأمة، وإتقان وإحسان فن الإصلاح للواقع، والتخطيط للمستقبل.
ولهذا، فقد كان «البنا» حريصًا أشد الحرص على اكتشاف ذوي المواهب والقدرات الخاصة، والاجتهاد الأمين الواعي في وضعهم على الطرق الصحيحة المنشودة، وتوزيعهم . الحصيف على الثغور والتخوم التي يجب المرابطة عندها، والدفع بهم على مساحات وساحات الخارطة الدعوية الكاملة الصحيحة، التي تدرك أصول التحرّف للقتال، فتدور مع كتاب الله حيث دار.
ومن ذلك أنه كان أول من يضع يده في أيادي الموهوبين من أبناء الدعوة والحركة من الأدباء والشعراء والفقهاء والعلماء والدعاة والماهرين من أصحاب الفنون والحرف، وبرتاد أمامهم الأفق، ويحمل على أكتافهم الحمل، في تبادلية عجيبة بين الانقياد والقيادة، وعلى بركة الله ينطلق الجميع في مشوار السباق ورحلة الانعتاق.
وفي نقده وتعليقاته على بعض النتاج التي جرت بها أقلام الأدباء والشعراء، تراه يعلق في جريدة «البلاغ» بتاريخ 22/5/1352هـ على قصيدة لأديب ناشئ يرثي بها جلالة الملك فيصل -ملك العراق- ويهنئ الملك «غازي» الأول بعرش العراق، حيث يقول ذلك الشاعر الناشئ في قصيدته:
دعوا النعش لا تحملوه على *** سراة الخِضّم ومتن الهواء
فجبريل أدری به منکمو *** وأولى بحمل السنا والسناء
وهذا محمد من خلف *** يسير ومن خلفه الأنبياء
فيقول «البنا» معلقًا:
«نحن نجلّ الفقيد الكريم جلالة الملك فيصل، ونعلم آثاره الخالدة في خدمة الأمة، ونجد ألم الحزن العميق الذي شملها لفقده، والرجاء الكبير في خليفته الهُمام، ولكنّا مع هذا نود من أدبائنا ألا يجاوزوا الحد، حتى يتناول مقام الملائكة والأنبياء، ففي ذلك غلوّ يأباه الطبع العربي المنصف، ويأباه الأدب الإسلامي العالي وآثار جلالة الملك فيصل حية خالدة، وهي لذلك في غنى عن المبالغة والإغراق (1).
وقد قدم الإمام الشهيد للأدب العربي في بداية عمله الوظيفي تنقيحًا وتصحيحًا، لديوان «صريع الغواني» مسلم بن الوليد (١٤٢ - ٢٠٨ هـ)، ذلك الشاعر العباسي الذي عاش أيام هارون الرشيد، كما قام الإمام البنا بالتعليق على هذا الديوان، بمطابقته على النسخة الأصلية المطبوعة في الهند في مدينة بومبي سنة ١٣٠٣هـ (٢).
ومن ذلك تقديمه لديوان «حكمة الرجز» للشاعر المربي الشيخ محمد خليل الخطيب (۱۹۰۹ - 1986م)، وفيه وضح الإمام الشهيد تصوره لمهمة الشاعر، ودوره في الحياة والمجتمع، وخلاصته أن الشعر رسالة، وأن للشاعر دورًا إيجابيًا في مجتمعه وأمته، يضعه في مقام الهداية والقيادة والريادة، فقال:
«إن الشاعر في الأمة مصور ماهر، يصور عواطفها وآمالها، ويرسم مكنونات ضمائرها ونفوسها وقلب نابض بأفراحها وأحزانها، يخفق لها خفقة الفرح والسرور إن أصابت مغنمًا، أو لقيت خيرًا، ويتأوه آهة الحزين أن مسها الضر، أو ناباها شر.. يصوّر ذلك، وهو مع هذا، هادٍ يدل أمته على طريق النجاح، ويحذرها من التردي في مهاوي الفساد، ويخلع على الفضيلة أجمل حلة، تلفت إليها النفوس وتستهوي الأنظار، ويضع الرذيلة في صورة بشعة مرذولة، لو أطلعت عليها لوليت منها فرارًا، ولملئت منها رعبًا، ذلك هو الشاعر في ثوب العاطفة والحس، وهذا هو الشاعر في ثوب الوعظ والتذكير، وهو في كليهما يقوم بأجلّ الخدمات للإنسانية البائسة الغافلة» (3).
وكان من أكثر هذه المقدمات تركيزًا، واعمقها هدفًا، وأدقها عبارة، وأوعاها برسالة الشاعر في الحياة، تلك المقدمة الموجزة التي قدم بها الإمام الشهيد حسن «البنا» لديوان «زورق الأحلام» للطالب الأزهري الشاب عبد الستار احمد فراج، الطالب بمعهد فؤاد الأول الثانوي الأزهري بأسيوط بصعيد مصر.
وقد جاءت هذه المقدمة من الإمام الداعية، ذات أسلوب رقيق رفيق، ورفرفت كلماتها في أسلوب قصصي خلاب بدأه «البنا» بجمل سردية، وعبارات وصفية، تعرّف بالشاعر وبيئته، وتشير إلى أصوله و أرومته، وخصائص هذه البيئة، وصفات أهلها، ومن ثم توقّع المضامين والمضامير التي سيحتويها أو يطويها المبدع النابت من تلك البقاع، والقاطن لهذه الديار، فهي «التي يحف بها جلال العروبة والإسلام، ويغشاها سنا الإيمان العميق، والشعور الرفيق، الذي أمتاز به العربي في كل عصر وفي كل مكان، فلا عجب أن يتهادى «زورق الأحلام» بين مناظر الطبيعة الخلابة، ومظاهرها الرائعة الجميلة، وأن يصوّر ذلك كله بريشة بهيجة الألوان، دقيقة التصوير» (4).
ثم يلمّح «البنا» إلى أزهرية الشاعر الشاب «عبد الستار فراج» وإخوانيته الوثابة «فازداد بذلك إيمانًا إلى إيمانه، والتهبت فيه الغيرة الإسلامية، فلمعت على جوانب زورقه شعلًا يرويها ماء الرقة، وحممًا يوقدها معين الإخلاص، ولا تعجب أن تكون النار من الشجر الأخضر، فقديمًا قيل: في كل شجر نار» (5).
وفي هذه الإطلالة القصيرة، يربط «البنا» بنظرة الناقد الموضوعي بين الذات والموضوع، وبين الشاعر والمشاعر، ثم يستكنه «البنا» كنه هذا الشاعر الأزهري الشاب «عبد الستار فراج» وما يرتجى من أزهريته، في حومة التحرير، ومشوار التغيير، فيقول:
«عاصر الشاعر النهضة المصرية، ووُلد مع ثورة الوطن الحر على قيود الاستعباد، فكان ربيب الثورة، نشأ معها وغذته بلبانها، فساهم بنصيبه العملي والروحي فيها، وجرت هذه المعاني على شبا قلمه ووطنيته فياضة، ودعوة جريئة قوية في سبيل تحرير الوطن والنهوض به» (6).
وهو.. هو.. نفس المعنى الذي استنهض له «حسن البنا» أحد شباب شعراء الإخوان في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، وهو الشاعر إبراهيم عبد الفتاح، الذي رجاه «البنا» ورجّاه أن يكون على قدم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير، رضي الله عنهم أجمعين، ممن ينافحون عن دعوة الله ونبيه بالقول الفصل، والمنطق الجزل، يؤيدهم روح القدس، ويمدُّ لهم الله في الشعر والحكمة.. ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (سورة البقرة: 269) (7).
ولأن «البنا» رجل الصف والبناء، والتوظيف الأمثل لأدوار العلماء والعاملين، والخطباء والكاتبين، والشعراء المجاهدين، فإنه يحدد الرسالة، ويوجز المقالة، فيزكي في الشاعر «مشاعر من قيود الخوف وخشية الله طليقة، وعاطفة رابطتها بالملأ الأعلى وبروح القدس وثيقة» (8).
والشاعر كل الشاعر في نظر «البنا» هو الذي يتخير الألفاظ والمعاني، «فيجلو على الناس أنوارها، ويطلع في سماء البيان شموسها وأقمارها، ويدلهم على ما فيها للإنسانية من خير وبر، وسعادة، ومجد وجمال، وجلال، وفضل وكمال، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107).
وكان على حد قول القائل:
إذا قال لم يترك مقالًا لقائل *** بملتقطات لا ترى بينها فصلا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع *** لدى لسن في القول جدًا ولا هزلا (9)
وإنما يأتي ذلك الاستنهاض من الإمام «البنا» لقافلة الموهوبين من أبناء الدعوة، لأنه اللبيب البصير، أن قافلة الدعوة لا تصنع تلك المواهب، وليس في مقدورها ذلك، إنما تكون المهارة والريادة والحكمة والقيادة في حُسن توظيف هذه المواهب الفطرية، وتثمير عطائها ومن ثم تنتشر وتنتصر الدعوة بهذه النخبة من أصحاب القلوب المؤمنة، والألسنة الصادقة في معركة الإبانة والتعبير عن الغايات والأهداف».
وإذا كان «من وحي الدعوة» لإبراهيم عبد الفتاح قد طبع عام ١٩٤٧م، و «زورق الأحلام» لعبد الستار فراج قد طبع عام ۱۹۳۹م، فإن ديوان «البواكير» لعبد الحكيم عابدين ( ١٩١٤ - ١٩٧٦م) قد سبقهما حيث صدر عام ۱۹۳۷م، لكنه لم يظفر بمقدمة للإمام الشهيد، وإن كان الباكورة في أناشيد وأغاريد «الإخوان المسلمين» وربما كان ذلك لأن أشعار وأناشيد عبد الحكيم عابدين كانت هي لسان الجماعة في معظم مناسباتها، وكانت تبدو وكأنها الشعارات والأهازيج الرسمية للجماعة، ومن ثمّ، فلم تكن بحاجة إلى تقديم أو تأخير.
وبهذه الرؤية النافذة، والأبوة الحانية، والأخوة الصادقة، كان الإمام الشهيد يتحرك على خارطة الدعوة، ويحسن المرابطة بجنودها على التعوز، مع الإعلاء الأكمل والتوظيف الأمثل لأصحاب القدرات والمواهب والطاقات الإبداعية والفكرية.
المراجع
(1) «الإخوان المسلمون» الأسبوعية، السنة الأولى العدد ١٥، غرة جمادى الآخر ١٣٥٢هـ / ٢١ من سبتمبر ١٩٣٣م.
(2) د. جابر قميحة، التاريخ الأدبي للإخوان المسلمين (۱۹۲۸- ١٩٤٨م)، البشائر للبحوث والدراسات، القاهرة، ۲۰۰۷م، ص ۲۹، ۳۰.
(3) المرجع السابق، ص ٣٠.
(٤) مقدمة حسن البنا لديوان «زورق الأحلام» لعبد الستار فراج، مطبعة أمير الصعيد، أسيوط ۱۹۳۹م، ص ۳.
(5) (6) المرجع السابق، ص 4.
(7) مقدمة حسن البنا لديوان «من وحي الدعوة الإسلامية»، إبراهيم عبد الفتاح، دار القبس للنشر والتوزيع، الإسكندرية، ط ۲، ۱۹۸۹م، ص 6.
(8) (9) المرجع السابق، ص 7.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل