العنوان زيارة الزبير ألغت زيارة جارانج.. نائب الرئيس السوداني عرض «صفقة متكاملة» على مصر لتحسين العلاقات
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1275
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
قبل بضعة أسابيع انفردت المجتمع بنبأٍ يفيد أن مصر وافقت على حلِّ مشكلة الجنود السودانيين المحاصرين في حلايب، وقبلت أن يستبدلهم السودان وعددهم تسعون جنديًا بغيرهم، ولم تكن هذه الخطوة سوى جزء من اتفاق موسع بين وزيري خارجية البلدين- وبضوء أخضر من الرئاستين -لبدء خطوات أوسع نحو تحسين علاقات البلدين وقطع أواصر الصلة بينهما، كما أضعف وهدد مصالح كل منهما، ولذلك عندما زار الفريق الزبير محمد صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية السوداني القاهرة، كانت الزيارة مفاجأة لغير المتابعين للملف السوداني وغير مفاجئة لغيرهم من القريبين من هذا الملف.
ورغم أهمية الزيارة ونتائجها غير العادية، فقد وضح أن هناك رغبة مشتركة في التكتم على التفاصيل باستثناء الحديث عن قرب استئناف الملاحة النهرية بين البلدين وتسهيل إجراءات انتقال المواطنين وتسهيل وزيادة حجم التجارة بين البلدين، إلا أن الحقيقة أكبر من ذلك، فقد عرض الفريق الزبير على الرئيس مبارك ليس فقط مجرد خطوات للمصالحة، وإنما «صفقة متكاملة» لإصلاح العلاقات بين البلدين تتضمن استجابة كل طرف لمطالب الآخر واستعداد السودان للذهاب لأبعد الحدود لإصلاح علاقات البلدين كون المؤامرات تتزايد على البلدين والظروف المحيطة والمستقبلية تتطلب أكثر من التنسيق بينهما، فمؤامرات الأعداء لتقسيم السودان أصبحت علنية ولا يمر شهر إلا وتتم عمليات غزو الحدود السودان الشرقية والشمالية، كما أن حركة التمرد حصلت على أسلحة حديثة بشكل مريب في الآونة الأخيرة، وأصبحت تهدد بجدية كبرى مدن الجنوب وبوابة شمال السودان جوبا وبدعم غير خفي من إسرائيل وجهات تبشيرية واستخبارية أجنبية، أما أهم معالم هذه الصفقة المتكاملة فتتلخص في مطالب السودان لمصر عدم استضافة أي من رموز المعارضة الشمالية أو الجنوبية بشكل رسمي على اعتبار أن ذلك يتعارض مع أساسيات علاقات البلدين وخصوصًا أن السودان لا يعامل مصر بالمثل، وأن تقف مصر بحزم ضد محاولات تقسيم السودان ولا تكتفي بالإعلان عن وقوفها مع وحدة السودان وأن تعيد العلاقات لطبيعتها بما في ذلك تعيين سفير جديد في الخرطوم «لا يوجد سفير مصري في الخرطوم منذ عامين»، وبالمقابل فإن السودان مستعد للاستجابة لأي من المطالب المصرية الأمنية أو السياسية بما في ذلك السماح لوفد من الأمن المصري بالتفتيش على ما تقول إنها أوكار للإرهابيين المصريين في السودان، وقد تردد أن استكمال المفاوضات بين الوفدين المصري والسوداني في الإسكندرية تطرق التحديد مواعيد لبدء عمل اللجان الأمنية والإدارية والسياسية المشتركة بشكل سري لحين التوصل لحل لأهم وأعقد الملفات بين البلدين، وقد شكلت زيارة الزبير للقاهرة صدمة للمعارضة السودانية، فقد تصورت المعارضة بعد لقاء الرئيس مبارك مع زعيمي حزب الأمة «المهدي» والاتحادي «الميرغني» ولقائه أيضًا بشكل غير معلن مع جون جارانج في الخارج أن موقف القاهرة بدأ يميل أكثر لصالح التعامل مع المعارضة باعتبارها الحكومة المقبلة، ولذلك قدمت طلبًا للمسؤولين المصريين لعقد المؤتمر السادس للتجمع الوطني المعارض في مصر.
وتحركت حركة التمرد أيضًا وحاولت ترتيب زيارة لجارانج للقاهرة بحجة حضور المؤتمر بهدف واضح هو تسجيل النقاط قبل بدء المفاوضات بين الحكومة السودانية والتمرد في نيروبي بكينيا، بيد أن صمت القاهرة آثار ريبة المعارضة السودانية ثم جاء رفض عقد مؤتمر المعارضة في مصر من منطلق أن القاهرة لا تقبل عملًا سياسيًا معارضًا ضد دولة عربية ينطلق من أراضيها وأخيرًا جاءت زيارة الزبير التي سبق الترتيب لها بين خارجية البلدين لتنسف أماني المعارضة وتلغي تمامًا محاولات جارانج الحضور للقاهرة واتخاذها منبرًا للهجوم على حكومة السودان.
ومن الواضح أنه مثلما أرادت الحكومة السودانية الاستقواء بموقف الحكومة المصرية، فقد كانت القاهرة حريصة أيضًا على أن تنهي هذا الخلاف الواسع مع حكومة السودان لعدة أسباب منها:
1– أن مصر تدرك ضعف المعارضة وعدم قدرتها الفعلية على التأثير على الأحداث، وأن مصلحة مصر في التعاون مع الطرف الذي يمسك بدفة الأمور في الخرطوم.
2- أن القاهرة أطلعت بالفعل على معلومات وملابسات تفيد وجود مؤامرة ضد السودان تستهدف وحدته وفصل الجنوب عن الشمال وأن المتآمرين يلعبون على وتر أن السودان وحيد في الساحة، ولأن عدم استقرار السودان يضر بأمن مصر القومي خصوصًا أنها تستأمن السودان على مياهها التي تأتي عبر نهر النيل، فقد كان لا بد من إنهاء القطيعة.
3- أن القاهرة بدأت مشاريع طموحة لتعمير سيناء وبناء وادي جديد في توشكا يحتاج إلى ما لا يقل عن ١٠ ملايين متر مكعب من المياه سنويًا، كما بدأت تنقل مياه النيل عبر ترعة السلام إلى سيناء وهو ما يعني احتياجها مستقبلًا لحصة أكبر من حصتها الحالية من مياه النيل «155 مليار متر مكعب» خصوصًا في ظل التوسع السكاني والزراعي «سيتم زرع ٦٠٠ ألف فدان جديدة في سيناء»، ولأن السودان لا يستفيد حاليًا من كامل حصته من المياه «18 مليار متر مكعب» كما أن هناك مشروعًا مصريًا سودانيًا متوقف في جونجلي لإنشاء قناة سوف توفر قرابة (۱۰) مليارات متر مكعب أخرى للبلدين، فمن الضروري أن يكون هناك تحسن في علاقات البلدين لترتيب وتنسيق ملف المياه خصوصًا أن أثيوبيا بدأت بدورها السعي لإنشاء عدة خزانات على النيل قد تؤثر على حصة مصر والسودان معًا.
٤- أن القاهرة أصبحت الآن بعيدة عما يجري في الخرطوم وعزلت نفسها -بسبب الخلافات بين الحكومتين- خصوصًا عن ملف الجنوب في وقت عقدت فيه حكومة السودان معاهدة سلام مع عدد من الفصائل السودانية الجنوبية وتستعد لعقد اتفاق مع الفصيل الرئيسي للمتمردين بزعامة جون جارانج، بل إن ما قبلته الخرطوم في هذه المعاهدة مع الجنوبيين يقلق مصر كثيرًا بسبب ما يحتويه من النص على «حق تقرير المصير» وهو ما يعني السماح بفصل الجنوب عن الشمال «أي فصل مناطق التحكم في مرور مياه النيل، وبالتالي تهديد الأمن القومي المصري بشكل خطير.
وليس سِرًّا أن هذه المسألة بالتحديد قد لقيت مناقشة مستفيضة بين المسؤولين المصريين والسودانيين وشرح الزبير للرئيس مبارك تفاصيل هذه المعاهدات، فالمعروف أن مصر احتجت علنًا على الاتفاق الأوَّل مع ستة من الفصائل الجنوبية واحتجت تحديدًا على مسألة حق تقرير المصير، ومن الواضح أن الزيارة سوف تتبعها مفاوضات مكثفة بين مسؤولي البلدين، وأن هناك إجراءات سريعة لتحسين العلاقات سوف تجرى قريبًا إذ إن الأخطار لم تعد تمس مصر والسودان على حدة بل البلدين معًا..