; مصر بعد أحداث 11 سبتمبر: الدعوة الإسلامية في مفترق طرق | مجلة المجتمع

العنوان مصر بعد أحداث 11 سبتمبر: الدعوة الإسلامية في مفترق طرق

الكاتب قطب العربي

تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002

مشاهدات 57

نشر في العدد 1486

نشر في الصفحة 18

السبت 26-يناير-2002

هل يتم إلغاء المعاهد الأزهرية.. وهل تخضع المؤسسات الدينية والمناهج التعليمية والإعلامية للإسلام الأمريكي؟!

تشهد ساحة العمل الإسلامي في مصر – بشقيه الرسمي والشعبي – مرحلة جديدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما خلفته من آثار وتداعيات عمت العالم أجمع وألقت بظلال كثيفة على الدعوة الإسلامية سواء في العالم الإسلامي ذاته أو خارجه.

وتحظى مصر بنصيب وافر من هذه الآثار والتداعيات لأكثر من سبب، فهي أولًا كبرى الدول العربية ومن الدول الرئيسة في العالم الإسلامي، وهي التي شهدت مولد وازدهار العديد من الحركات الإسلامية والجمعيات الدينية الكبرى وفيها الأزهر الذي تتلمذ كثير من أبناء العالم الإسلامي على أيدي علمائه ثم عادوا إلى بلدانهم ليصيروا رموزًا دينية بارزة فيها.

ولا يزال الأزهر بمعاهدِه وجامعاتِه – رغم حملات التضييق والتحجييم التي مورست على مناهجه – يقوم بدوره في تعليم الإسلام الصحيح للأجيال المسلمة، كما أن هناك آلاف المدارس الإسلامية تنتشر في ربوع مصر للقيام بنفس الدور، إضافة إلى مئات الآلاف من المساجد التي تؤدي رسالتها في الدعوة إلى الله رغم ما تلاقيه من تضييق حكومي.

لهذه الأسباب ركزت أجهزة الاستخبارات وأجهزة الإعلام الغربية على مصر متهمة إياها بأنها التي أفرخت الإرهاب وصدرته إلى غيرها من الدول وأنها لم تتعاون بالقدر الكافي مع الحملة الدولية لمكافحة ما يسمى بالإرهاب، ورغم الممارسات التي تقوم بها السلطات المصرية الا أن الدوائر الغربية وخصوصًا الأمريكية ترى أن هذه الإجراءات غير كافية للقضاء على ما يسمى زورًا بالإرهاب وترى بدلًا من ذلك ضرورة استئصال الفكر الديني ذاته، باعتباره مغذيًا للتطرف حسب زعمهم، وتقدم بدلًا من ذلك رؤية جديدة للإسلام الذي ينبغي على المسلمين سواء في مصر أو غيرها الالتزام به وهو إسلام مسالم يلبي المطالب الأمريكية وينبذ تمامًا أفكار المقاومة ورد العدوان. 

وقد دعا رئيس الوزراء البريطاني – الشريك الأساسي للولايات المتحدة في حملتها في بداية شهر ديسمبر الماضي – الزعماء والمسؤولين بالدول الإسلامية لأن يعملوا جاهدين على أن يهيمن الإسلام العادي أو الرئيس (استخدم لفظ – Main stream) بحيث يخضع له جميع المسلمين في شتى أنحاء العالم نفس الفكرة عبر عنها وزير الخارجية الأمريكي كولين باول في شهر نوفمبر ۲۰۰۱ في خطاب القاه بجامعة لويسفيل بولاية كنتاكي حيث أشار إلى تبلور رؤية أمريكية للمجتمعات الإسلامية تقوم على أساس من قيم معينة تمس التكوين الثقافي والسياسي والعقيدي لتلك المجتمعات. هذا الإسلام هو ما وصفه الكاتب والمفكر الإسلامي فهمي هويدي بـ الاسلام المعدل الذي يجنب أمريكا والغرب احتمالات التعرض لأي هجوم مستقبلي كما حدث في واشنطن ونيويورك (الأهرام ۲۰۰۱/۱۲/۱۸م).

وحسبما يرى الباحث السياسي الدكتور حامد عبد الماجد أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة القاهرة فإن فكرة الإسلام المعدل ستكون هي الفكرة المحورية التي ستوجه عملية التأثير على العمل الإسلامي خلال المرحلة المقبلة، وهذا الإسلام المعدل هو إسلام يتماشى مع ما يمثله الغرب والولايات المتحدة من قيم وهيمنة ونفوذ، وعلى أساس هذه الفكرة سيقاس أي نشاط أو عمل إسلامي ليتم فرز من يصبح داخل هذا الإطار ومن يكون خارجه حتى يوضع في قوائم الإرهاب، ويقول: إننا لا نزال نعيش مرحلة سيولة حيث إن ملامح السياسة الأمريكية على مستوى المؤسسات تجاه العمل الإسلامي لم تتبلور بشكل كامل بعد باستثناء الفكرة المحورية وهي فكرة الإسلام المعدل. لكن تنزيل هذه الفكرة على الواقع لا يزال في مرحلة التشكيل. وقد ظهرت بعض الوسائل خاصة في حقل محاصرة التعليم الديني لكن المواجهة الكاملة لم تبدأ بعد. ویری د. حامد عبد الماجد أن عملية المواجهة ستتضمن نوعًا من تقسيم العمل بين الداخل والخارج حيث تتولى نظم حاكمة عربية أو إسلامية جزءًا في حين تحتفظ الولايات المتحدة والغرب بجزء آخر، والتدخل الذي سيتم بمعرفة تلك النظم الحاكمة محليًّا معروف وقد جرب بعضه من قبل في بعض الأقطار وتستخدم فيه عدة أدوات منها: 

1-الأداة التشريعية وذلك بسن قوانين جديدة تخدم هذه الفكرة مثل قانون غسل الأموال لتجميد بعض الأرصدة المستهدفة لمجرد الاشتباه، وقانون المسطرة الجنائية (في المغرب) والذي يقنن لأول مرة عملية التنصت والتقاط المكالمات الهاتفية وتسجيلها واتفاقيات لتبادل تسليم المجرمين... إلخ، وعمومًا فإن البرلمانات – التي جاء أغلب أعضائها بالتزوير – جاهزة لتمرير أي تشريع.

2-الأداة الأمنية في الحصار والقمع. 

3-الأداة الإعلامية وتستخدم في محاصرة العمل الإسلامي إعلاميًا وتشويهه.

لكن هل من مصلحة تلك السلطات الحاكمة محليًا القضاء على النشاط الإسلامي؟.

يثير الدكتور حامد شكوكًا حول ذلك لأن بعض هذه الجمعيات يقوم بدور مساعد للأداء الحكومي ويجبر قصوره في كثير من القطاعات وفي حالة ضرب هذه الأنشطة سيتأثر كثير من القطاعات، المستفيدة منه. ويرى كذلك أن الضرب حال حدوثه لن يكون فجائيًّا أو شاملًا ولكن سيتم بالتدريج وبصورة غير محسوسة، ولن يلجأ إلى استئصال كل العمل ولكن يبقيه تحت السيطرة في مستوى معين هذا بالنسبة – للنشاط الخدمي، أما النشاط السياسي والإعلامي فهو الذي يتعرض وسيتعرض المزيد من التضييق خصوصًا إذا أظهر نوعًا الجمعيات الخيرية مهددة هي الأخرى رغم دورها الخدمي في رفع العبء عن كاهل الحكومة من التبرم من السياسات الأمريكية. 

المؤسسات الدينية الرسمية

وبالنسبة للمؤسسات الدينية الرسمية التي تشرف عليها الدولة بشكل مباشر وأهمها

 الأزهر فإنها ستتعرض بدورها لضغوط ولن يشفع لها ما كانت تمارسه سابقًا من أدوار لأن المطلوب هنا ليس مواقفها السياسية ولكن بنيتها ذاتها ونمط التفكير الذي تنتهجه، ولذلك سوف يتم العمل على تجفيف جذور هذه المؤسسة الدينية، ومن المتوقع أن تتم محاصرة انتشار الأزهر من ناحية بناء المعاهد، كما سيتعرض المضمون الدراسي لتعديلات متلاحقة، ويعاد تكييفه ليتوافق مع التعليم المدني العادي، ولا يستبعد في مرحلة لاحقة أن تدرج جامعة الأزهر في إطار التعليم المدني فيما يتم الإبقاء على الأزهر كجامع فقط. 

هذا الكلام الذي يخص الأزهر ينفيه حتى الآن المسؤولون الرسميون في الأزهر – وفي مقدمتهم شيخه الدكتور سيد طنطاوي.

ويؤكدون استمرار رسالة الأزهر مهما حدث لكن أصواتًا أزهرية أخرى تؤكد تلك التخوفات حيث يرى الدكتور يحيى إسماعيل أستاذ التفسير والحديث بجامعة الأزهر والأمين العام السابق لجبهة علماء الأزهر أن هذه السياسات بدأ تنفيذها في الأزهر فعلًا منذ سنوات بتعديل الكثير من المناهج الدراسية وتخفيض حجم المواد الدينية، وستكون الحملة الحالية لمكافحة ما يسمونه بالإرهاب فرصة لإدخال مزيد من التعديلات على المناهج وإقصاء بعض الأساتذة والمدرسين الذين يعارضون هذه السياسات كما حدث معه هو شخصيًّا.

وما هو متوقع بالنسبة للأزهر في مصر يجد تطبيقًا عمليًّا في دول أخرى مثل اليمن التي قررت حكومتها إلغاء المعاهد العلمية الدينية ودمجها في التعليم المدني بحجة توحيد العملية التعليمية (يوجد حوالي أربعمائة معهد من هذا النوع في اليمن)، ونفس الشيء تقوم به باكستان حاليًا - بالنسبة للمدارس الدينية – بتمويل أمريكي يبلغ مائة مليون دولار لإطلاق برنامج رقابة على تلك المدارس التي يقدر عددها بسبعة آلاف مدرسة تضم حوالي مليون طالب، وسيكون من أهداف ذلك البرنامج الذي تشرف عليه وزارتا الداخلية والشؤون الدينية الرقابة على منشورات المدارس ودور النشر التابعة لها، ويتضمن البرنامج تشكيل خلية خاصة من أجهزة الاستخبارات الباكستانية تدرب أشخاصًا للتسلل إلى تلك المدارس  الحملة لن تتوقف عند التعليم الديني بل تتجاوزه إلى التعليم المدني وإلى وسائل الإعلام بحذف كل ما ينتقد الغرب.

ورصد كل ما يجري داخلها، كما يوجه جزء من التمويل الذي قدمته الولايات المتحدة الإدخال مواد دراسية جديدة في المدارس التي كانت تقتصر على تدريس العلوم الشرعية.

الأمر لن يقتصر على التعليم الديني بل يتجاوزه إلى التعليم المدني وإلى وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية التي سيطلب منها إلغاء كل المواد التي يزعمون أنها تحض على كراهية الغرب بسبب ممارساته المجحفة مع الشعوب العربية والإسلامية، كما حدث في أعقاب توقيع اتفاقية كامب ديفيد نهاية السبعينيات بين مصر والكيان الصهيوني حين ضغط الرئيس الأمريكي حينذاك جيمي كارتر ورئيس الوزراء الصهيوني مناحم بيجن على الحكومة المصرية لتعديل مناهج التعليم وإلغاء كل ما يحتوي على شبهة العداء لليهود، كما لن يقتصر الأمر على التعليم بشقيه الديني والمدني، بل يتجاوزه إلى المساجد عبر ما يلقى فيها من خطب ودروس دينية بحيث تتجنب هذه الخطب والدروس ما يوصف بأنه إثارة للكراهية وعدم قبول الآخر، وأن تشيع بدورها ما يوصف بثقافة السلام، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى – وكما هو مخطط لتقليص حجم المعاهد الأزهرية – فإن هناك توقعات بتقليص حجم المساجد. ويعتقد البعض أن قرارات مجلس الوزراء المصري التي صدرت أوائل ديسمبر الماضي ووضعت شروطا عشرة لبناء المساجد أهمها عدم بناء هذه المساجد أسفل العمارات السكنية – وهو الشكل الشائع في مصر – يعتقد البعض أن هذه الشروط هدفها الحد من بناء المساجد التي زاد عددها بحيث أصبح من الصعب على وزارة الأوقاف الإشراف والإنفاق عليها وتعيين أئمة لها، كما أصبح من الصعب على الأجهزة الأمنية مراقبة ما يدور في كثير منها.

تفاوت في التأثر بين الهيئات الدينية الأهلية

على مستوى الهيئات الدينية الأهلية يبدو الأمر متفاوتًا بين تلك التي تقتصر على الأنشطة الدعوية والخيرية، وتلك التي يتسع نشاطها إلى العمل السياسي والإعلامي إلى جانب النشاط الدعوي والخيري، فالمؤسسات الأولى لا تشعر حتى الآن بأي انعكاسات لأحداث الحادي عشر من سبتمبر عليها، وقد أكد لنا قادتها أنهم ماضون في نشاطهم بنفس طرقهم التقليدية. فالمستشار شوقي الفنجري رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية – والتي هي من أقدم الجمعيات في مصر – يؤكد أن نشاط جمعيته لم يتأثر بالأحداث لسبب بسيط هو أن الجمعية لا تعتمد على أي تبرعات خارجية بل إنها تطالب بمستحقات مالية تبلغ سبعة ملايين جنيه مصري هي حصيلة ربع أوقافها لدى وزارة الأوقاف المصرية، نفس الشيء يؤكده الشيخ صفوت نور الدين رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية. إذ يرى أن أنشطة جمعيته تتركز على العمل الدعوي الذي هو عبارة عن علاقة بين المصلي والمسجد تحت سمع وبصر الجميع، الأمر ذاته يؤكده الدكتور فؤاد مخيمر رئيس الجمعية الشرعية وهي أيضًا من كبرى الجمعيات الدينية في مصر التي تنتشر فروعها في ربوع البلاد، ويقول إن الجمعية الشرعية دعوية وتقيم المشروعات الخدمية والصحية والتعليمية والتثقيفية ومن أبرزها كفالة الأيتام الذين بلغ عددهم نصف مليون طفل على مستوى الجمهورية، وتأتي كل التبرعات للجمعية من داخل مصر ولا تتلقى أي تبرعات من جهات عربية أو أجنبية.

الإخوان والجماعات الجهادية.. 

الوضع مختلف

أما الإخوان المسلمون، فرغم منهجهم السلمي في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ورغم ما يتعرضون له من عنف وإرهاب من قِبل الحكومات في عهود متتالية – كان آخرها عمليات تحويل العديد من قياداتهم المشهود لهم بالكفاءة العلمية والوطنية والعطاء إلى محاكم عسكرية، منهم عشرون من أساتذة الجامعات يحاكمون هذه الأيام أمام محكمة عسكرية – رغم ذلك كله تثور شكوك كبيرة بشأن احتمال إدراجهم ضمن قوائم ما تطلق عليه واشنطن ظلمًا بالمنظمات الإرهابية ويستشهد البعض على ذلك بإقدام السلطات السويسرية على التحقيق مع المسؤولين عن بنك التقوى الذي يمتلكه بعض الإخوان بضغط من السلطات الأمريكية، وهي التحقيقات التي لم تسفر عن أي إدانة، كما يشير البعض إلى أن المحاكمة العسكرية التي تجرى حاليًا لعشرين من كوادر الإخوان تأتي في سياق الحملة الدولية على الحركة الإسلامية، يضاف إلى ذلك قرار سلطات التحقيق باستمرار حبس مجموعتين من كوادر الإخوان في محافظتي أسيوط والجيزة رغم مرور أكثر من ستة أشهر على القبض عليهم.

الإخوان من ناحيتهم يؤكدون أنهم ماضون في طريقهم ولن ترهبهم تلك الحملة

وفيما يتعلق بالجماعات التي تميل لانتهاج العنف وهي الأكثر تضررًا وتأثرًا بالأحداث فيؤكد ممدوح إسماعيل المحامي ووكيل المؤسسين لحزب الشريعة المعبر عن قطاع من الجماعة الإسلامية أن أحداث سبتمبر ستتسبب في مزيد من التوترات بين السلطة والجماعات الإسلامية ولعل أبرزها إحالة عدد كبير حاليًا إلى المحاكمات العسكرية من الجماعة الإسلامية، وكذلك من السلفيين لأول مرة فيما عرف بتنظيم الوعد.. لكن هذه التوترات برأيه لن تصل إلى حد اللجوء إلى العنف لسببين أساسيين أولهما، أن هذه الجماعات الآن في أضعف أحوالها، وثانيهما أن الجماعة الإسلامية اتخذت قرارًا إستراتيجيًّا بنبذ العنف منذ عدة سنوات، ولا تراجع عن هذا القرار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2062

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

193

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟