العنوان مصر... الجامعة في أسوار الداخلية
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1988
مشاهدات 79
نشر في العدد 887
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 18-أكتوبر-1988
أصدرت وزارة الداخلية المصرية يوم السبت 8 أكتوبر الجاري قرارًا يقضِي بحظر الأنشطة الطلابية، في الجامعات المصرية والبالغ عددها 13 جامعة، تضم قرابة 580 ألف طالب بينهم 80 ألف يلتحقون بالجامعة هذا العام، وقد اتخذت الإجراءات المتعلقة بتنفيذ قرار الحظر بالتنسيق مع وزارة التعليم، وتتطلع وزارة الداخلية إلى وضع الجامعات تحت رقابة مشددة هذا العام حتى تتجنب أي تظاهرات أو احتجاجات من قِبَل الطلاب مما قد يتسبب في خلق اضطرابات اجتماعية، وبناء عليه خُوِّل الحرس الجامعي سلطات واسعة نسبيًّا، تُمكنه من التدخل في الكليات واعتقال الطلاب دون الرجوع بالإذن من العمداء أو مدير الجامعة.. وفي إطار سلطات القرار يحظر تسيير التظاهرات داخل وخارج أسوار الجامعة- كما يحظر إصدار الصحف الحائطية أو أي ملصقات دون الخضوع لتصريح رَسْمِي من إدارة الجامعة ويتبع ذلك منع المناقشات الجماعية والتجمعات ومعارض الكتب، كما توجب إجراءات الحظر وقف كل الأنشطة قبيل المساء.. وتشكِّل الإجراءات المقررة قيودًا رادعة للحركة الطلابية، كما أنها تَحد من التواصل بين الجامعة والقضايا المجتمعية، وهي تعد موجهة في المقام الأول ضد التيار الإسلامي والذي يتمتع دون سواه من التيارات الفكرية بتأييد واسع في الأوساط الطلابية، والجدير بالذكر أن وزارة الداخلية كانت قد اصطدمت بالتظاهرات الطلابية في يناير الماضي عندما تظاهر الطلاب تضامنًا مع الانتفاضة الفلسطينية وردد الطلاب آنذاك شعارات تندد بالأوضاع المعيشية والسياسية الاقتصادية للحكومة.
طلاب وطلب:
من الطبيعي أن تعمل الجامعة كل ما من شأنه في إيجاد الاستقرار وتوفير أسباب التحصيل العلمي بيد أن الاستقرار والتحصيل العلمي لا يطغى على الشخصية الطلابية والتي هي مناط الجهد للأجهزة المعنية بالعملية التعليمية، فالتحصيل العلمي في الجامعة على وجه الخصوص يتكامل مع التجارب الفكرية والحياتية لحركة الجامعة كمؤسسة تقوم على ضبط عناصر التفاعل في العملية التعليمية وتصلها بقضايا المجتمع وصولًا لتخريج جيل مدرك نسبيًّا لقضايا وأوضاع مجتمعه من خلال عدة مداخل صحية وصحيحة وليس فقط من خلال حشد المعلومات التي يتلقَّاها في المدرج الجامعي، ولهذا تنص قوانين الجامعات عمومًا على القدسية العلمية للحرم الجامعي وتمتعه الكامل بالحرية الداعمة لإنضاجه... ويتساوى في درجة الاهتمام بعلمية الأبحاث الاهتمام بتوفير أجواء الحرية وباختلال أي من ذانك العنصرين يُعد البحث العلمي مفتقدًا لأهم أسباب تقديره والثقة فيما وصل إليه من نتائج وما ينسحب على البحث العلمي ينطبق على الطالب وبقدر إيجاد أجواء الحرية يكن الطالب مقدرًا ومقتدرًا.. ولا أحسب أن الجامعة تعنِي فقط بتطوير المقدرة التسجيلية لذهن الطالب دون امتحان قدراته التجريبية والثقافية والفكرية مما قد تتحول معه الجامعة إلى مجرد مدرسة لكبار الطلاب، فالحياة الجامعية تُعد عملية متكاملة تتصل بالكتاب والحوار وتنضج من خلال العملي الطلابي المشترك وتؤتي ثمارها في صلتها بمجتمعها وتبنيها لقضاياه الحيوية وإلا فلا طلب ولا طلاب.
الغياب المطلوب:
تتصل مواقف الحركة الطلابية في مصر بقضايا الأمة منذ أن عرفت مصر نظام التعليم الحديث، بل إن ملف الشرف النضالي تضم قوائمه على مختلف المراحل مجاهدين من أجل إحقاق الحق الجماهيري وصيانة مقدرات الأمة فكما تصدَّى قديمًا سليمان الحلبي إلى القائد الفرنسي «كليبر» فقتله تصدت أرتال الحركة الطلابية لسطوة الإنجليز في مطلع القرن الحالي وبرزت قيادات طلابية متعددة من حسن دوح وغيره وفي مصر دائمًا كانت أصوات الحرية ترتفع من داخل الجامعات، ومع أصوات الحرية انطلقت حركات الإصلاح وتجذرت أفكار الطلاب وانجلت مع حدة التدافع الأفكار الزائفة وتميزت الأصيلة، فكان التيار الإسلامي صوت الأمة الفتِيّ المتجدد، وفي ذلك اختصار لمراحل الشتات العقائدي والتي خيمت في فترات الكبت، وعظم شأنها بتبنِّي مصر الناصرية لها إلا أن ذلك اللمعان سرعان ما انخسفت أضواؤه عندما خبرته التجارب، فتمخض عن سراب وقد كان صوت الحركة الطلابية في ذلك واضحًا فبعد هزيمة 67 مباشرة خرجت التظاهرات الطلابية تقول بالحرف الواحد: «بأن الهزيمة ما كانت لتكون بهذا القدر لو أن حرية الكلام كانت مكفولة» وبعد 1967 نشط العمل الجامعي وتحرك الطلاب يحملون قضايا أمَّتِهم وما زال نشاط الحركة الطلابية يعد المؤشر الجماهيري الأصدق في التعبير عن المجتمع المصري كما أنه يشارك رفقاءه في الدول العربية والإسلامية في توجيه قضايا الأمة... فلذا فإن غياب الصوت الطلابي غياب معيار أصيل في توجهات الأمة ونذير مقلق بشأن المستقبل.
التيار والحركة:
برز الاتجاه الإسلامي في الجامعات المصرية في مطلع السبعينات وتنامَى بصورة كبيرة في العقد الحالي ويتسق هذا مع تنامِي الحركة الإسلامية في مصر وعندما يوجه الضغط صوب الاتجاه الإسلامي في الجامعات فإن الحركة الإسلامية بالضرورة تجد نفسها في ذات الموقف ولذلك فإن الحد من نشاط الحركة الطلابية يعني مباشرة حد نشاط الحركة الإسلامية وهو سعي مارسته التجربة السياسية المصرية خلال العقود المتأخرة عدة مرات ووصلت فيه إلى نتيجة مؤدَّاها أن كبت صوت الدعوة الإسلامية يعد باهظًا في ثمنه وفاشلًا في مؤادَّه، فقد أثبتت التجارب المتتابعة بأن الحركة الإسلامية لا يزيدها الكبت إلا قوة وصلابة وأنها تتزايد في كل الظروف وإن كان تزايدها في عهود الكبت والإرهاق أصلب منه في أوقات الانفتاح... وكذلك أثبتت التجارب بأن الأوضاع الشاذة الموجهة ضد الحركة الإسلامية ومحاربة التيار الإسلامي يتولد عنه نمو غير طبيعي لجماعات متطرفة كما شاع في أوقات سابقة حيث شهدت الساحة المصرية جماعات التكفير والهجرة، والناجون من النار، وجماعات طه السماوي والفرماوي، وجماعة د.. بريقع وغيرها مما أحدث بلبلة واسعة في الحياة والمجتمع المصري.. ومن هنا فإن فرض الكبت ومحاربة الحوار والمناقشة الجماعية التي دعا قرار وزارة الداخلية لها سوف يتولد عنه جماعات متطرفة في داخل الجامعات المصرية مما يزيد في حالات الزعزعة الفكرية والثقافية في الجامعات والمجتمع.
النشاط ضرورة:
إن منع النشاط الطلابِي داخل الجامعات يعنِي وفرة في وقت فراغ الطلاب وبما أن الطبيعة الكونِيَّة لا تقبل الفراغ فإن هناك أنشطة هدَّامة سوف تتسلل إلى أروقة الجامعات وأخوف ما يمكن أن يقال في هذا المقام أن تدفع حالات الفراغ إلى إفساد الحياة الطلابية وملء فراغ الشباب وحدته فيما يتنافى وما تسعى إليه الأمم دومًا، فقد كان النشاط الثقافي والاجتماعي للطلاب شاغلًا حاجيًّا عن الانزلاق في أخطار المخدرات وتعاطِي المحرمات لاسيما وأن هذا النشاط كان مؤخرًا بصفة دائمة يقيم أخلاقيات المجتمع كما أن الحركة والتيار الإسلامي كان لها فضلًا واسعًا في تنشيط الالتصاق بالأصالة الأخلاقية وتقويم حالات التفلُّت السلوكي وفوق ذلك، فإن النشاط الطلابي يعنِي تناول القضايا الحياتية في جو علمي تبقى فيه الحقيقة مطلبًا رئيسيًّا في إخضاع النتائج وبذلك يتوفر تدريب جيد للطلاب في مواجهة الواقع بكثير من الخبرة بدلًا من تحييد الأفكار المثالية... ويترتب على ذلك حصانة فكرية تحمِي رجال المستقبل من الانهزامية الفكرية والانصياع للفلسفات الغربية الوافدة لاسيما وأن صدمة الواقع تصبح أكبر بكثير من التصورات المبثوثة في ثنايا الكتب.
تعليم الداخلية:
إن السلطات التي خوَّلتها وزارتا الداخلية والتعليم لرجال الحرس الجامعي تعني بالمعنى المباشر إرهاب الطالب فرجل الحرس الجامعي أصبح مطلق التصرف في التدخل في شؤون حركة الطلاب، وهذا الوضع يعني أن معيار الانضباط بتنفيذ إجراءات حظر النشاط متعلق فقط بتفسير الحرس الجامعي وهُنا تكمن خطورة الأمر فالحرس الجامعي في الأصل حارس لصيانة أمن الحياة الجامعية إلا أنه بهذا القرار الغريب أصبح مصدر قلق للحياة الجامعية ولطلاب الجامعة كما وضع بمثل هذا التصور يعني قلب الأوضاع على غير هيئتها فالمفترض في أن الطالب هو مثقف ذو مكانة قيادية في مستقبله القريب بمعنى أنه في درجة تُمكِّنُه من حسن تقدير الأمور أكثر من الحارس الجامعي غير أن القانون قلب هذا الوضع وجعل شخصية الطالب تحت وصاية الحرس الجامعي كأنه غير رشيد في تصرفه ويحتاج إلى أن يحجر عليه..
ومن جانب أخر فإن منع التظاهرات الطلابية لا يكون بإصدار القرارات فالقرار بالمنع لم يعف الأمن المركزي من مجابهة التظاهرات غير أن إزالة أسباب التظاهر يعد هو جوهر المسألة وعندما تستطيع وزارة الداخلية بخاصة والحكومة بعامة تجاوز جدوى التظاهر، فإن الحركة الطلابية لن تخرج لتبدد الوقت والقُوى إلا أن سوء الأوضاع السياسية يحتم وجود من يشير إليها محذرًا من مؤامرة الصمت بشأنها... وهذا مما درجت عليه الحركة الطلابية في مصر طالما أن صوتها يجد صداه عند أمته، فلن تتخلى عن قضايا أمَّتِها ومجتمعها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل