; مصر: أزمة اقتصادية طاحنة والكل يتهرب من المسؤولية | مجلة المجتمع

العنوان مصر: أزمة اقتصادية طاحنة والكل يتهرب من المسؤولية

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001

مشاهدات 71

نشر في العدد 1439

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 20-فبراير-2001

 في السنوات الأخيرة زادت النزعة الاستهلاكية وبرزت طبقة مترفة.. في الوقت الذي تزايد حجم الفقر وتفاقمت أزمة البطالة

بات الجميع في مصر يشعر بوطء الأزمات الاقتصادية الشديدة التي أخذ بعضها بخناق بعض، وشكلت سلسلة متكاملة، وحلقات لا تنفصم، حتى صرح رئيس الجمهورية بتصريح عجيب يلقي فيه المسؤولية على البيانات الخاطئة المضللة التي قدمها رئيس الوزراء السابق د. كمال الجنزوري للقيادة السياسية منذ عام ١٩٩٦م.

هذا الوضع الاقتصادي الخطير يهدد مستقبل الملايين في مصر، بل يهدد دورها ومكانتها وريادتها في المنطقة، بل من الممكن أن ينعكس على قدرات مصر العسكرية، في وقت تتصاعد فيه الأحداث في فلسطين، ولتلك الأوضاع انعكاسات خطيرة أيضًا على المجتمع المصري، مما يؤثر على الدعوة الإسلامية ووضع الدعوة والدعاة.

طبيعة الأزمات

عاشت مصر فترة إصلاح اقتصادي للسياسات النقدية والمالية وفق برنامج أعده صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وقد أثمرت هذه الفترة هدوءًا في الناحية الاقتصادية، وجاء قرار إزاحة عبء نصف الديون المصرية الخارجية بعد مشاركتها في حرب الخليج في إطار التحالف الدولي، ليضيف إلى الاستقرار المالي والنقدي.

 لكن الإصلاح النقدي لم يجر استثماره كما ينبغي، مما أدى إلى تخبط في السياسات الاقتصادية، ولم توضع أي خطط للتنمية الاقتصادية المستقلة.

عاشت مصر في فترة رواج وتدفقات مالية خاصة بعد ضرب شركات توظيف الأموال، وبيع عدد ضخم من مشروعات القطاع العام بعد خصخصتها، حتى عانت البنوك الكبرى من تكدس الأموال، فجاءت أفكار سريعة غير مدروسة تبنت اتجاهين:

الأول: تشجيع البنوك على إقراض عدد محدود من رجال الأعمال الشباب الذين لا يعرفهم أحد من قبل، وثارت حولهم تساؤلات كثيرة وترددت أقاويل عن مشاركة رجال السلطة مع أبنائهم وأقاربهم مع رجال الأعمال أولئك في شركات جديدة، اقترضت مبالغ كبيرة من البنوك تصل إلى مئات الملايين، أو تتعدى المليار جنيه للواحد منهم (زاد سعر الدولار في الآونة الأخيرة على أربعة جنيهات).

الثاني: الدخول في مشروعات سُمّيت بالقومية مثل: مشروع توشكى في جنوب مصر ومشروع شرق التفريعة في بورسعيد، وهذه ابتلعت عوائد ضخمة من التدفقات المالية، وكانت الدراسات الممهدة لهذه المشروعات محل انتقاد كبير لعدم جديتها، أو تفاؤلها المفرط أو للامتداد الزمني الكبير لها، حتى يمكن أن تحقق عائدًا معقولًا، أو لارتفاع تكلفتها الهائلة. 

وأضيف إلى ذلك تشجيع دخول المستثمرين الأجانب إلى السوق المصري، مع السماح لهم بنزح العملة الصعبة إلى الخارج دون ضوابط. 

وتبنت القيادة السياسية منهجًا يفصل بحزم بين الإصلاح الاقتصادي المطلوب بإلحاح والإصلاح السياسي المؤجل إلى أجل غير مسمى، رغم تعالي الأصوات التي تنادي بأهمية السير بالجناحين معًا.

ثم تتالت الأزمات

1- تعثر كثير من رجال الأعمال الجدد في سداد قروض البنوك بالملايين، وبدأوا في طلب فترات سماح ثم الهروب إلى الخارج.

2- انكشفت حقيقة المشروعات القومية التي ابتلعت معظم العوائد مما أدى إلى إثارة الجدل حولها من جديد ومدى جدية الاستثمار فيها وتعطل العمل بها، وهروب بعض المستثمرين.

3- تصارع المستثمرون مع بعضهم البعض وظهرت فضائح مالية أدت إلى محاكمة البعض منهم في قضية «نواب القروض»، وسجن عدد من النواب السابقين ورجال المال والأعمال.

وعادت الأزمات الكبرى تطل برأسها من جديد:

أزمة السيولة: حيث تشددت البنوك في منح التسهيلات والقروض ووسائل الائتمان من جديد فتعثرت مشروعات كثيرة وتوقفت الحكومة نفسها عن سداد مستحقات شركات القطاع الخاص، مما أدى إلى توقف الأعمال وعدم دفع مرتبات العاملين ومواجهة شبح الإفلاس، ومن المضحك المبكي أن جهات حكومية اقترحت تحويل مستحقات بعض الشركات على الحكومة لمصلحة الضرائب المستحقة على تلك الشركات والحكومة تريد أن تأخذ الضرائب ولو على حساب إفلاس الشركات!

أزمة البطالة: بعد انقشاع الرواج المؤقت، وتعثر الشركات، لم يعد هناك مكان لعامل جديد، وتم طرد عدد كبير من عمال شركات القطاع العام بعد الخصخصة، وتم تعويضهم ببضعة آلاف من الجنيهات أضاعها معظمهم في شراء مستلزمات استهلاكية، ولجأ القليل منهم إلى إنشاء مشروعات صغيرة سرعان ما أصابها الشلل.

وقلصت الشركات الاستثمارية أعداد العاملين بها مما أضاف إلى سوق البطالة أعدادًا أخرى.

أزمة الدولار: بعد أن عرف السوق المصري استقرارًا في سعر الجنيه المصري أمام الدولار عادت الدولرة تطل برأسها من جديد فارتفع سعر الدولار ارتفاعًا خرافيًا وصل لأكثر من ٢٠٪ من سعره المعلن ولم تستطع الحكومة السيطرة على السعر إلا بعد تدخل أعاد إلى الأذهان صورًا من عهد ما قبل الإصلاح المالي والنقدي، وعندما استقر السعر بعد إجراءات جراحية شملت إغلاق ۲۲ شركة صرافة، وتهديدات بعقوبات لا تناسب طبيعة العمل الاقتصادي والاستثماري كان السعر الجديد يزيد على القديم بنسبة 10%، ويتنبأ البعض بعودة الأزمة من جديد بعد استقرار شكلي، خاصة بعد رفع رأس مال شركات الصرافة إلى ١٠ ملايين جنيه (وكان مليونًا واحدًا فقط) وهو ما يعني عودة السوق السوداء للدولار من جديد.

تصريحات الرئيس

وأضافت تصريحات الرئيس بعدًا جديدًا خطيرًا للأزمات الخانقة وهو أزمة الثقة: فقد فاجأ الرئيس مبارك المراقبين بقوله: إن سبب الأزمات هو معلومات خاطئة ومضللة قدمتها الحكومة السابقة منذ عام ١٩٩٦م أي منذ تولي الدكتور كمال الجنزوري رئاسة مجلس الوزراء.

وتساءل الجميع: كيف يكون لرئيس وزراء مصر أن يقدم معلومات مضللة؟ وأين الجهات الرقابية؟ وأين الثقة التي وضعها الرئيس في شخص رئيس الوزراء؟

بل أكثر من ذلك: لقد شغل الجنزوري منصبي وزير التخطيط ثم نائب رئيس الوزراء لمدة ١٣ عامًا سبقت توليه رئاسة الوزراء فهل كان يقدم آنذاك معلومات خاطئة أيضًا؟! وتوالت التكهنات حول سر إقالة الجنزوري الذي يلتزم الصمت التام، وطبعًا لا يجرؤ أحد على نشر أي حديث معه داخل مصر في ظل اتهام القيادة السياسية له بالتضليل.

فهناك من قال: إن السر هو إصرار الجنزوري على ممارسة دوره كرئيس وزراء حقيقي يتمتع بصلاحيات كبيرة، في حين أن الجميع يعمل تحت ظل المقولة الشائعة «حسب توجيهات السيد الرئيس».

ومن قال: إن الجنزوري أراد أن يتشبه بروتوكوليًا بالسيد الرئيس عند عودته من الخارج فيستقبله الوزراء في المطار، فدس له البعض عند الرئيس.

ومن قال: إن الجنزوري طرح تصورًا سياسيًا جديدًا يعيد الحيوية إلى الحياة السياسية، بحيث يكون هناك حزبان كبيران يتداولان السلطة وكلاهما يقتسم السلطة: يرأس الأول الرئيس- كما هو الوضع حاليًا- ويرأس الثاني ابن الرئيس: جمال مبارك، وهنا أطلت الرؤوس الكبيرة لتعصف لا بالفكرة نفسها، بل بمن قدمها للرئيس نفسه، وهكذا توالت التكهنات وتزايدت الشائعات، وما زالت، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، بسبب أزمة الثقة.. فما انعكاسات ذلك كله على المجتمع والسياسة والدعوة؟

 لقد تفاقمت الأزمات الاقتصادية في مصر ولم تعد تستجيب للعلاج الاقتصادي المعتاد الذي يعتمد على حركة السوق وحرية العرض والطلب فقررت الحكومة أن تتدخل بقرارات إدارية لضبط سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار، وحددت من خلال البنك المركزي سقفًا أعلى لسعر الدولار لا يجوز أن يتخطاه حتى ولو كان العرض أقل من الطلب، وأغلقت عددًا من شركات الصرافة المرخص لها بمزاولة العمل رغم تأكيد الجميع على ضآلة حجم التبادلات المالية من خلالها، ووضعت قيودًا جديدة على إنشاء شركات صرافة جديدة. بل ألزمت الشركات الحالية بزيادة رأس مالها وهكذا كان الحل الإداري هو الأسهل على الحكومة رغم ما يسببه من تداعيات خطيرة على سوق المال ومناخ الاستثمار.

آثار الأزمة على المجتمع

كان لهذه التقلبات الخطيرة في الجانب الاقتصادي آثارًا ملموسة على المجتمع يصب غالبيتها في الجانب السلبي.

فقد زادت خلال السنوات الأخيرة النزعة الاستهلاكية بصورة ضخمة جدًا، وبالتالي زاد حجم الإنفاق الترفي على السلع والخدمات غير الضرورية، مما أدى إلى بروز طبقة مترفة تستورد معظم احتياجاتها من الخارج، وفي الوقت نفسه تزايد حجم الفقر في المجتمع بسبب تفاقم أزمة البطالة، وعجز الشباب عن الحصول على فرص عمل جديدة وانضمام أعداد غفيرة من قوة العمل الأصلية إلى صفوف البطالين بسبب الإفلاسات المتكررة والمتزايدة، وتعثر الشركات الخاصة، وعدم تعيين الخريجين الجدد أو توفير فرص عمل لهم، وضغط حجم الإنفاق الحكومي. 

وانتشر بين هؤلاء الشباب شعور باليأس والإحباط دمر نفسياتهم، مما ساعد على رواج المخدرات فيما بينهم، كمستهلكين ثم كموزعين لتحقيق أرباح سريعة تساعد على الإنفاق وأصبح تدخين مخدر البانجو علنًا أمرًا شائعًا في مختلف الطبقات خاصة الأحياء الشعبية، وفي الطرقات وبين شباب الجامعات.

كما ساعد اليأس والفراغ والبطالة، وعدم القدرة على إقامة حياة جديدة مستقرة على رواج ظاهرة الزواج العرفي السري بين طلبة الجامعات، بل امتد أحيانًا إلى طالبات الثانوي وتناولته الأفلام والمسلسلات كظاهرة اجتماعية، وعقدت الندوات لتحليل تلك الظاهرة المستشرية ووصل الأمر إلى تضمين تعديلات قانون الأحوال الشخصية الأخيرة- المعروفة باسم قانون الخلع- مادة تتيح إثبات هذا العقد السري من أجل الحصول على الطلاق، مما يعني اعترافًا قانونيًا به في أحد تداعياته، وسيكون لهذه الظاهرة الخطيرة أبعاد نفسية واجتماعية مدمرة على الأجيال المقبلة، هذا كله في الوقت الذي تحاصر فيه كل الأنشطة الطلابية، ويمنع الشباب من ممارسة حقوقهم السياسية أو الاهتمام بأمر وطنهم، ويقبض على العشرات منهم في رحلة، أو معسكر، أو مظاهرة ضد الصهيونية، مما دعا بعض أولياء الأمور إلى الصباح في وجه ضابط أمن أنه من الأفضل له أن يقبض على ولده في قضية سياسية من أن يتركه نهبًا للمخدرات والفساد.

وقد تأثرت العلاقات الاجتماعية بهذه الأزمات، مما أدى إلى تفسخ كثير من العلاقات الأسرية سواء في محيط العائلة الكبيرة أو حتى الأسرة النواة، مما يهدد التماسك الاجتماعي المصري الشهير على مدار التاريخ. فقلت الروابط العائلية، واختفت الزيارات بين ذوي الأرحام خاصة في المدن، وأصبحت الواجبات الاجتماعية ثقيلة على نفوس الناس، ومكلفة ماديًا لهم، وحل الهاتف مكان الزيارة، ولم يعد للجيران حقوق يعتد بها كثيرًا. وهكذا تداعت آثار الأزمة حتى وصلت إلى النخاع، وأصبحت حديث الناس في دواوين العمل وعلى المقاهي وأثناء تشييع الجنائز، حتى بات الناس يحسدون من يموت في ظل هذه الظروف لأنه يستريح من عناء الدنيا، وتعب التفكير مع ضآلة الحلول.

وتأثرت الدعوة والدعاة

وحيث إن حقل الدعوة وهو المجتمع، أصبح ملغمًا، وتضاعفت أمراضه، وبدلًا من أن يصل الشاب إلى صف الدعاة وقد استكمل نصف الإعداد التربوي من خلال الأسرة والمدرسة والمجتمع إذا به يصل وقد تفاقمت أمراضه الاجتماعية والتربوية، مما أفقد الأجيال الجديدة روح التحدي، أو الإيجابية، أو الذاتية، وأورثهم روح اللامبالاة والشعور بعدم جدوى النشاط أو الحركة والتواكل والاعتماد على الغير.

وأصبح العبء مضاعفًا، فصف الدعاة نفسه يحتاج إلى برامج إنقاذ، حيث إن الشباب هـم وقود الدعوة ومادة التغيير.

والمجتمع نفسه أصابه خلل كبير يحتاج إلى جهد جهيد وزمن طويل، ولا شك أن جهود الدعاة تساهم في تأخير الانهيار، وتحاول بأقصى ما تستطيع بذله من تضحيات زرع الأمل في النفوس، وإعادة الحيوية إلى الشباب ومواجهة الأخطار والتحديات.

ومع ازدياد إقبال الشباب على الدعوة، إلا أن ما يصاحبهم من مشكلات يستغرق أوقاتًا وجهودًا لعلاجها، ويشكل عائقًا يمنع الاستفادة القصوى منهم.

وقد تأثرت أحوال الدعاة الاقتصادية أيضًا مع تزايد نفقات الحياة بسبب موجة الغلاء التي هي أحد مظاهر الأزمة الاقتصادية، مما يؤثر بلا شك على قدرة الدعوة في الانطلاق، حيث إنها تعتمد على دعم الدعاة وأموالهم.

وجاء ذلك كله مع تضييق شامل على كل أوجه النشاط العام الذي يصب في مهمة إصلاح المجتمع، فلا عمل مسجدي كبير ولا نشاط عام مؤثر، ولا ندوات يسمح بها، والرحلات مراقبة، والمعسكرات ممنوعة، والنشاط الطلابي محاصر، والنقابات المهنية مجمدة، ومجلسا الشعب والشورى بلا فاعلية تذكر، والحكم ليس عنده إلا الحلول الأمنية القاسية.

هذا كله يجعل الجميع يتساءلون: إلى متى تظل الأوضاع على هذا المنوال؟

فسنة الله تقضي بالتغيير وقد قال لنا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥۤ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (يونس: 81)، ونحن نعمل بوصية الله تعالى لنا: ﴿إِنَّهُۥ لَا يَيْأسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ (يوسف: 87)، فلا يأس ولا إحباط، بل عمل وأمل، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر: 43).

وهذا يقتضي من الدعاة مضاعفة الجهد ومزيد من الصبر والابتكار والتجديد في وسائل الدعوة والانتشار في المجتمع لمنع انهياره، والعمل على زيادة التماسك الاجتماعي ورفع المستوى التربوي ومعالجة أوجه الخلل والقصور مع انتظار الفرج من الله تعالى.

تضارب السياسات والقرارات والأرقام أربكت الاقتصاد

ذكرت دراسة لجمعية رجال الأعمال المصريين أن السياسة النقدية والمالية للحكومة أدت إلى ارتفاع غير واقعي لقيمة الجنيه المصري في ظل التثبيت المتعمد لسعر الدولار وقالت الدراسة إن لجوء الحكومة إلى إصدار أذون خزانة لامتصاص الزيادة من التدفقات النقدية في ظل ارتفاع أسعار الفائدة أدى إلى ارتفاع حجم الدين المحلي ليصل إلى ما يقرب من 100% من إجمالي الناتج المحلي. 

وأضافت الدراسة أنه عندما وصل الاحتياطي النقدي إلى ما يزيد على ١٨ مليار دولار، فإن دراسات عميقة علمية كشفت عن فساد الدولة لـ1% سنوياً منه بسبب الإدارة غير السليمة لهذا الاحتياطي.

 وأن رفع أسعار الفائدة إلى ما ما يقرب من ٢٢% من بدايات عام ۱۹۹۷م، أدى إلى بوادر أزمة ركود، وأغلقت ما لا يقل عن ١٦ ألف شركة سنويًا بعد هذا التاريخ أبوابها. 

وفي عام ١٩٩٧م أيضًا هللت الأوساط الحكومية لأن هناك فائضًا في ميزان المدفوعات وصل إلى 1.2 مليار دولار، لتتضح الخدعة الكبرى بعد ذلك، فقد أشارت الدراسة إلى أن الخفض المتعمد لسعر الدولار كان وراء هذا الفائض الوهمي، كما انخفضت حصيلة الصادرات السلعية من نحو ٤٩٥٧ مليون دولار عام 94/95 إلى نحو ٤٤٤٥ مليون دولار عام ۹۷/۹۸، في حين زادت المدفوعات عن الواردات من نحو 1280.50 مليون دولار إلى نحو ٦٩٦٩ مليون دولار خلال الفترة نفسها. 

وفضلًا عما سبق، فقد أسهمت سياسة مصر التجارية والجمركية في انخفاض الصادرات ونمو الواردات إلى حد السماح باستيراد آيس كريم وغذاء كلاب وقطط، سواء كانت فاسدة أم غير مطابقة للمواصفات، أم مجهولة المصدر، مع تفشي ظاهرتي التهريب والتهرب الجمركي، وتعمد بعض المستوردين استغلال بعض النظم القائمة مثل السماح المؤقت، والمناطق الحرة في غمر الأسواق بالمنتجات الأجنبية، حتى ولو كانت نفايات أوروبا- على حد وصف تقرير اقتصادي خطير ناقشه البرلمان أخيرًا- بل بلغ الأمر حد أن المشروعات والهيئات الحكومية استوردت سلعًا أجنبية لها بدائل وطنية، وإذا كانت الدولة خصصت للبعد الاجتماعي نحو 44.5 مليار جنيه في مشروع موازنة ۲٠٠٠/۲۰۰۱م بالمقارنة بنحو ٢٩,٨ مليار جنيه عام ٩٦/٩٧، فإن استخدام الجهات المسؤولة لهذه الموارد لم يكن دائمًا بالشكل السليم، حيث تؤكد البيانات والمعلومات على أن نسبة كبيرة من هذه الموارد تذهب لمن لا يستحقها، نتيجة لوجود الكثير من مظاهر الفساد والانحراف خاصة في الإدارات المحلية، وهو ما أدى بدوره إلى تدني الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم ووصول نسبة الأمية إلى 34% ونتيجة لتضارب وضعف السياسة التعليمية، أصبحت الدروس الخصوصي تستنفد من دخل الأسر المصرية نحو ١٢ مليار جنيه سنويًا، الأمر الذي أدى إلى تراجع مصر في دليل التنمية البشرية من المرتبة ١٠٩ عام 95 إلى ١٢٠ عام ١٩٩٩م.

وقالت الدراسة إن تفاقم الأوضاع والسياسات الخاطئة انعكس على أداء الاقتصاد المصري الذي سجل أسوأ حالاته في العام الماضي، حيث إن تدخل البنك المركزي للحفاظ على سعر صرف الجنيه أمام الدولار، أدى إلى إنقاص رصيد الحكومة من العملات الأجنبية من نحو 22.5 مليار دولار عام ١٩٩٦م إلى نحو ١٤ مليار دولار، واتجاه سوق الأوراق المالية إلى الانخفاض بشكل خطير حيث انخفضت القيمة السوقية للأوراق المالية من نحو 138.9 مليار جنيه في يناير ٢٠٠٠م إلى ۱۲۰,۸ مليار جنيه في نوفمبر الماضي، وزياد العجز في الموازنة العامة للدولة إلى ما يقرب من 4% بعد أن كان قد وصل إلى 1% من الناتج القومي، وصاحب ذلك تفشي مظاهر الفساد في الجهاز المصرفي، الأمر الذي أدى إلى زيادة نسبة الديون المعدومة أو المشكوك فيها، وتوالي هروب المقترضين إلى خارج البلاد، حيث تقدر جهات أجنبية حجم القروض المشكوك فيها ما يقرب من ١٠ مليارات جنيه، والأخطر من هذا وذاك تضارب السياسات والقرارات والبيانات الحكومية، التي وصلت إلى ذروتها خلال الأشهر الماضية، فتحت ضغوط وبيانات متناقضة، فرضت الحكومة رسمًا تعويضيًا على السكر المستورد بنحو ٢٥٪، مما أدى إلى رفع الأسعار محليًا من ۱۳۰ قرشًا للكيلو إلى ٢٥٠ قرشًا، وما هي إلا فترة وجيزة حتى اضطرت الحكومة إلى إلغاء قرارها، وإعادة الضريبة الجمركية لما كانت عليه، الأمر نفسه تكرر بالنسبة للألبان الجافة المستوردة التي فرض عليها رسم إغراق ٤٥٪، إلا أنه بعد تطبيق القرار تستعد الحكومة لإلغائه بعد الضغوط الرهيبة من المنتجين والمستوردين، الأمر نفسه تكرر حينما بدأت مشكلة سعر الدولار في التفاقم، فقد صدر قرار لم يمض عليه يومان إلا وتم إلغاؤه، وهو تقييد السحب النقدي في حدود ۲۰ ألف دولار لأصحاب الإيداعات، مما زاد الأسعار التهابًا، ليكسر الدولار لأول مرة منذ أكثر من ١٥ عامًا حاجز الأربعة جنيهات ورغم اعتراف المسؤولين بأن شركات الصرافة لا تدير إلا نحو ٣٪ فقط من حجم تجارة الدولار في السوق، إلا أن الاتهامات على أشدها من البنك المركزي، بأنها وراء المضاربة، وأعقب ذلك تضارب التصريحات بين رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد ومحافظ البنك المركزي، وكذلك بين وزير قطاع الأعمال العام، ووزير الاتصالات بشأن خصخصة الشركة المصرية للاتصالات، وأيضًا بين وزيري المالية والتخطيط في شأن حجم الدين المحلي الخارجي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل