; مصر: الإمبراطورية الجديدة لمباحث أمن الدولة في عهد حسني مبارك | مجلة المجتمع

العنوان مصر: الإمبراطورية الجديدة لمباحث أمن الدولة في عهد حسني مبارك

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أكتوبر-1984

مشاهدات 54

نشر في العدد 689

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 30-أكتوبر-1984

تمارس سلطات جهاز مباحث أمن الدولة في مصر دورًا كبيرًا في كبت حرية الحركة الإسلامية واستنفاذ قوتها وإهدار طاقاتها ومنع إصدار صحفها.. وفي الفترة الأخيرة وبعد الموافقة على مد قانون الطوارئ لمدة 19 شهرًا قادمة بدءًا من شهر أكتوبر الحالي وبالرغم من ميل البعض إلى الاعتقاد بأن دور جهاز مباحث أمن الدولة سوف يتقلص نظرًا لبعض المظاهر الديمقراطية التي لوحظت على الساحة المصرية مؤخرًا كالحرية النسبية للمعارضة والانتخابات.. إلا أن هذا الجهاز ما زال يتصرف على نفس الأسس السابقة فازدادت حالات المنع من السفر وعدم السماح بحرية الاجتماعات في المناسبات الدينية المختلفة والتضييق على المجلات الإسلامية كمجلة الدعوة.

المنع من السفر

وتعالوا معنا نبدأ الحديث عن تصرفات هذا الجهاز اللعين ضد الحركة الإسلامية ومصالحها وشبابها، ومن هذه التصرفات «المنع من السفر» حيث أنها تعتبر مجرد «الميل إلى الاتجاه الإخواني بين الشباب، مبررًا للمنع من السفر!! فالأستاذ محمد الطيب أحمد عبد الحميد، جاء في أسباب منعه من السفر- بعد أن رفع قضية ضد الحكومة- أنه: يعمل موظفًا بدائرة نيابة كفر الشيخ وصاحب مكتبة الوعي الإسلامي بمدينة دسوق.. وأنه انتمى إلى الجماعات الإسلامية أثناء دراسته بالجامعة وشارك في مختلف أنشطتها بالجامعة حتى أصبح من قياداتها المؤثرة وكان له دور في المعسكر الإسلامي الذي أقيم بكلية التربية- جامعة طنطا في 4/11/1979م بهدف «التعاون وتقوية الروابط بين الجماعات الإسلامية وتنسيق حركتهم أثناء انتخابات اتحاد الطلاب»!!.

وأنه قام بافتتاح مكتبة بمدينة دسوق أطلق عليها اسم مكتبة الوعي الإسلامي، كانت مركزًا لتجمع عناصر الجماعات الإسلامية وعقد اللقاءات التي تحث الشباب على مناهضة النظام القائم بدعوى عدم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

ثم جاء سبب المنع الرئيسي وهو أنه وردت معلومات تشير إلى اعتزامه السفر للخارج لممارسة نشاطه المتطرف بعيدًا عن الرصد الأمني، حيث أكدت المتابعة، اعتماد حركة الجماعات المتطرفة على مثل هذه العناصر في نشر أفكارها وتجميع فلولها بالخارج، فتم إخطار الجوازات لدرجه على قوائم الممنوعين من السفر!! وفي أسباب منع الأستاذ محب حبيب عبد العليم أنه من عناصر الجماعات الإسلامية ذات الاتجاه الإخواني ببلدته محلة زياد- مركز سمنود محافظة الغربية، وقد أكدت المعلومات- هكذا في أسباب المنع من السفر- أن المذكور يسعى للسفر إلى اليمن الشمالية تحت زعم الجهاد في سبيل الله وتلقي التدريبات العسكرية كمرحلة تمهيدية للعمل داخل مصر مستقبلًا.

هذه أمثلة من أسباب المنع من السفر، والتي لا تلتفت إليها المحاكم دائمًا وتحكم لصالح الممنوع من السفر.. وقبل ذلك قالت المباحث عن المجاهدة الفاضلة السيدة زينب الغزالي في أسباب منعها من السفر أنها «تمثل خطرًا داهمًا يهدد أمن وسلامة المجتمع المصري في الداخل والخارج»!! ورغم ذلك فقد حصلت الداعية الفاضلة على حكم نهائي برفع اسمها من قوائم الممنوعين من السفر.

المجلات الإسلامية في محنة

والتضييق على المجلات الإسلامية يبدأ من الاعتراض على بعض الموضوعات وينتهي إلى الاعتراض على رؤساء التحرير ورفض التصريح بطبع المجلة أصلًا، فمجلة المختار الإسلامي صدر منها حتى الآن عددان فقط بعد عودتها للصدور نتيجة لحكم قضائي ورأس تحرير العدد الأول السيدة صافيناز كاظم الكاتبة الإسلامية الصلبة، ذات الرؤية الواضحة والقلم المُعَبِّر.. إلا أنها لم تستمر حتى صدور العدد الثاني، فقد طلبت مباحث أمن الدولة رفع اسمها من رئاسة التحرير كشرط لصدور العدد الثاني، ورغم أن ذلك ليس من اختصاصها، إلا أن الأمور قد انتهت بإذعان الأستاذ حسين عاشور صاحب امتیاز مجلة المختار الإسلامي لأوامر المباحث، مُفضلًا أسلوب اللين، رغم استنكار الكثيرين من الإسلاميين لهذا الرضوخ، وصدر العدد الثاني من مجلة المختار بعد موعده بأسبوع حتى تم رفع اسم السيدة صافيناز كاظم من رئاسة التحرير وتصدر المجلة الإسلامية بلا رئيس للتحرير في واحدة من أبرز الأحداث الصحفية الإسلامية في مصر هذه الأيام.

أما في مجلة الاعتصام والتي يصدرها الأستاذ حسن عاشور، فقد صدر منها حتى الآن ثلاثة أعداد بعد عودتها للصدور في رمضان الماضي. واستطاعت مباحث أمن الدولة أن تدخل إليها من الجانب المادي مُهددة رئيس تحريرها الأستاذ حسن عاشور بالمنع من السفر، وبخاصة وهذا الموضوع سوف يؤثر كثيرًا من الناحية المادية لغير صالح دار الاعتصام، وذلك لوجود دور نشر أخرى تابعة لها في بعض الدول العربية، وبالفعل تم إنزال الحاج حسن عاشور من فوق سلم الطائرة المتجهة إلى العراق لحضور مؤتمر المصالحة هناك كنوع من العقاب المباشر لإصداره لمجلة الاعتصام من جديد!! وتطلب مباحث أمن الدولة من صاحب الاعتصام أن يطلعها أولًا بأول على المواد التحريرية الخاصة بالمجلة قبل النشر.. حيث يمكنهم الاعتراض أو التعديل أو الإلغاء.. وفي العدد الأخير من مجلة الاعتصام أصَرَّت المباحث على نزع إحدى وريقات المجلة «34 صفحة» لما تحمله من نقد ساخر لترشيح الدكاترة كامل ليلة وصوفي أبو طالب وصبحي عبد الحكيم لجوائز الدولة التقديرية لهذا العام، باعتبارهم أدوا خدمات جليلة لنظام الحكم في مصر!! وصدرت المجلة وبها ورقة منزوعة، مما أثار تساؤلات كثيرة لدى شباب الحركة الإسلامية وقراء الاعتصام عما كانت تحويه هذه الورقة، وتأكد لديهم أن الرقابة قد نزعتها لما تحويه من حقائق تخشى الحكومة أن يعرفها الشعب!

واضطرار الأستاذ حسن عاشور للرضوخ للمباحث أدى إلى ظهور إحساس عام بين الشباب بالاستياء.. فإذا تطرق إليهم شك في أن مباحث أمن الدولة تتدخل في المادة المنشورة في مثل هذه المجلات لعزفوا جميعًا عن شرائها أو الثقة فيها.

أما عن مجلة «الدعوة» فيبدو أن مشوارها أكثر طولًا من صويحباتها، فالمجلس الأعلى للصحافة من المقرر أن يجتمع يوم السبت 3/11 لإقرار نموذج عقد تأسيس شركات الصحافة بعدها تقوم إدارة المجلة بسحب النموذج وملفه ثم إعادة تقديمه للمجلس لإقراره، و ربما يستغرق الأمر أكثر من أربعة شهور!!

حتى التقويم الهجري

وواقعة أخرى، فقد أصدرت دار الدعوة بالإسكندرية تقويمًا هجريًا يحمل شعار الدار وهو نفسه شعار جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن مباحث أمن الدولة أبَت أن تقف مكتوفة الأيدي؛ كيف لا... وهي حارسة الأمن في مصر المحروسة!!! فقامت بإبلاغ الأستاذ محمود شكري مدير دار الدعوة بالأسكندرية برفضها القاطع لصدور هذا التقويم، ورغم أن ذلك ليس من حقها قانونًا بل تستند في ذلك إلى ما منحه قانون الطوارئ لها من صلاحيات، وكحل وسط اقترح الأستاذ محمود شكري تغطية شعار الإخوان بشعار آخر عبارة عن مصحف مفتوح وسط دائرة قرص الشمس «كما هو مبين بالصورة»!!.. وعندما تم ذلك بالفعل، هنَّأ رجال المباحث أنفسهم بهذا الانتصار الضخم في قضية التقويم الكبرى!!

وفي محاولة جريئة لوأد مجلة إسلامية شهرية، رفضت مباحث أمن الدولة التصريح لمجلة لواء الإسلام بالطبع في المطابع تمهيدًا لإسقاط ترخيص صدورها إذا مرت ستة أشهر ولم تصدر المجلة.. وبعد محاولات مُضنية وصلت إلى أعلى مستويات المسؤولين في وزارة الداخلية بأت كلها بالفشل، وإنقاذًا للموقف، طبعت إدارة المجلة بعض الأعداد الرمزية للمجلة حتى لا تسقط رخصتها وأودعتها لدى المجلس الأعلى للصحافة، وكان السبب الرئيسي في ذلك هو تولي أحد الشباب للإشراف عليها وهو يعمل في نفس الوقت محررًا بمجلة الدعوة القاهرية!! أي أنها ستصبح «مجلة إخوانية» على حد تعبير كبار رجالات المباحث أنفسهم!!

لا... للاحتفالات الدينية!

وأخيرًا نذكر هذه الواقعة.. فقد أراد الحاج حسني المليجي نائب الإخوان بمجلس الشعب عن حزب الوفد أراد الاحتفال بذكرى الهجرة وفتح مقر انتخابي له في مدينة الحوامدية بمحافظة الجيزة، ودعا الأستاذ عمر التلمساني لحضور الاحتفال.. وبعد مفاوضات ومقابلات مضنية فشلت كل محاولات عقد الاحتفال الإسلامي، حتى اضطر الحاج حسني لمقابلة وزير الداخلية شخصيًّا للموافقة على إقامة هذا الحفل تحت الشروط التي يطلبونها، وأخيرًا- وعلى مضض- وافق الوزير على إقامة احتفال الهجرة في إحدى القاعات الصغيرة المغلقة ساحة الشعبية بالحوامدية مع اشتراط عدم وجود لافتات من القماش أو استعمال مكبرات للصوت خارج القاعة، أو حتى أضواء كافية بداخل القاعة!! وعندما حضر الحفل الأستاذ عمر التلمساني كان مدير مباحث أمن الدولة بالمركز ملاصقًا له، لم يفارقه، حتى غادر الحوامدية عائدًا إلى القاهرة!!

هذا وغيره، قليل من كثير مما تعيش فيه الحركة الإسلامية بمصر الآن في صراعها مع جهاز مباحث أمن الدولة والذي يتزعمه اللواء فؤاد علام المحارب للإسلام والمسلمين.. إن جهاز المباحث في مصر الآن يعبث ويفسد في الأرض ويحارب الله ورسوله، وإننا ننبه ونحذر ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الله  غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (سورة إبراهيم: 42)

الرابط المختصر :