العنوان مؤتمر بوصاصو في الصومال: مصالحة وطنية أم صراع سياسي بين الفصائل؟
الكاتب مصطفى عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
مشاهدات 57
نشر في العدد 1272
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
تجرى حاليًا الاستعدادات لعقد مؤتمر مصالحة وطنية بين الفصائل الصومالية في مدينة بوصاصو الصومالية والذي يعرف اختصارًا بمؤتمر بوصاصو وتشارك فيه الفصائل المتناحرة والفعاليات السياسية المختلفة.
وترجع فكرة المؤتمر إلى بداية هذا العام بعد اجتماع عقدته فصائل صومالية أغلبها من التحالف الصومالي للإنقاذ بزعامة علي مهدي محمد في منتجع سودري، قرب أديس أبابا عاصمة إثيوبيا وحددوا له شهر يونيو ۱۹۹۷م، ولكنه تأخر عن موعده لأسباب عديدة منها خلافات داخلية بين أعضاء المجلس الوطني للإنقاذ الذي دعا إلى المؤتمر، لكنه قوبل برفض الأطراف الأخرى «حسين عيديد- ومحمد عجال» لمشاركته.
وقد جدد المؤتمر الثاني الذي عقده المجلس الوطني للإنقاذ مؤخرًا الدعوة إلى عقد المؤتمر، وحدد موعده في نوفمبر المقبل.
ويحصل هذا المؤتمر على الدعم المباشر من حكومة إثيوبيا والولايات المتحدة، وتبذل الحكومة الإثيوبية قصارى جهدها لإنجاحه.
الهدف من المؤتمر:
ويهدف المؤتمر - طبقًا لما أعلن منظموه أكثر من مرة إلى:
1 - تشكيل حكومة مركزية انتقالية.
2- اعتماد ميثاق وطني للفترة الانتقالية، وقد وضع هذا الميثاق لجنة فنية كونها المجلس الوطني للإنقاذ لهذا الغرض.
ويسعى بعض الزعماء من منظمي المؤتمر وغيرهم إلى عقد مصالحة والاتفاق على المبادئ فقط وتأجيل تشكيل الحكومة إلى مؤتمر أوسع سيعقد في العاصمة مقديشو، وأصحاب هذه الفكرة يرون أنها أقرب للصواب وأضمن لحكومة يقتنع بها جميع الأطراف، وهم يبدون تخوفًا شديدًا من تشكيل حكومة أخرى لا يشارك فيها حسين عيديد ومحمد عجال، أو على الأقل حسين عيديد لأن ذلك -حسب رأيهم- قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية شديد بين حكومة حسين عيديد والحكومة المزمع تشكيلها في مدينة بوصاصو.
ويتزايد موقف هذه المجموعة تشددًا فقد بدأ بعضهم إعلان ذلك عبر وسائل الإعلام، وعلى رأس هؤلاء السيد عثمان حسن عاتو العضو القوي في المجلس الرئاسي الخماسي للمجلس الوطني للإنقاذ وأعضاء آخرون من اللجنة التنفيذية، وقد صرح السيد عثمان عاتو في ۱3/۱۰/1997م بأنه يرى الاكتفاء بمصالحة بين الأطراف في بوصاصو، وتأجيل تشكيل الحكومة إلى مؤتمر آخر.
ولكن يتشبث أغلب أعضاء المجلس الوطني للإنقاذ بأن يسفر اجتماع بوصاصو عن تشكيل حكومة، وقد أكد ذلك الرجل القوي في المجلس العقيد عبد الله يوسف.
مواقف الأطراف المختلفة:
اتخذت الأطراف المختلفة مواقف متباينة من المشاركة في المؤتمر.... وبتفصيل فإن مواقف الأطراف الرئيسية تأتي كالتالي:
أ - المجلس الوطني للإنقاذ: وهو الذي دعا إلى المؤتمر ويحضر له حاليًّا، ويتمسك بانعقاده، ولا يتنازل عن ذلك قيد أنملة، ولذلك يسعى إلى إقناع الأطراف الأخرى بمشاركته، بل ويمارس ضغوطًا سياسية غير مباشرة على حكومة حسين عيديد عبر جهات دولية وإقليمية ومحلية لإقناعه بالمشاركة، ولم يكتف بالضغوط السياسية فقط بل يستخدم ضغوطًا عسكرية، فإنه يساند قوات تحالف مقاومة رحن وين التي تناضل من أجل طرد مليشيات حسين عيديد من محافظتي باي ويكول، جنوبي غربي الصومال وذلك لتقليص نفوذ حسين عيديد من الناحية الجغرافية، ولإشغاله بمناوشات عسكرية حتى لا يجد فرصة للتفكير وتدبير الأمور لإفشال المؤتمر في الداخل والخارج.
ويبدو أن المجلس أهمل إدارة محمد حاج إبراهيم عجال، ولم يقدم لها دعوة رسمية للمشاركة في المؤتمر، وربما تكون هناك علاقة سرية وأجندة خفية بين الطرفين.
وعلى الصعيد الخارجي يقوم المجلس بدبلوماسية مكثفة لكسب تأييد عالمي وإقليمي، وخاصة من دول الجوار والدول العربية.
وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الوطني للإنقاذ تظهر داخله خلافات جوهرية تتزايد يومًا بعد يوم، فقد صرح العقيد عبد الله يوسف عضو المجلس الرئاسي الخماسي يوم 12/۱۰/۱997م أن المؤتمر سيعقد في موعده المحدد وسيتم فيه تشكيل حكومة مركزية
لكن السيد عثمان حسن عاتو وهو عضو آخر من المجلس الرئاسي أكد في تصريح مضاد أن المؤتمر لا يتناسب مع تشكيل حكومة، ويجب تأجيله والسعي إلى إقناع الأطراف الرافضة.
ب - حكومة حسين عيديد وهي ترفض هذا المؤتمر ولا تشارك فيه، كما أكد ذلك مسؤولون كبار أكثر من مرة، ويتهمون منظمي المؤتمر بالعمالة والتبعية لدول أجنبية وخاصة إثيوبيا.
ويسعى هذا الفريق إلى إفشال هذا المؤتمر بطريقة غير مباشرة وبوسائل مختلفة منها:
- تفعيل مشاريع تصالحية متوازية مع هذا المؤتمر، مثل «مصالحة مقديشو» أي حل مشكلة مقديشو العاصمة، قبل حل «مشكلة الصومال».
-محاولة كسب بعض الأعضاء من المجلس الوطني للإنقاذ إلى برامجها التصالحية.
-الضرب على وتر الوطنية والعداوة القديمة مع إثيوبيا التي ترعى تحضير المؤتمر.
-القيام بخطوات دبلوماسية في الداخل والخارج مثل الزيارة التي قام بها حسين عيديد إلى كل من ليبيا ومصر في 11/۱۰/۱997م.
ج - جمهورية أرض الصومال بقيادة محمد حاج إبراهيم عجال: وترفض هذا المؤتمر جملةً وتفصيلًا، ويقولون إن هذا المؤتمر يخص «الجمهورية الصومالية» ولا صلة له بـ «جمهورية أرض الصومال» ويعتبرون أي دعوة إلى هذا المؤتمر مساسًا لسيادتهم وخدشًا لاستقلالهم، هذا هو الموقف المعلن، وقد تكون هناك أجندة مستقبلية سرية بين الطرفين، ولذلك يبتعد الطرفان عن أي مواجهة علنية بينهما، بينما تسود المواجهة العلنية والعبارات شديدة اللهجة المتبادلة بين كل من حسين عيديد والمجلس الوطني للإنقاذ وحسين عيديد ومحمد عجال.
مواقف الأطراف الإقليمية والدولية:
أ - الولايات المتحدة وإثيوبيا: إثيوبيا هي التي ترعى هذا المؤتمر، فقد برزت فكرته على أرضها وقرب عاصمتها وتحت ضيافة رئيس وزرائها میلس زناوي، أما الولايات المتحدة فإنها تسعى إلى صياغة منطقة القرن الإفريقي في القرن الحادي والعشرين بصورة تخدم مصالحها الدولية والإقليمية، وتعد إثيوبيا كقوة إقليمية المنفذ لهذه المخططات ولا غرو أن يتزايد التحالف الاستراتيجي الثلاثي: الولايات المتحدة - إسرائيل - إثيوبيا حول الدول المتاخمة للبحر الأحمر الممر الاستراتيجي للملاحة الدولية بين الشرق والغرب.
ب - الدور الأوروبي: يشهد الدور الأوروبي في الشؤون الصومالية تراجعًا ملموسًا في الآونة الأخيرة، وذلك بالانتكاسة الشديدة التي منيت بها الدبلوماسية الإيطالية، والتي بلغت ذروتها حين فشل نائب وزير الخارجية في زيارته لمقديشو في نهاية يوليو المنصرم وزيارة السفير الإيطالي في مقديشو في الأسبوع قبل الماضي، حيث ندد بعض الفصائل بالسياسة الإيطالية حيال الصومال واتهمتها بتصعيد المواجهة بين الفصائل، إضافة إلى الفضائح الشنيعة التي ارتكبها الجنود الإيطاليون أثناء تواجدهم في الصومال ضمن عملية الأمم المتحدة في ۱۹۹۲ م - ١٩٩٥م وعلى هذا قادت إيطاليا الدول الأوروبية من فشل لآخر.
ج - الدور العربي: تزايد الدور العربي في المصالحة الصومالية خلال هذا العام، ويرجع ذلك إلى التهديدات الصهيونية في المنطقة، فتحركت اليمن ومصر بمباركة جامعة الدول العربية، وأبرمت اتفاقات بين بعض الفصائل في صنعاء والقاهرة، وقد رحب بذلك الشعب الصومالي بمختلف فئاته، ولكن الموقف العربي اتسم بالعجز وعدم الفاعلية مما أدى إلى التذبذب بين الموقف الأمريكي القوي وبين الموقف الأوروبي القريب من المنهجية العربية، وعلى كل حال فإن الدور العربي لا يحمل حاليًّا مبادرات ذاتية، تاركًا المجال لأمريكا.
د - دور الأمم المتحدة: دور الأمم المتحدة يتسم باليأس بعد عملياتها في ١٩٩٢م - ١٩٩٥م، ولكن الأمين العام للمنظمة كوفي عنان أرسل مندوبًا خاصًا للصومال عصمت كيتاني الذي زار المنطقة وقدم تقريرًا وافيًّا للأمين العام، ثم عين الأمين العام مندوبًا دائمًا له هو ديفيد ستيفن البريطاني الجنسية ومقره في نيروبي، ولا ندري تحركات المنظمة الدولية حيال الصومال في المستقبل، ولكن لا دور لها في الأمور الجارية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل