; مضلات الفتن | مجلة المجتمع

العنوان مضلات الفتن

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الأحد 05-أبريل-1992

مشاهدات 66

نشر في العدد 996

نشر في الصفحة 36

الأحد 05-أبريل-1992

الفتن والابتلاءات في تاريخ المسلمين

كلما خارت قواي وظننت أن الاستسلام للتيار أجدى، تأملت القرآن وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فتردد صدى:

في ضميري دائمًا صوت النبي *** آمرًا: جاهد وكابد واتعب

صائحًا: غالب وطالب وادأب ** صارخًا: كن أبدًا حرًا أبي

كن سواء ما اختفى وما علن *** كن قويًا بالضمير والبدن

كن عزيزًا بالعشير والوطن *** كن عظيمًا في الشعوب والزمن

 

فلا يحس المسلم بعزلة حين يعمل من أجل عقيدته، فالإسلام لا يصبح عنده دينًا جديدًا لا ماضي له، إنما هو حلقة طويلة من الكفاح بين الخير والشر تمتد منذ النفخة الأزلية: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (ص: 71- 72) لتصله بالله: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ (النجم: 42) وما بينهما: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 99) فهو من النور إلى النور، ويمضي في طريقه ليرى عن يمينه وعن شماله رسلًا ومصلحين: كإبراهيم وشعيب وزكريا من الشيوخ، وأهل الكهف وأتباع موسى ويوسف من الشباب، وإسماعيل ويحيى من الصبية، وحياة المهد عند عيسى عليه السلام، كما يرى الثبات في العمل فترة طويلة في نوح وجهاده المرير، وإبراهيم الشيخ الكبير. وفي جهاد النساء نجد العجوز كسارة، والفتاة كمريم وابنة شعيب وأخت موسى.

 

وفي توزيع الإيمان على الأسرة نجد المجاهد وله والد كافر كما في قصة إبراهيم، ومن له ولد كافر كنوح، وكزوجة تخون رسالة زوجها كامرأتي نوح ولوط. ونجد المرأة الصالحة في بيت الظلم كامرأة فرعون.

 

وتتلون نماذج البلاء لهؤلاء؛ فالسجن ليوسف، والهجرة خوفًا من القتل والتكذيب كخروج موسى وبني إسرائيل، والحريق لإبراهيم وأصحاب الأخدود، والتشريد للوط: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: 82).

والمؤامرات في قصة صالح: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ *وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النمل: 48- 51).

 

العاقبة للمتقين وتاريخ الفتن

وذكر لنا القرآن انتصار الدعوات: نوح بإغراق أعدائه، وعيسى بنصره عليهم، وذلك في حياتهم أو بعد مماتهم، فكانت العاقبة للمتقين، وجند الله هم الغالبون. وهكذا يجد كل إنسان مجاهد له قدوة وأسوة ونموذجًا من هؤلاء، فلا يحس بالغربة، بل بالأنس، وهو يرى من حوله الفتن تموج كموج البحر لابتلائه وتمحيصه واختباره، فهي سنة الله قد خلت في عباده وخسر هنالك المبطلون: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2). فالإنسان خلق مبتلى، فإن كان أنبياء الله اختبروا نوح بابنه، وإبراهيم بتكذيب قومه وإلقائه في الجحيم والهجرة إلى واد غير ذي زرع وذبح ولده، ويعقوب بفقد ولديه، وأيوب بالمرض، ويوسف بالسجن، ومحمد بالاتهام والصدود: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (ص: 4). وابتلي الصحابة؛ فمنهم من مات تحت العذاب، ومنهم من ضرب حتى أغمي عليه، أو عمي، وهاجروا خوفًا، وجاعوا وقاسوا الأهوال وكابدوا المشاق وعرضت عليهم الفتن كالحصير عودًا عودًا، ﴿فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: 34) وصبروا على هذه الفتن واعتزلوها، واستعاذوا منها كما استعاذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن.. وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون».

 

وإن السعيد لمن جنب الفتن. ومن أشد الفتن إيلامًا اختلاف الآراء، والشح المطاع، والهوى المتبع، والدنيا المؤثرة، وإعجاب المرء برأيه، فتتعدد الرايات وتكثر المقالات حتى يضمحل أثر الإسلام وتنبع الفتن وتتوالد الأفكار الفجة الغريبة على الحس الإسلامي، وتبذر بذور الفرقة، ويبحث عن كل ما يوقد نيران الخلاف ويورث العداوة والبغضاء ويوغر الصدور، مما يذكرنا بكيفية بدء الفتن في الصدر الأول من الإسلام ومصدرها حينما جاءت من حيث أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو المشرق حيث يطلع قرن الشيطان وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض من العراق حيث نبتت بالأمس وتجددت اليوم، وقرن الشيطان: أمته وشيعته يأتي منهم الزلازل والبلايا والمحن والفرق الضالة والبدع، ففيها حصلت فتنة ابن سبأ والروافض على نحو ميلين من الكوفة، وفتنة الجمل بين عائشة وطلحة والزبير وبين علي، وفتنة صفين بين علي ومعاوية، وظهرت منها كل الفرق الباطلة كالجهمية أتباع الجعد بن درهم وجهم بن صفوان، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء، وانقسموا إلى عشرين فرقة، والروافض إلى اثنتين وعشرين والخوارج المكفرة إلى عشرين فرقة، والنجارية والجبرية والمشبهة والمجسمة والحلولية، وأئمة هؤلاء الفرق كلها خرجوا من حيث أومأ النبي صلى الله عليه وسلم، وقاتل عمر كان أعجميًا من سواد العراق، وابتدأت فتنة عثمان فيها أول مرة، واستشهد علي في الكوفة مطعونًا بخنجر ابن ملجم، وقتل الحسين في كربلاء، والحسن سقي سمًا فيها وطعن قبل ذلك فمرض منها ثم برئ فقعد على المنبر فقال: يا أهل العراق، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله تعالى فينا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33) فما زال يقولها حتى ما بقي أحد في المسجد إلا بكى. ولما سقي الحسن سمًا أوصى لأخيه الحسين وقد حضره الموت: «إن الحوادث والأحوال تشهد أن سفهاء الكوفة يخرجونك منها ويذلونك، فعزمت عليك أن تغادرها وتخرج منها»، فكانت وقعة كربلاء التي تدل على غدر أهل الكوفة وكيدهم وسفكهم دماء محرمة، وجورهم على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتنة القرامطة 278هـ في محرم الحرام أظهرها الزنادقة والملاحدة ومبيحي المحرمات في سواد العراق؛ حيث في عام 317هـ قتلوا الآلاف من الحجيج وألقوا جثثهم في بئر زمزم وتعلق بعض الناس بأستار الكعبة وقتلوهم وهم يطوفون ونزعوا كسوة الكعبة وأمر زنديقهم بخلع الميزاب، فوقع صاحبه فمات، وخلعوا الحجر الأسود وقال: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ومكثت عندهم اثنتين وعشرين سنة.

وادعى فيها المختار بن عبيد الثقفي النبوة، وحكمها الحجاج بن يوسف الثقفي، وقتل من المسلمين مائة وخمسة وعشرين ألفًا من الدماء المعصومة، ورجم الكعبة بالمنجنيق، وبسبب وزيرها ابن العلقمي بدأت فتنة التتار التي مزقت شمل المسلمين وأدالت دولتهم، وهكذا التاريخ يعيد نفسه، فهل تعتبر بفصوله وأحاديثه؟

ولكن نعلم أن هذه الابتلاءات والمحن إنما هي سنة من سنن الله تعالى الذي قال في كتابه العزيز: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186).

فالأذى المدفوع كثير حيث تشن حرب كلامية لتشويه دعوة الله وتلويث سمعة الدعاة والتشكيك في مسيرتهم وسريرتهم، أسلحتها الدس والتحريف والافتراء، ولا بد أن يوطن المؤمنون أنفسهم على احتمال مكارهها ويصبرون على تجرعها حتى يحق الله الحق.

وما كانت هذه الفتن إلا لتطهير الصف المسلم من المدعين المفتتنين، ولتربية المؤمنين وصقل معادنهم وزيادة رصيدهم ومقامهم عند الله، وللفت أنظارهم في أخطائهم وعيوبهم حتى يعرفوها ويتجنبوها، وحتى يعرف الضعفاء أن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان، وإنما حقيقة ذات تكاليف وأعباء وجهاد يحتاج إلى صبر واحتمال، فنسأل الله تعالى العون والثبات، ونعوذ به من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

 

الرابط المختصر :