العنوان مصر .. النقاب الذي فجر المعركة
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1986
مشاهدات 60
نشر في العدد 766
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 06-مايو-1986
لباس الطالبة
المتنقبة كان مثار جدل كبير في القاهرة وجامعاتها.. بعض الطالبات في مختلف الكليات
المصرية لم يقنعن إلا أن يكون النقاب جزءً أساسيًّا لا يكتمل الحجاب إلا به..
وأخريات اكتفين بحجب سائر الجسم عدا الوجه والكفين.. ولسنا هنا بصدد الحديث عن
مشروعية الحجاب وشكله، وإنما نريد الإجابة عن هذا السؤال: ما هي معركة النقاب التي
حصلت في إحدى كليات جامعة القاهرة؟.. وما هي دوافع هذه القضية وملابساتها؟
قرار منع النقاب
لقد انفجرت هذه
المعركة التي كانت تطل برأسها على أساس جدلي سابقًا، انفجرت كقضية حملت معها
مدلولات وانبثقت بعدها تفاعلات وذلك عندما تفرد عميد كلية الطب في جامعة القاهرة
عن باقي عمداء الجامعات المصرية بالإعلان عن «رفضه لحضور أي طالبة للكلية وهي
ترتدي النقاب»، كما هدد عميد الطب -وهو الدكتور هاشم فؤاد- كل طالبة في كليته
ترتدي النقاب بمنعها من حضور الامتحانات الجامعية بالكلية.
يقول مراسل
«المجتمع» في القاهرة:
عندما أصدر عميد
كلية طب القاهرة قراره بمنع أي طالبة متنقبة من دخول الكلية استدعى رجال الأمن
وأمرهم بتعقب الطالبات المتنقبات وبالتحقيق مع كل امرأة تدخل قصر العيني، ولما كان
قرار العميد يقضي بمنع «المتنقبات» من دخول الامتحانات، فقد حرمت كثير من الطالبات
من مواصلة الدراسة، ويضيف المراسل قائلًا: لقد تمادى العميد في ضلاله وعدائه
للإسلاميين بعامة، فامتدت يده الآثمة ذات يوم لنزع النقاب عن وجه إحدى الطالبات
ليس من أجل إيذاء هذه الطالبة فقط، وإنما لاستثارة كل الشباب الإسلامي في مصر
كلها. ويستطرد مراسلنا فيشرح الموقف العام لعميد كلية الطب من الطالبات المحجبات
بعامة.. يقول:
في لقاء لي مع
بعض طلاب الكلية.. علمت من بعض الذين حضروا على هذا الأستاذ أن الطالبات العفيفات
لم يسلمن من لسانه، فكثيرًا ما يفحش القول، ويهاجم الطالبات المحجبات والأخوات
المتدينات بعامة، كما يخص المتنقبات بشكل خاص بأبشع الصفات الخلقية والخلقية.. بل
إنه يصفهن بأخس الصفات، وأحيانًا ينعتهن بالشذوذ وبالقبح، مثيرًا مشاعر الطلاب
كافة لأنه -كما يقول طلاب الكلية- معاد للإسلام، وقد شهدت مجموعة من الطالبات
اللواتي تحجبن مع كشف الوجه والكفين بأن العميد تطاول مرارًا على الحجاب الإسلامي
وعلى المحجبات، وإنه يفعل ذلك لعدائه لهذا الدين.
الانفجار:
لم يقف طلاب
الجامعات مكتوفي الأيدي بعد أن امتدت يد عميد الطب إلى وجه إحدى الطالبات
المتنقبات، فقد تظاهر الطلاب وأعلنوا رفضهم لتصرف العميد ووصفوه بالبهتان والإثم
المبين رافعين في وجهه قول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ
احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (سورة الأحزاب: 58).
وقد احتشد في
المظاهرات المتتابعة آلاف من الطلبة مما أدى -كما أجمعت وكالات الأنباء- إلى أزمة
عنيفة طيلة أسبوع كامل، كما أصدر الطلاب المنشورات المنددة بفعلة الدكتور معتبرين
ذلك ضد الدين الإسلامي. كما دعا الشباب المسلم جميع الطلاب في الكلية إلى مقاطعة
الامتحانات تضامنًا مع الطالبة المعتدى عليها، وفضحًا للوسيلة التي توسل بها عميد
طب القاهرة لاستثارة الشباب المسلم.
تعليل العميد:
لم يقف العميد
ومن معه مكتوفي الأيدي فقد علل فعلته بأنه لا يعترض على ارتداء الحجاب ولكنه يرفض
«النقاب» يمنعه، وأبدى تعجبه من طالبة الطب التي ترتدي النقاب وهي مقبلة مستقبلًا
على علاج المرضى. وفي الوقت نفسه، سير العميد ثلة من طلاب الكلية الذين يؤيدونه في
مظاهرة مضادة لباقي طلاب الكلية الذين يؤيدونه في مظاهرة مضادة لباقي طلاب الكلية،
حيث كان أحد الطلاب يحمله على أكتافه في المظاهرة ضمن رد فعل كاريكاتيري للعميد
على ثورة الطلاب العارمة. وقد اتهم العميد شباب الجامعة المسلم بأنهم طلاب يمارسون
الإرهاب باسم الدين!!
مجلس جامعة القاهرة:
إزاء الأزمة
التي امتدت أسبوعًا كاملًا اجتمع مجلس جامعة القاهرة لبحث الموضوع ويبدو أن أوامر
عليا فرضت وصايتها على القرار الرسمي في الجامعة، وبعد بحث الموقف في عدة اجتماعات
صدر قرار الإدارة بتأييد موقف عميد كلية الطب وتقرر بذلك منع الطالبات اللواتي
يرتدين النقاب من دخول الامتحانات الجامعية. وكالعادة.. أمرت سلطات الأمن ووزارة
الداخلية عددًا كبيرًا من قوات الأمن بمحاصرة مبنى قصر العيني «مقر كلية الطب» وتم
اتخاذ إجراءات رسمية مشددة لمواجهة أي رد فعل من قبل طلاب الجامعة بعد صدور قرار
مجلس الجامعة. ونقلت وكالات الأنباء من القاهرة أن قوات الأمن المركزي المصري
تحاصر قصر العيني لمواجهة أي نشاط قد تقوم به الجماعات الإسلامية في الكلية.
هل هي معركة
نقاب؟
هذا السؤال لا
يمكن الإجابة عليه بفصله عن أمرين اثنين:
الأول: مواقف
عميد كلية الطب المشهودة من شباب الجماعات الإسلامية والطالبات المحجبات بصورة
عامة.
الثاني: موقف
الدولة من قضية الطالبة التي انتزع نقابها وحرمت من الامتحانات.
1 - سوابق العميد:
أ- موقفه من
الشريعة الإسلامية: في لقاء لمراسلنا مع بعض طلاب كلية طب «قصر العيني» علم أن
عميد الكلية الدكتور هاشم فؤاد دأب على السخرية من الشريعة الغراء، وأحكام الدين
الحنيف جهرًا في محاضراته، كما دأب على تحريض الطلاب على اللهو والعبث وإقامة
حفلات «الكريسماس» كما ينادي بأن يعيش الناس بعيدًا عما يسميه هو «بتعقيدات
الدين». يقول مراسلنا في القاهرة: حدثني أحد طلاب العميد بأنه ذكره ذات يوم بقوله
تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان: 18)، فما كان من
العميد إلا أن وقف خطيبًا ونوه بهذه التذكرة ثم قال مع ذلك : «أنا المختال
الفخور». العميد نفسه يعتبر داخل الجامعة كما يعرف كل طلاب كلية الطب داعية لتقليد
الغربيين في عاداتهم وتقاليدهم ونبذ كل ما يتعارض وتلك التقاليد الغربية من خرافات
عربية محلية!!
ب- موقفه من الشباب المسلم:
وفوق ذلك فإن العميد يجاهر بعدائه لأصحاب اللحى
من الطلاب، فهو يصفهم بالتخلف بل يهددهم بالطرد من الكلية ما لم يحلقوا لحاهم، وقد
رفض العميد قبول طلبات الخريجين الملتحين ليكونوا معيدين في الكلية على الرغم من
أن نسب درجاتهم فاقت درجات من قبلهم العميد كمعيدين. ويتمادى العميد في استخدام
السلطة ضد الطلاب الإسلاميين فيحرض عليهم ضباط الأمن وأفرادًا من قوات الأمن
المركزي. وقد أدت تصرفات العميد هذه إلى اعتقالات عديدة في صفوف الشباب المسلم.
ويتخذ العميد من بعض الطلاب أدوات لضرب الاتجاه الإسلامي والشباب المسلم في الكلية
وقد برمج لهم مهمات تبدأ بالتجسس على الإسلاميين وتنتهي بإقامة الحفلات العاهرة
لإغاظة الإسلاميين وقهرهم.
2- السلطات المصرية:
يتشكل لدينا موقف السلطات المصرية من قضية
النقاب في الجامعة من إجراءين:
الإجراء الأول:
إحاطة كلية الطب
وكليات أخرى بقوات الأمن المركزي لمحاصرة الشباب المسلم ومنعه من ردة الفعل
انتصارًا للطالبة التي انتهك نقابها.
الإجراء الثاني:
الضغط على مجلس
إدارة جامعة القاهرة لاتخاذ قرار بتأييد قرارات عميد كلية الطب وتصرفاته، وإصدار
قرار عام بمنع الطالبات المتنقبات من الامتحانات.
وعلى هذا الأساس
يمكن أن نصف بأن موقف السلطات الرسمية في مصر من قضية النقاب كان موقفاً متحيزًا
ضد جميع الطلاب الإسلاميين.
الأمر الذي يعني
أن القضية لم تكن من جانبها قضية نقاب.. بل هي في تصورها قضية سياسية يجب التصدي
لها ومواجهة الشباب الجامعي المسلم من خلالها.
المغزى: وأنه
بربط موقف السلطات من هذه القضية كموقف معاد ضد التوجه الإسلامي بشكل عام بمواقف
عميد الكلية من الإسلام نفسه.. ومن سائر الشباب المسلم في الجامعة نستنتج ما يلي:
1- أن المعركة التي سميت بمعركة النقاب في
جامعات مصر ليست محصورة في موضوع الطالبة المتنقبة، وإنما كانت القضية تحرشًا
بالإسلاميين عمومًا لاستفزازهم ومن ثم عسكرة الجامعة بحشد قوات الأمن المركزي
حولها وبث الإشاعات المرجفة فيها.
2- أن الموضوع نفسه جاء من رجل أكثر التطاول على
الإسلام كما بينا، وهذا يعني أن استفزاز الإسلاميين عمومًا من خلال مسألة نقاب
الطالبة لم يكن سوى تطاول على المبادئ التي ينادي بها الإسلاميون في مصر. ترى..
إلى أي حد سيصل التطاول على الإسلام ومبادئه وشبابه في مصر الحبيبة؟ وهل سيفرح
الظالمون؟ أم أنه على الباغي ستدور الدوائر؟ إن إسناد مقاليد الأمور ولا سيما
-التعليم الجامعي أو التعليم العام – لأناس لا يحترمون عقائد المجتمعات المسلمة
ولا يراعون مشاعر الأفراد في عالمنا العربي والإسلامي لأمر مدبر من قبل السلطات،
لكن الواقع يشهد أن شعوب الأمة لا تسكت على هذه الأوضاع، فهي تطالب في بعض الأقطار
من خلال القنوات الرسمية بالتصحيح، لكنها تثور في الأقطار التي تصبح فيها القنوات
الرسمية بلا فاعلية.. وهذا ما يؤجج اللهيب وراء الرماد وينذر بأمور جسام. فهل
يستبق حكامنا ذلك الخطر فيجتثوا أسبابه ويبدلوا رجالاتهم وقوانينهم بما يتناسب مع
قوانين السماء، وتوجهات شعوبنا المسلمة؟ نأمل ذلك.
من مواقف عميد كلية الطب في مصر
هدم مسجد الكلية:
في يناير 1980م
ادّعى الدكتور هاشم فؤاد أن الكلية بحاجة إلى مبنى مسجد الطلاب لتحويله إلى بنك
للدم، ورغم أن هذا المسجد بني بأموال الطلاب فقد أصر العميد على الاستيلاء عليه
وأرسل للاتحاد عدة خطابات تهديد بذلك، ولما قوبل بالرفض القاطع ما كان منه إلا أن
اتصل بوزير الداخلية «النبوي إسماعيل» وحضر المئات من جنود وضباط الأمن المركزي في
عشر سيارات ضخمة واقتحموا كلية الطب وحاصروا مبنى المسجد وقاموا بهدمه وتحويله إلى
أشلاء وأنقاض وتوقفت الدراسة والاختبارات عدة أيام واستمرت محاصرة المسجد المهدم
لمدة ثلاثة شهور كاملة، ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا وبيت الله أضحى أرضًا خربة
مهملة وقد وضع أعلى المبنى لافتة كتب عليها «بنك الدم» ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن
مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ
أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي
الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة:114).
محاربة الدعوة الإسلامية وتشجيع الأنشطة الهدامة
الفاسدة:
منع العميد كافة
الأنشطة الإسلامية ووقف بالمرصاد لكل سبل الدعوة المتاحة فمنع إقامة معارض الكتب
الإسلامية والمحاضرات الدينية والمعسكرات الإسلامية وشدد حربه وتهديده على الطلاب
الملتزمين، ولما صدر قرار السادات الجائر سنة 1981م بحل الاتحادات الطلابية كان
عميد كلية طب القاهرة أسرع العمداء استجابة له، فاستولى فورًا على مبنى الاتحاد
وغرفة الجماعة الإسلامية، وهدم المكتبة الإسلامية التي كانت تفخر بها الجماعة
الإسلامية بجامعة القاهرة، كما أوقف كافة مشاريع الخدمات الطلابية التي كان اتحاد
الطلاب يقوم بها مثل توزيع الكتب الجامعية مجانًا على الطلاب الفقراء وتوزيع الزي
الإسلامي للطالبات وغير ذلك. وعلى النقيض تمامًا كان العميد شديد الحرص على تشجيع
الجماعات الطلابية التي تثير المفاسد وتيسر الانحلال والاختلاط والحفلات الماجنة
فقام بنفسه برعاية حفل راقص قامت به فرقة المصريين بقيادة هاني شنودة، ولما اعترض
اتحاد الطلاب على ذلك قام العميد باستدعاء ضباط الأمن المركزي والقبض على الطلاب
المعترضين. وفي سبيل محاربة القيم والدعوة الإسلامية قام العميد بمساعدة مجموعة
ضالة منحرفة عقائديًّا بتأسيس أسرة النور ونشر معتقداتهم الفاسدة في نشرات وبيانات
أسبوعية وبصورة مكثفة على جميع طلاب وطالبات الكلية، وتتلخص دعوتهم في أن السنة
الشريفة ليست حجة ولا تعد مصدرًا للتشريع وأن الأحاديث الشريفة باطلة مرفوضة ما لم
يقبلها العقل وأن القرآن يفسر تفسيرًا عصريًّا ولا عبرة بتفاسير الأئمة. كما
تناولت نشرات هذه الأسرة أئمة الإسلام بالطعن والتجريح بدءًا من الأئمة الأربعة
وابن تيمية وابن القيم حتى الشيوخ والعلماء العصريين. سلوك خاص: يتميز عميد كلية
طلب القاهرة بأنه لا يتورع عن السب والشتم بأحط الألفاظ والكلمات ويستوي أمامه في
ذلك الأساتذة والطلاب والعاملون بالكلية. وقد اشتهرت حادثة العميد المذكور فيما
فعله في محاضراته من مغازلة الطالبات، وطلاب الكلية يعرفون كيف أحضر شابة مريضة من
المستشفى وقام بتقبيلها أمام جموع الطلاب والطالبات. أما عن تعاونه مع مباحث أمن
الدولة المصرية، فحدث ولا حرج فطالما كان يهدد أعضاء الاتحاد والشباب المسلم
باستدعاء ضباط المباحث للقبض عليهم، وكان يفخر بأن لديه هاتفًا مباشرًا مع وزير
الداخلية يستطيع به أن يدفع من يشاء إلى غيابة السجون ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ
إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: 8).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل