العنوان عمرو خالد.. تجربة دعوية للوصول إلى المجتمع من أعلى
الكاتب محمد جمعة
تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2001
مشاهدات 61
نشر في العدد 1467
نشر في الصفحة 44
السبت 08-سبتمبر-2001
انتظر جمهور مسجد المغفرة بالعجوزة أحد الأحياء الراقية بمدينة الجيزة «المواجهة للعاصمة المصرية القاهرة» حضور الداعية الشاب عمرو خالد ليلقي على مسامعهم درسه الأسبوعي، إلا أنه لم يأت لسبب لم يعرفه أحد، فانصرف الناس وهم يتساءلون ولا يجدون إجابة.
تكرر الأمر في الأسبوع التالي وبعد طول انتظار علم الجمهور أن عمرو خالد لن يأتي فبدأ الاحتجاج العلني والتذمر، ثم جاء صوت الشيخ عبر الهاتف المحمول طالبًا من الجمهور الانصراف في هدوء، فاستجاب الناس. ومنذ ذلك اليوم من شهر أغسطس الماضي لم يلق عمرو خالد درسًا واحدًا في أي من مساجد مصر.
كان من الواضح أن قرارًا أمنيًّا قد صدر بمنعه من الخطابة، في إعادة للموقف الذي حدث مع الدكتور عمر عبد الكافي- الداعية المعروف- الذي تبارت الصحف المعروفة بعدائها للإسلاميين في الهجوم عليه ومحاولة المس بسمعته، وإلصاق التهم به واتضح بعد ذلك أن عمرو خالد لم يمنع من الخطابة بذلك المسجد فقط، بل من ممارسة نشاطه بشكل كامل، إذ لم يعد يذهب إلى أي من المساجد التي اعتاد الذهاب إليها، ولم يذكر الموقع الذي ينقل دروسه على شبكة الإنترنت موعد الدرس المقبل على غير المعتاد، كما أنه أغلق هاتفه المحمول بشكل دائم، وامتنع عن الرد على المكالمات، الأمر الذي أثار استغراب الكثير واندهاشهم وتساؤلهم: هل أصبح عمرو خالد يشكل خطرًا على الأمن العام وهل أثار اتساع شعبيته وقوة تأثيره في الناس الخوف عند النظام ؟ أم أن قرار منعه من الخطابة جاء استجابة لحملة شعواء شنتها عليه مؤخرًا عدة صحف علمانية بالقاهرة، والتي ما إن تجد داعية يلقى قبولًا كبيرًا من الجماهير، وتزداد شعبيته بينهم حتى تبدأ حملة مسعورة ضده للتحريض عليه والإغراء بالعصف به، وإبعاده عن الحياة العامة، قامت تلك الحرب على الشيخ الشعراوي- يرحمه الله- وهي مستعرة الآن على استحياء ضد العالم الكبير الدكتور زغلول النجار الذي وصل الأمر ببعض كتاب الصحف إلى التساؤل عن تخصصه والادعاء بأنه يتحدث في غير مجاله ويحاول أن يجعل من القرآن كتاب علم.
البداية:
كانت بداية عمرو خالد الدعوية بجامعة القاهرة التي التحق بها عام ١٩٨٤م، وأصبح عضوًا في اتحاد الطلاب عن التيار الإسلامي، واشتهر خلال دراسته الجامعية بنشاطه، ودماثة خلقه، وإيثاره لأصدقائه وحبه للخير واهتمامه بأمر المسلمين، ثم سافر إلى إنجلترا لمدة عام، وبعد عودته اختارته اللجنة الدينية بنادي الصيد- وهو ناد شهير يرتاده الأثرياء وعائلاتهم- لإلقاء الدروس اليومية في مسجد النادي طوال شهر رمضان لكن الأجهزة الأمنية منعته، الأمر الذي استدعى تدخل الوسطاء لإقناع الأجهزة بأنه لا ينتقد الحكومات، وأن خطبه تخلو من الإشارات السياسية. وتركز على النواحي الأخلاقية والسلوكية بشكل أساسي وتستخدم أسلوب الترغيب والتبشير.
وما إن سمح لخالد بالخطابة وإلقاء الدروس حتى جمع الله حوله قلوب الجماهير المتعطشة للطاعة، وأصبح رواده بالآلاف من الشباب والفتيات وصرح له الأزهر بتوزيع شرائطه لما فيها من أفكار تدور كلها حول العقيدة والسلوك بمفهوم عصري بسيط يجذب القلوب و ترجمت دروسه للإنجليزية على شبكة الإنترنت ليستفيد منها المسلمون غير الناطقين بالعربية.
لكن نجاح عمرو خالد أغري الصحف العلمانية بمحاربته والتحريض عليه، إذ تصاعدت حملة شعواء ضده من قبل الكارهين لكل مظاهر التدين وأسلمة المجتمع، مستغلين في ذلك توجس النظام وأجهزته الأمنية من كل داعية تتسع شعبيته بين الناس.
ومما يؤكد سوء نية القائمين على هذه الحملة أن النقد لم يوجه لأفكار عمرو وأسلوبه الدعوي، وإنما إلى ملاحظات شكلية مثل ملبسه الراقي فهو نموذج للداعية الأنيق الذي يرتدي أحدث الأزياء ويتحدث لغة العصر، ويمتلك سيارة من أحدث طراز، ويتوجه للطبقات الراقية ويتحدث عن المسلم الثري الذي يحبه الله، لأنه ينفق ماله في سبيل مصلحة الإسلام، ويعرف كيف يخاطب الشباب بمن فيهم شديدو الثراء والسطحية في الوقت نفسه، ويستهدف الفئة العمرية من ١٨ إلى ٣٦ سنة، وأنه لا يحقر العصاة ولا يعبس في وجه الشباب الذييحب اللهو ولا يصب عليهم اللعنات أو يتوعدهم بالعذاب، وإنما ييسر عليهم ويشرح لهم كيف يعبدون الله حتى في مارينا أشهر مصايف ساحل مصر الشمالي، ويحثهم حين يذهبون إلى هناك أن يتفكروا في خلق الله ونعمه، شارحًا لهم قيمة هذا التفكر، وما يترتب عليه من ثواب ويستخدم أسلوبًا مبسطًا لطيفًا يصل إلى عقول الشباب، وينفذ إلى أعماقهم، ويلجأ إلى الفكاهة حين يقتضي الأمر، وهكذا لا نجد في مبررات صانعي الحملة على خالد ما يدينه، بل تبدو وكأنها حملة لتأييده والترويج له.
وراحت مجلة روز اليوسف الأسبوعية المعروفة بعدائها للإسلاميين تزعم أنه يمهد الطريق أمام جماعة الإخوان المسلمين لاختراق المجتمع من أعلى ومن الطبقة الراقية، وأمثال عمرو خالد من وعاظ الأثرياء- على حد قولها- هم الجسر الوحيد الآن في مصر بين شباب جماعة الإخوان والشباب من أولاد الذوات أصحاب النفوذ والمال.
الموقف الأمني من عمرو خالد ليس جديدًا، ولهذا يعيش محبوه على أمل انكشاف غمة إبعاده وتجميد نشاطه، كما حدث من قبل حين منع من الخطابة بمسجد الشيخ محمود خليل الحصري المقرئ المعروف بحي العجوزة، فانتقل إلى مركز الحصري بمدينة السادس من أكتوبر- إحدى المدن الجديدة- ليعطي بدروسه اليومية بعد صلاة القيام في رمضان الماضي مذاقًا جديدًا للشهر الكريم، إذ كان الناس يتسابقون للحاق بمكان في المسجد وقاعة الندوات الملحقة به، ويأتون من بقاع القاهرة المتناثرة مصطحبين صغارهم لسماع دروسه.
يكشف منع عمرو خالد من الخطابة حجم الازدواجية القائمة في مصر، فبينما كان الداعية الشاب يتعرض لملاحقة أمنية مكشوفة ومستفزة حرصت شركة أجهزة منزلية معروفة على شراء الحق الإعلاني لبرنامجه «إسلامنا» الذي إذاعة التليفزيون المصري خلال الأشهر الأخيرة.
كما تعمد بعض إصدارات مؤسسة الأهرام الصحفية الحكومية، مثل مجلتي نصف الدنيا والأهرام العربي إلى توزيع أشرطة عمرو خالد مع نسخ المجلة بهدف زيادة نسبة التوزيع اعتمادًا على الشعبية الكبيرة للداعية الشاب، الذي تزيد الحملة الصحفية عليه من تعاطف الناس معه فيتحقق منها أثر عكسي- بفضل الله.
أهداف تلك الحملات أبعد ما تكون عن الحرص على مصلحة الشباب أو الخوف على هيبة النظام أو محاصرة التطرف أو غير ذلك من الأهداف المعلنة، فالمؤكد أن هدف تجميد النشاط الدعوي المثمر للداعية عمرو خالد هو إفساح الطريق للشباب المسلم ليتفرغ للانضمام إلى جماعات الشواذ وعبدة الشيطان والتسكع مع فتيات الطبقة الراقية في الفنادق، وصالات الديسكو.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل