العنوان مصر: ترميم «الإصلاح» قبل أن يبدأ
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر الجمعة 11-يونيو-2004
مشاهدات 59
نشر في العدد 1604
نشر في الصفحة 32
الجمعة 11-يونيو-2004
عبد الحليم قنديل: الأحزاب الجديدة مصدات سياسية لعرقلة الإخوان
قادة الإخوان الأمر لا يقلقنا وكل الملفات السياسية والاقتصادية في أيدي الأمن وحده.
تزايد الحديث في الأوساط السياسية والحزبية في الفترة الماضية عن احتمالات موافقة الحكومة المصرية على عدد من مشاريع الأحزاب السياسية الجديدة ضمن توجهات الإصلاح وإطلاق الحريات في مصر. بينها حزب (الغد) الليبرالي بزعامة النائب الوفدي السابق أيمن نور. وحزب (الكرامة) الذي يقوده النائب الناصري حمدين صباحي. وكذلك مشروع حزب الوسط الذي يقوده المهندس أبو العلا ماضي العضو السابق في جماعة الإخوان المسلمين.
وعلى حين ظهرت إشارات لهذا التوجه في صورة مقالات وآراء لكتاب كبار مقربين من الحكومة- منهم إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام في مقال كتبه قبل ثلاثة أشهر-تدعم التوجه للسماح بتأسيس هذه الأحزاب الجديدة وتطالب به:لتضاف إلى ١٦ حزبًا مصريًا معترفًا بها حاليًا (منها سنة أحزاب مجمدة،وستة غير معروفة أو مهمشة)، وبهدف تحريك المياه الراكدة في الحياة السياسية المصرية، أبدى محللون سياسيون مخاوفهم من أن يكون تدشين بعض هذه الأحزاب الجديدة، مجرد محاولة لاستخدامه في تهميش وضرب نفوذ قوي سياسية أخرى مثل جماعة الإخوان المسلمين.
وقد عزز هذه التكهنات- وفق آراء المحللين- أن الحملة التي شنتها قوات الأمن المصرية على جماعة الإخوان فجر ١٦ مايو الماضي ٢٠٠٤، وتضمنت اعتقال ٥٤ من كوادر الجماعة في ست محافظات تبعها بيوم واحد قيام مؤسسي حزب الوسط بالتقدم إلى لجنة الأحزاب (۱۷ مايو (٢٠٠٤) بطلب جديد- هو الثالث من نوعه منذ عام ١٩٩٦-لإعادة تأسيس الحزب: وسط أنباء تتردد عن إعطاء مسؤولين مصريين، الضوء الأخضر لمسؤولي الحزب الجديد للتقدم بالطلب من جديد لتأسيس الحزب، ومن ثم ترجيح قبول لجنة الأحزاب للطلب الجديد للحزب، غير أن المهندس ماضي نفى ذلك.
أيضًا ظهرت إشارات مماثلة فيما يخص حزب الغد الليبرالي الذي رفضته لجنة الأحزاب العام الماضي، ثم أعدت هيئة مفوضي الدولة هذا العام تقريرًا خالف قرار لجنة شؤون الأحزاب وأيد قيام الحزب باعتباره يضم ما يقرب من ٢٤ نقطة متميزة. وعلى الجبهة الثالثة تستعد مجموعة حزب«الكرامة» المنشقة عن الحزب الناصري المعارض- بعد رفضها منذ عامين-لتقديم طلب جديد للجنة الأحزاب لتأسيس حزب سياسي، وسط توقعات بالموافقة أيضًا على هذا الحزب.
واللافت أن هذه التطورات جاءت في الوقت الذي بدأ فيه البرلمان المصري يوم ١٥ مايو الماضي مناقشة عامة حول موضوع الإصلاح السياسي بعد أكثر من ٧٥ طلبًا تقدم بها النواب،طالبوا فيها بضرورة توضيح موقف الحكومة المصرية وسياستها تجاه الإصلاح السياسي في مصر.
الإسلاميون.. مأزق الإصلاح
ويبدو أن مأزق الإصلاح في مصر يتمثل في القناعة الرسمية-كما أكد الرئيس مبارك في تصريحات لصحيفة واشنطن بوست ۲۳ مارس ۲۰۰۳ -بأن أي انتخابات حرة في مصر أو العالم العربي سيفوز فيها التيار الإسلامي والإخوان، ومن ثم صعوبة القيام بإصلاحات حقيقية وانتخابات حرة وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب.
وقد عاد الرئيس مبارك في ١٣ مارس ٢٠٠٤
-في خطاب افتتاح ندوة حول الإصلاح بمكتبة الإسكندرية- لتأكيد رفضه تولي من أسماها «قوى التزمت» الحكم،حيث دعا إلى اتباع «أسلوب في الإصلاح،في العالم العربي لا يسمح بتولي» قوى التزمت، زمام الأمور: في إشارة إلى الحركات الإسلامية العربية.
وخلال جولة أوروبية قام بها في مارس الماضي عاد وحذر مما أسماه تكرار العنف الذي شهدته الجزائر أوائل التسعينيات من القرن الماضي، في حالة التطبيق المفاجئ لإصلاحات ديمقراطية متعجلة في الشرق الأوسط. وقال في حديث لصحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية نشرته يوم ٢٠٠٤/٣/٥: «أفكر فيما حدث في الجزائر،فالحرية والديمقراطية يمكن أن تحدثا هزات عنيفة في دولة ما،ماذا سيحدث إذا فاز المتطرفون بالأغلبية العظمى في البرلمان؟! ولنأخذ مثلًا ما حدث في الجزائر منذ ١٢ سنة».
وأضاف قائلًا: «سنرى الإسلاميين يعتلون الحكم في مصر وفي العراق، لكننا بالتأكيد لن تسمح بفرض أنماط محددة من الإصلاحات تدفع نحو الغرق وتلقي بنا في الفوضى».
ولهذا يبدو الأمر أشبه بمعضلة: إحساس من جانب السلطة بالحاجة إلى تغيير وإصلاح ولو صوريًا يرضي الرأي العام الداخلي والضغوط الخارجية (المبادرة الأمريكية للشرق الأوسط الجديد). وبالمقابل صعوبة المضي في إصلاحات حقيقية متكاملة وانتخابات حرة ستكون نتيجتها معروفة سلفًا، ويخرج فيها الإخوان بالنصيب الأكبر من المقاعد أو على الأقل نصيب كبير منها. ويزيد الأمر سوءًا-كما يقول عبد الحليم قنديل رئيس تحرير صحيفة العربي الناصرية لـ المجتمع- «أن الحكم الذي ليس له هدف سوى البقاء على كرسي السلطة لمدة طويلة لا يرى تهديدًا مباشرًا لبقائه سوى جماعة الإخوان المسلمين، ولذلك يلجأ إلى فكرة «المصدات السياسية، العرقلة الإخوان في صورة الموافقة على أحزاب أخرى من جيل الوسط السياسي لا يرى فيها تهديدًا لبقائه».
وقد رحبت جماعة الإخوان عمومًا بتأسيس أي أحزاب جديدة سواء كان حزب الوسط أو غيره،وقالت إن الجماعة تؤمن بالتعددية السياسية والتعددية الإسلامية.
وأكد د. محمد حبيب النائب الأول للمرشد العام، ود. عصام العريان القيادي في الجماعة المجتمع ترحيب الإخوان بأي حزب جديد يخرج للعلن، ما دام يدعو لمصلحة الإسلام ومصلحة الوطن، ولكنهما أكدا رغبة الإخوان في أن يكون لهم كيانهم المستقل، مشيرين إلى أن استقلالية الإخوان تعد العائق الأكبر الذي يجعل كل الحكومات تخشى من وجود كيان قانوني لهم: لأنهم خارج إطار المنظومة التي تريد أي حكومة أن تسيطر عليها وتجعلها تحت إطار السيطرة.
وشدد د. محمد حبيب أن لجماعة الإخوان ثوابتها وسياستها ومنهجها: فضلًا عن الأهداف التي ترمي إليها، وأن كل الإخوان على قدر عال من الانضباط والالتزام بهذه الثوابت: خاصة أننا تعتبر الشورى فريضة.
وقال المهندس خيرت الشاطر النائب الثاني المرشد الإخوان: لا يوجد قلق من جانب الإخوان تجاه تأسيس أي حزب بأي شكل من الأشكال: لسبب مبدئي هو أن الرابطة بين الإخوان رابطة طوعية اختيارية ذاتية، والشخص يختار بنفسه. وبالتالي لا يوجد ما يبرر بقاء شخص غير مقتنع بمبادئ الجماعة داخلها.
وأضاف: لقد سبق أن ظهرت العديد من الأحزاب المصرية-رغم ضعف الأحزاب عمومًا وتحولها لظاهرة إعلامية أكثر منها سياسية، رافعة شعارات وتصورات إسلامية مثل حزبي العمل والأحرار، وكانت هذه فرصة للعديد من شباب الإخوان للانسلاخ في حالة تململهم كما يقال والانضمام لهما وهو ما لم يحدث.
أنيميا سياسية
ويؤكد د. عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب إرشاد الجماعة أن الإخوان سيكونون سعداء بوجود أحزاب «الوسط» و«الغدو» و«الكرامة»، ونفى أن يسحب أي حزب البساط من تحت أقدام الجماعة أو غيرها: مؤكدًا أن ساحة الدعوة والسياسة في مصر واسعة ونرحب بأي حزب جديد ينشأ وله مرجعية إسلامية أو يستهدف مصلحة الوطن العليا.
وشدد د. أبو الفتوح على أن مصر تعاني من «أنيميا سياسية ودعوية» وتحتاج لأحزاب كثيرة، والقول إن الإخوان هم التيار الوحيد الجماهيري القوي-وإن كانت هذه حقيقة- إلا أنها حقيقة تزعجنا لأن معناها أن المجتمع مصاب بحالة ركود وتخلف سياسي.
وعما يتردد عن المتململين داخل الجماعة والذين يمكن أن يتجهوا للأحزاب الجديدة قال أبو الفتوح: «الأصل أن البقاء في الجماعة طوعي ويستهدف مرضاة الله وليس لمصلحة شخصية أو ذاتية أو قهر وبالتالي لا محل للتململ ونحن في الإخوان ليس لدينا متململون، لأن المتململ معناه أنه موجود في الجماعة رغم أنفه، ونحن لدينا مساحة لإبداء الرأي والاعتراض والإصلاح داخل الجماعة، ومن هم معنا موجودون بإرادتهم ونفخر بوجود آراء مختلفة داخل الجماعة».
وقال د. عصام العريان: إن تشكيل أحزاب سياسية جديدة حق طبيعي لأي مجموعة سياسية ترغب في تشكيل حزب، وإن المناخ السياسي الحالي مناخ راكد أصلًا لا يبشر بأن أي حزب قادر على أن يضيف شيئًا جديدًا. كما أن الجماعة تؤمن بالتعددية السياسية في إطارها العام وفي إطار المرجعية الإسلامية، وتؤمن بأهمية التعاون على الخير والتقوى بين الجميع وليس التنابز أو التنافر.
وكشف د. عصام العريان عن: «أنه لا توجد قنوات اتصال صريحة وواضحة بين الإخوان والحكومة، وكافة المعلومات التي تتناثر تأتي في سياق أحاديث مع رجال أمن فرجال الأمن هم الذين يديرون كل الملفات السياسية والاقتصادية في هذا البلد، وكافة الأحزاب الرسمية في مصر، قنوات اتصالها مع الحكومة أيضًا هي قنوات أمنية».
المناخ السياسي والركود
ويرى عبد الحليم قنديل أن أي حزب جديد لن يسحب البساط من تحت أقدام الجماعة الأم (الإخوان)، ولن يضعفها تأسيسه أو ينافسها في قوتها، لأن الإخوان يتميزون بقدر من التماسك الداخلي ويركزون على مسألة التربية.
ويختصر قنديل مشكلة الإصلاحات الحالية في مصر بقوله إن الأحزاب «الكبيرة» الحالية الثلاثة العاملة (الوفد والتجمع والناصري) تحولت إلى، شركات سياسية، في ظل قانون الأحزاب الحالي الذي يسمح بممارسة أي شيء إلا السياسة. ويؤكد أن وضع الإخوان كأولى الجماعات السياسية من حيث الحجم والتنظيم مختلف: مما يقلق الحكم.
ويشدد على أن العبرة في نشاط الأحزاب الثلاثة الجديدة المنتظرة سيكون سلوكها هي فلو اختارت أن تكون منافسًا وسلكت طريق أنها جماعة سياسية منشقة عن الجماعة الأم (مثل الوسط والإخوان، وحزب الكرامة والحزب الناصري) فسوف تنتهي إلى ما انتهت إليه الأحزاب الحالية من ركود. ولن ينجح الوسط في منافسة الإخوان، ولا الكرامة في منافسة الناصري.
إلا أن د. عصام العريان يختلف في هذه الجزئية ويرى أن المناخ السياسي لا يسمح إلا بالركود السياسي، ويقول إن أي حزب جديد لن يكون له أي تأثير في ظل ثبات قواعد اللعبة السياسية على حالها دون تغيير، ويطالب بتغير القواعد أولًا، وأولها إلغاء قانون الطوارئ واستيعاب قوة سياسية كبرى كالإخوان لا محاربتهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل