; مصر.. هل يمكن أن يتعرض الإخوان المسلمون لما تعرضوا له في عامي 1954 و1965؟ | مجلة المجتمع

العنوان مصر.. هل يمكن أن يتعرض الإخوان المسلمون لما تعرضوا له في عامي 1954 و1965؟

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994

مشاهدات 63

نشر في العدد 1103

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 14-يونيو-1994

·       الإخوان يقودون عبر النقابات المهنية (180) ألف مهندس، و(120) ألف محامٍ و(750) ألف معلم و(90) ألف طبيب عدا نقابات أخرى عديدة، ونوادي أعضاء هيئة التدريس في الجامعات.

·       الإخوان المسلمون ينتشرون الآن في أكثر من سبعين دولة ويحظون باحترام عالمي في كافة المحافل والمنتديات الدولية وهذا كفيل بتشكيل ضغط على الحكومة إذا حاولت توجيه ضربة إليهم.

ألقت الحملة التعسفية والإعلامية ضد جماعة الإخوان المسلمين في مصر بغيوم كثيفة في سماء العلاقات التي كانت شبه مستقرة بين الحكومة وحركة الإخوان المسلمين خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة في ظل تأكيد وزير الداخلية المصري اللواء حسن الألفي عدة مرات على أن جماعة الإخوان المسلمين بعيدة تمامًا عن حوادث الإرهاب والعنف التي بدأت تجتاح الشارع المصري. وكان آخر هذه التصريحات قبل حوالي شهر واحد فقط، إلا أن الأمر انقلب فجأة قبل أيام، وقامت سلطات الأمن -حسب تصريح وزير الداخلية المصري- باعتقال عشرة من كبار الإخوان، بعضهم أعضاء في مكتب الإرشاد، وغيَّر وزير الداخلية المصري اللواء حسن الألفي موقفه المعتدل من الإخوان، واتهمهم فجأة بالإرهاب. وفي نفس الوقت تم استدعاء المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين السيد: محمد حامد أبو النصر للتحقيق معه أمام نيابة الجيزة حول بيان تهنئة سنوي يصدره المرشد بمناسبتي عيد الفطر وعيد الأضحى، بعدما كان النائب العام قد ألغى طلبًا سابقًا لنيابة إمبابة لاستدعاء المرشد للتحقيق معه حول نفس الموضوع.

وقد قامت نيابة الجيزة في الأسبوع الماضي بالتحقيق مع المرشد العام على مدى ثلاثة أيام، واستغرق التحقيق ما يزيد على أربع ساعات يوميًا. وخرج التحقيق عن نطاق بيان التهنئة بالعيد الذي اتهم المرشد العام بتوقيعه؛ ليشمل عشرات الأسئلة حول طبيعة وظيفته ومسؤولياته وعمله كمرشد عام للإخوان المسلمين وأجهزة الجماعة وتشكيلاتها وأعضائها وعملها وانتشارها في أنحاء مصر.

وقد تواكب ذلك مع حملة قامت بها الصحف الرسمية وتوجتها مجلة المصور القريبة من سلطة اتخاذ القرار بنشر تفاصيل على ثماني صفحات في عددها الأخير عما أسمته: «الجهاز السري للإخوان المسلمين»، تضمن أسماء مسؤولي مكتب الإرشاد ومسؤولي المحافظات، وأهم الشخصيات البارزة والمعروفة من كبار الإخوان، وهي المعلومات التي حصلت عليها سلطات الأمن قبل أكثر من عامين عما أطلق عليه في حينه «قضية سلسبيل» التي مازال ملفها مفتوحًا حتى الآن رغم الإفراج عن كافة المتهمين السابقين في القضية، بعدما أكدت النيابة براءتهم من كافة التهم التي ألصقت بهم. ووعدت «المصور» أن تكشف في العدد القادم عما زعمته «خطة الإخوان السرية للسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد».

رأي المراقبين في هذا التصعيد

لقد ألقى هذا التصعيد الإعلامي والتعسفي المفاجئ ضد جماعة الإخوان المسلمين عشرات الأسئلة والتكهنات حول ما يمكن أن يتعرض له الإخوان المسلمون في مصر على أيدي السلطات خلال الفترة القادمة، خاصة في ظل الانتشار الواسع للإخوان المسلمين على الساحة المصرية، وازدياد حدة المعارضة للحكومة، وتناقص شعبيتها، وورود تقارير وتوصيات لدى بعض مراكز التفكير وصناعة القرار في الولايات المتحدة تؤكد عزم الولايات المتحدة على تغيير سياستها تجاه الحركات الإسلامية المعتدلة في المنطقة، وضرورة إتاحة الفرصة للجماهير كي تقرر مصيرها، وألا تقع الولايات المتحدة في خطئها الفادح السابق بالنسبة لموقفها من نتائج الانتخابات الجزائرية في عام 1992م، وما أدى إليه هذا الموقف من انهيار أمني واجتماعي واقتصادي شامل في الجزائر مازال مستمرًا حتى الآن.

لكن بعض المراقبين يطرحون هذا التصور جانبًا، ويؤكدون أنه في ظل تحكم اليهود في السياسة الخارجية الأمريكية وتأثيرهم على السياسة الغربية بصفة عامة، فإنه لا يمكن لليهود أن يسمحوا للحركة الإسلامية في أي قطر بأن تنهض أو تستقر أو يكون لها كيان قوي؛ لاعتقاد اليهود الجازم بأن الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين بصفة خاصة هم العدو اللدود للصهاينة، ليس من الآن ولكن منذ الصرخة التي أطلقها الإمام الشهيد حسن البنا في مصر عام 1926م، داعيًا أهل مصر للتبرع من أجل المجاهدين في فلسطين حتى يتمكنوا من مقاومة العصابات الصهيونية، ثم بلاء الإخوان المسلمين الحسن في حرب فلسطين عام 1948م، وما يقوم به أبطال حماس الآن على أرض فلسطين السليبة.

ويذهب فريق ثالث إلى أن هذا التصعيد الأمني والإعلامي يمكن أن تعقبه ضربة كبيرة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر لا تقل عن الضربتين الكبيرتين اللتين تعرضوا لهما على يد جمال عبد الناصر عامي 1954م و1965م. فقد كان انتشار الإخوان المسلمين وقتها في مصر كبيرًا، ومع ذلك فقد قبض عليهم عبد الناصر، وظلوا عشرين عامًا في السجون. وإن ما يسمى «بوثائق التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين» الذي نشرته مجلة «المصور» في الأسبوع الماضي، وما وعدت بنشره هذا الأسبوع تحت عنوان: «خطة الإخوان للسيطرة على الحكم»، والتحقيق مع المرشد العام بعد إلغائه؛ كل هذا يعتبر إرهاصات لضربة كبيرة سوف تتعرض لها الحركة في مصر. وبعيدًا عن هؤلاء وأولئك فإننا سوف نسعى لاستقراء الواقع؛ لأن استقراء الواقع دائمًا هو أفضل الطرق للوصول إلى نتائج واقعية.

بين 1954 و1994

يلعب الزمن دورًا هامًا في صناعة الأحداث وتوجيه القرارات، وإن الوعي السياسي والنضج الثقافي والفكري للأمة في عام 1994م يختلف دون شك عما كان عليه الوضع في عام 1954م، فالأمة كانت في عام 1954م لا تزال حديثة عهد بالاحتلال البريطاني وذيوله، وكانت خطة تثبيت «الكيان الصهيوني» في المنطقة لا تزال جارية، وكذلك بداية ترسيخ النفوذ الأمريكي الذي ورث النفوذ البريطاني والأوروبي. فكانت مرحلة ولادة جديدة كانت الأمة تبحث فيها عن زعيم يحقق أحلامها، ويثير عواطفها، ويؤجج آمالها، وينقلها من مرحلة الاستعباد إلى مرحلة الحرية والتمكين، وأن يحل الاستقلال محل الاحتلال. واستطاع عبد الناصر أن يخدع الجميع، وأن يبرز بهذه الصورة التي تبعتها العامة والدهماء، وصاروا يهتفون بحياة الرجل الذي جاء لينقلهم من عصر إلى عصر.

ودبّر عبد الناصر -بمعاونة خبراء دعاية غربيين- حادث المنشية في عام 1954م، واستطاع أن يضرب به ضربتين: الأولى: ضرب الإخوان المسلمين باعتبارهم منافسه الرئيسي والقوة الرئيسية في البلاد، والثانية: هي اكتساب شعبية كبيرة لدى العامة الذين كانت نسبة الجهل والفقر بينهم عالية، وقد لعب الإعلام الذي صنعه عبد الناصر وخبراء الدعاية الغربيين دورًا كبيرًا في اللعب على عقول الشعب.

ووجه عبد الناصر ضربته الأولى للإخوان في عام 1954م ودخل في ركاب اللعبة السياسية الدولية، ثم وجه ضربته الثانية للإخوان في عام 1965م معتمدًا على نفس أساليب الضربة الأولى.

لكن بين عام 1954 و1994م أربعون عامًا تعاقبت فيها الأجيال، وتغيرت فيها التصورات، وازداد التعليم والثقافة والفهم بين الناس، وإذا كانت نسبة العامة والدهماء عالية في عام 1954م، فإن نسبة المثقفين والمتعلمين أصبحت هي الغالبة في عام 1994، وأصبحت هناك معطيات جديدة، وصار هناك واقع جديد يستحيل معه أن تحدث عمليات قمع أو ضربات يمكن أن توجه للإخوان مثل التي حدثت على يد عبد الناصر في عامي 1954 و1965م. من أهم هذه المعطيات:

أولًا: واقع الإخوان على الساحة المصرية

فقد تغير واقع الإخوان على الساحة المصرية ما بين عام 1954 و1994 تغيرًا ملحوظًا، ولعبت فروق الأربعين عامًا دورها في امتداد الرقعة الإخوانية على الساحة المصرية، والتصاقها بهموم الناس والصلة المباشرة بهم عبر النقابات المهنية التي يدير الإخوان المسلمون غالبيتها، وعبر المستوصفات الطبية والمستشفيات الخيرية وجمعيات النفع العام والنوادي الرياضية ونوادي أعضاء هيئة التدريس والجامعات، حتى صار رجل الشارع يميز العمل الإسلامي الذي يقوم به الإخوان عن غيره.

ووصل إعجاب العامة والتفافهم حول الإخوان المسلمين في النقابات إلى درجة تأييد كثير من الأقباط، بل وأعضاء الحزب الوطني للقوائم الانتخابية الإخوانية في النقابات المهنية ونوادي أعضاء هيئة التدريس.

وقد كان الأداء المنظم والسريع والمميز للإخوان المسلمين حينما وقع الزلزال في العام قبل الماضي مثار جدل كبير حول المدى التنظيمي الشعبي الذي وصل إليه الإخوان المسلمون في مصر، حيث تحرك الإخوان فور حدوث الزلزال لتقديم المساعدات العاجلة للمنكوبين من الخيام والطعام والإيواء ومعالجة المرضى والمصابين، في الوقت الذي لم تتحرك فيه الحكومة إلا بعد يومين من حدوث الزلزال، وقد ركزت وسائل الإعلام العالمية على هذا الحدث في حينه.

أما في الجامعات فقد زادت نسبة الإخوان المسلمين سواء كانوا من الطلبة أو أساتذة الجامعات في مصر في عام 1994م عما كانوا عليه في عام 1954م أضعافًا مضاعفة، خاصة أعضاء نوادي هيئة التدريس التي يديرها الإخوان، والتي يمثل أعضاؤها النخبة العلمية الرفيعة في البلاد.

علاوة على إدارة الإخوان المسلمين لكبرى النقابات المهنية في مصر بعد اختيار المهنيين الذين يمثلون شريحة الشعب الكبرى لهم في نقابات المهندسين التي يتبعها أكثر من (180) ألف مهندس، والأطباء التي يتبعها أكثر من (90) ألف طبيب، والمحامين التي يتبعها أكثر من (130) ألف محامٍ، والمعلمين التي يتبعها أكثر من (750) ألف معلم، علاوة على نقابات الصيادلة والزراعيين والتجاريين والعلميين ونقابات أخرى عديدة.

وهذا ثقل هائل في المجتمع المصري، ومعنى توجيه ضربة إليه هو شل الحياة في مصر، وخلق مواجهة كبيرة مع عامة الشعب، وليس مع الإخوان المسلمين وحدهم.

ثانيًا: الانتشار والثقل العالمي للإخوان المسلمين

لقد أدت الضربات التي وجهها عبد الناصر للإخوان المسلمين خلال عامي 1954 و1965م إلى فرار كثير من الإخوان المسلمين من مصر، حيث توجهوا لكثير من الدول العربية والأوروبية والأمريكيتين، واستطاع كثير منهم أن يكون له تأثيره في المحيط الذي يوجد فيه. فأدى هذا إلى إيجاد ثقل عالمي للإخوان المسلمين انتشر بصورة منتظمة في أكثر من سبعين قطرًا، وهذا الانتشار له دون شك تأثيره على الواقع الدولي. وقد أصبح للإخوان المسلمين مكانة عالمية مرموقة لدى كافة المحافل والمنتديات الدولية، واحترام دولي من خلال أدائهم المسالم، وفكرهم الناصع، وترابطهم القوي.

ولا شك أن الترابط الإسلامي والقلبي والفكري والعقائدي بين الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم سيكون له تأثيره ليس على الحكومة في مصر فحسب، وإنما على كافة المؤسسات الدولية، وجمعيات حقوق الإنسان العالمية، ومراكز التأثير وصناعة القرار في المؤسسات الغربية.

ويكفي أن تنهال ملايين البرقيات على تلك المؤسسات من الإخوان المنتشرين في أنحاء الدنيا، حتى تتحرك هذه الجمعيات وتلك المؤسسات لتطبق ادعاءاتها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد أثبت الرأي العام دوره الفعلي في مثل هذه القضايا.

وإذا كان الكاتب إحسان عبد القدوس قد كتب عن الإخوان المسلمين في مصر في الأربعينيات وقال: هؤلاء الإخوان المسلمون يصل ترابطهم فيما بينهم إلى درجة إذا عطس أحدهم في الإسكندرية قال له من في أسوان «يرحمكم الله»! فإن هذا القول يمكن أن ينطبق الآن على الإخوان المقيمين في مصر، والمقيمين في الولايات المتحدة، أو في أي بقعة أخرى من بقاع العالم.

ثالثًا: صحف وأحزاب المعارضة في مصر

كذلك فإن وجود بعض أحزاب المعارضة مع صحفها التي تتمتع بهامش من الحرية تلعب دورًا كبيرًا في إيجاد واقع مغاير للواقع الذي تمكن فيه عبد الناصر من الإخوان مرتين حتى وإن كانت هذه الأحزاب والصحف تلعب دورًا ضمن إطار محدد ومرسوم لها لا تستطيع الخروج عنه، إلا أنه له تأثيره في الشارع المصري. ولعل المبيعات الهائلة التي أصبحت تحققها صحف المعارضة في مصر مقارنة بالصحف الرسمية تظهر هذا التأثير، وتؤكد هذا الواقع المغاير.

رابعًا: الانفتاح على وسائل الإعلام العالمية

فقبل أربعين عامًا لم يكن هناك سوى أجهزة الراديو الكبيرة، ولم يكن يُسمع سوى الإذاعات الرسمية التي تمجد طوال اليوم في عبد الناصر، وتسبح بحمده، ولم يكن المواطن يسمع سواها. كما أن غلاء هذه الأجهزة لم يكن يُمكن سوى الأغنياء فقط من امتلاكها. كما أن التلفزيون لم يدخل مصر إلا في أوائل الستينيات، وكان يلعب نفس دور الإذاعة، ولم يكن يملكه سوى أفراد قليلين في كل مدينة أو قرية، وكان الجميع يردد كلمات عبد الناصر وخطبه وأقواله، ولا يعرفون سواها. أما الآن فقد تطورت وسائل الإعلام العالمية، وتطور أداؤها، وصار المذياع هو أنيس الفقير قبل الغني، وأصبحت أجهزة الاستقبال العالمية معلقة فوق معظم البيوت، وأصبحت قنوات التلفاز العالمية، مثلC.N.N  و B.B.Cتدخل كل البيوت، ويشاهدها جميع الناس، ويتابعون الأحداث في حينها عبر شاشاتها.

وبعدما فقد المواطن ثقته في وسائل الإعلام الرسمية أصبحت وسائل الإعلام العالمية هذه من راديو وتلفزيون وصحف هي وسيلته لمعرفة الأخبار والحقائق، وأصبح راديو الترانزستور الصغير في متناول أي مواطن في أبعد نجع من النجوع أو كفر من الكفور، وأصبحت إذاعة لندن وإذاعة صوت أمريكا هي مصدر الأخبار الرئيسية لدى المواطن العادي، وأصبحت بما تبثه من تقارير وأخبار -بعضها يتحرى حيادًا ومصداقية وحقائق- هي محور مناقشاته وفهمه، وليس ما تبثه وسائل الإعلام الرسمية. وبالتالي فلقد لعب الإعلام العالمي ويلعب دورًا هامًا في إيجاد واقع مغاير اليوم 1994م عن واقع 1954م.

خامسًا: الأنظمة الغربية التي تتشدق بالديمقراطية

لم يكن بين نهاية الحرب العالمية الثانية وعام 1954م سوى عشر سنوات لم تكن كافية لتبلور كثير من الدعايات الغربية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وغيرها من الشعارات التي برزت خلال العقدين الأخيرين بوضوح. وإذا كان الواقع قد أثبت أن حديث الغرب عن الديمقراطية حينما يمس العالم الإسلامي لا يكون سوى مجرد دعايات، وأن مصالح الغرب وليس شعاراته هي المحرك الرئيسي لمواقفه، إلا أن هذه الدعايات تلعب -دون شك- دورًا ولو بسيطًا في التأثير على هذا الواقع، ولو من الناحية الدعائية. وإن ما يحدث في الجزائر الآن من فوضى أمنية لها تأثيرها -دون شك- على مصداقية الغرب الذي اضطر لإعادة النظر في مواقفه من جديد.

سادسًا: جمعيات ولجان حقوق الإنسان العالمية

وهذه أيضًا تلعب دورًا هامًا في التخفيف من عمليات القمع والاضطهاد والتعذيب والاعتقالات، ويبدو هذا واضحًا من تقارير منظمة العفو الدولية و«ميديل ايست ووتش» و«المنظمة العربية لحقوق الإنسان». وأن مجرد تداول تقارير هذه المنظمات عبر وسائل الإعلامية العالمية يكون له تأثيره على النظام المعني، ودوره في تخفيف الضغوط عن الحركة الإسلامية، وهذا واقع جديد لم يكن متوافرًا بهذا الشكل حينما تعرض الإخوان لضربات عبد الناصر في عامي 1954 و1965م.

سابعًا: الحسابات الخاطئة لمن يبطشون بالإخوان

فحسابات الزمن والتاريخ الواقعي أثبتت أن كل من بطش بالإخوان كان هو الخاسر، وكان الإخوان يخرجون من كل محنة أقوى مما دخلوها، وأن حسابات عبد الناصر حينما اعتقد أنه سوف يبيد الإخوان كانت حسابات خاطئة، حيث دمر بلاده وقادها إلى الإفلاس والهزائم المتتالية، بعدما كانت من أغنى الدول، وغرقت مصر في ديون لا حصر لها. وتمكن الإخوان الفارون من بطش عبد الناصر أن ينشروا دعوة الإخوان في أرجاء الدنيا، ومات عبد الناصر في عام 1970 وخرج الإخوان من المحنة أقوى مما دخلوها.

وحينما بطش السادات بقيادات الإخوان مع القوى الوطنية الأخرى عام 1981م، كانت حساباته خاطئة أيضًا، ودفع حياته ثمنًا لفعلته. وخرج الإخوان أقوياء من محنتهم، فشاركوا في الانتخابات البرلمانية، ونجحوا في النقابات المهنية، وأصبحوا القوة السياسية الرئيسية على الساحة المصرية، وأصبح المساس بهذه القوة لا يعني إلا الصدام المباشر مع إرادة الشعب.

ثامنًا: وجود تيار وطني داخل الحكومة

فإذا كان العلمانيون والناصريون وأصحاب المنافع الخاصة والموالون للغرب والتطبيع مع اليهود الذين يوجدون في السلطة ومواقع التأثير واتخاذ القرار يدفعون الحكومة للمواجهة مع الإخوان لإدراكهم أن هذا هو الضمان الوحيد لبقائهم في مواقعهم، فإننا لا نستطيع إنكار وجود تيار وطني داخل صفوف الحكومة يعمل على الحيلولة قدر المستطاع دون وقوع هذه المواجهة ودون حدوث الصدام، وهذا التيار الوطني حتى وإن كان ضعيفا إلا أنه له تأثيره، وقد بين الله لنا تأثير مؤمن بني فرعون حينما قال لقومه: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: 28- 29).

ومن المؤكد أن هناك بعض الشخصيات الوطنية الحريصة على مصالح البلاد تعمل داخل الحكومة، وتحاول أن تلعب دورًا متوازنًا لا يؤدي إلى صدام بين الحكومة والإخوان سيؤثر -دون شك- على كافة الأوضاع في البلاد.

إن هذه العوامل وغيرها كفيلة بأن تؤكد على أن توجيه ضربة للإخوان المسلمين في مصر شبيهة بالضربات التي وجهها عبد الناصر خلال عامي 1954 و1965 هو أمر لن يكون سهلًا، وستكون عواقبه وخيمة للغاية؛ لأن توجيه ضربة للإخوان المسلمين في مصر الآن مع أدائهم الوطني المشرف في كافة المواقع والمجالات التي يتواجدون فيها وانتشارهم اللامحدود في كل المواقع- هو توجيه ضربة للوطنية المصرية وللأداء المخلص الدعوي المسالم الذي استطاع الإخوان أن يثبتوه عبر النقابات ونوادي أعضاء هيئة التدريس وجمعيات النفع العام والمستوصفات الطبية والمستشفيات الخيرية، من خلال تقديمهم للبديل الإسلامي في كافة المجالات، وبروزهم في الحوار السياسي المتزن، وقناعة رجل الشارع بهم.

كما أن تردي الأوضاع الاقتصادية وعدم قناعة رجل الشارع بالوعود والشعارات الطنانة والخطب الرنانة وانتشار الفساد الإداري والرشاوي، كفيل بأن يجعل رجل الشارع يغير موقفه السلبي إلى موقف إيجابي إزاء ما يحدث. ولا شك أن انتشار الوعي السياسي وارتقاء المستوى الثقافي لدى الناس جعل فهم الناس للأحداث اليوم غير فهمهم بالأمس.

وإذا كانت وسائل الإعلام الرسمية اليوم تنهج نفس ما نهجته وسائل الإعلام قبل أربعين عامًا فيجب أن يدرك القائمون عليها أن الزمن قد تغير والأجيال قد تبدلت، وأن الأكاذيب والافتراءات وأساليب الخداع لم تعد تؤثر في أحد، وأن الذين لا يزالون يعيشون في الماضي قد تجاوزهم قطار الزمن، هذا على الصعيد المحلي.

أما على الصعيد العالمي فإن الأسباب التي سبق الإشارة إليها كفيلة بأن تشكل ضغطًا عالميًا لا تستطيع الحكومة في مصر تحمله مع الضغوط الداخلية الملقاة على عاتقها. أما الذين يتحدثون عن النفوذ اليهودي فإن هذا النفوذ مهما بلغ لن يستطيع أن يتجاوز تأثيره بعض الأفراد الموجودين في السلطة الذين يدعمون التطبيع ويوالون اليهود.

أما الشعب المصري فقد أكد عمليًا كراهيته للتطبيع أو السلام مع اليهود، ويعتبر اليهود هم أعداء الأمة الألداء، وإذا كان اليهود قد عجزوا عن القضاء على مجاهدي حماس الموجودين داخل فلسطين المحتلة، فأنى لهم أن يتمكنوا من مواجهة حركة إسلامية عالمية تتواجد بصورة منتظمة في أكثر من سبعين قطرًا. ولعل ما لاقاه اليهود على أيدي مجاهدي الإخوان المسلمين في فلسطين عام 1948م لم ينسوه حتى الآن.

ولعل مجاهدي حماس يواصلون ما بدأه مجاهدو الإخوان قبل أكثر من ستة وخمسين عامًا؛ ليدرك اليهود أنهم لن يقر لهم قرار على أرض فلسطين السليبة، وأن كل محاولة للقضاء على الإخوان المسلمين ستبوء بالفشل والخسران.

إن كافة المحللين والمراقبين المحايدين سواء كانوا عربًا أو غربيين يؤكدون -من خلال هذه المعطيات الواقعية- أن دخول الحكومة المصرية في مواجهة مع الإخوان المسلمين سيكون وليد حسابات خاطئة ستدفع البلاد -دون شك- إلى مستنقع مخيف لا يقل عن مستنقع الجزائر.

ويؤكدون أن كل القوى الإسلامية والوطنية الشريفة ستتحرك عالميًا للضغط بقوة على الحكومة المصرية بعدما أصبح رصيد الإخوان التاريخي والواقعي والعالمي أكبر بكثير من محاولة للقمع أو اتهامات بالباطل والتزييف، والافتراء من قبل السلطة.

وإنها الحقيقة التي لا مفر منها، وإنه الواقع الذي سيفرض نفسه على كل من يرفض التعامل معه، وإن أساليب ووسائل الأمس لن تستطيع أن تواكب حقائق اليوم، وإن سنن الله غلابة وأقداره نافذة، ومن يغالب الله يغلب ولو بعد حين: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2060

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟