; مطالب الحد الأدنى في تصريحات نائب سوري | مجلة المجتمع

العنوان مطالب الحد الأدنى في تصريحات نائب سوري

الكاتب يحيي البشيري

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-2000

مشاهدات 54

نشر في العدد 1429

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 05-ديسمبر-2000

لفت نظري تصريحات عضو مجلس الشعب السوري رجل الأعمال رياض سيف- مثلما لفت اهتمام وسائل الإعلام- حيث نقلت تصريحه يوم 13 نوفمبر إذاعة إم. بي سي، وإذاعة لندن، وغيرهما. 

إن الاهتمام الذي لقيه تصريح سيف يعود في رأينا بالدرجة الأولى إلى توقف الكثيرين وامتناعهم عن إبداء رأيهم لفترة طويلة تحسبًا للنتائج غير المرضية التي يتوقعها هؤلاء! 

هل سمح النظام بتسريب هذه الأنباء ونشرها لكونه يريد حقًا البدء في التغيير، ولكنه التغيير البطيء الذي لا يستعجل الأمور؟

أم هل وصل المثقفون والسياسيون ورجال الأعمال والمهتمون بقضايا البلد إلى حد من الإحباط وهم ينتظرون التغيير الذي تأخر مجيئه، ولم تظهر بوادره على الرغم من مرور أشهر على استلام الدكتور بشار الأسد خلفًا لأبيه، فكان لا بد من هذه التنبيهات والإشارات التي هي أكبر من الحجم المعمول به والمسموح له، والذي عبر عنه من قبل مثقف مثل أنطون مقدسي بقوله: «على الحكومة أن ترفع السيف عن ظهور الشعب»، بعد أن لم يجد ردًا على رسالته التي وجهها إلى الرئيس؟

أم أن هذه التصريحات هي ما طفح به الكيل على الرغم من اتساعه وكبر حجمه، وامتلائه منذ أكثر من ربع قرن، فجاء ما قاله النائب سيف على مبدأ: لم يعد في القوس منزع؟ 

أيًا ما كان الأمر فقد ربط رياض سيف بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي في وقت ترتفع فيه الأصوات لتدارك وإصلاح الوضع الاقتصادي، وهو وضع لا يستطيع أحد أن يتجاهله حتى من العاملين في تحرير الصحف الرسمية، يقول أسعد عبود في زاوية حديث الناس في صحيفة الثورة الحكومية يوم ١٦/٨/ ۲۰۰۰م «إن إصلاح واقع الأجور في سورية هو خطوة أولى لا بد منها من أجل الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي ومحاربة الفساد وإحقاق الحق، وإعمال القانون وغير ذلك»، ويضيف: «كيف تراه يفكر ذاك الذي يعتقد أنه يستطيع أن يقيم اقتصادًا ميمونًا اعتمادًا على جيوش من فقراء لا يجدون ما يسدون به حاجة حياتهم اليومية وهم فقراء إن كانوا يعتمدون على رواتبهم، وإن لم يكونوا فثمة ما يسلبهم قوتهم بحثًا عن مردود يكفيهم شؤون الحياة وإلى درجة أنهم جيوش أيضًا لا يمكن اعتمادها لبناء الاقتصاد الميمون». ويضيف: «لنفكر جميعًا بشيء تقدمه لتجعل من الراتب كتلة واحدة تستحق عليه بكامله التعويضات وبدلات النقل وغيرها.. لترفع الشرائح المعفاة من الضرائب «لنفتح السقوف!! ليرفعوا الحدود الدنيا أي شيء..». 

وتأتي الزيادة وقد رتب العاملون والمتقاعدون أوضاعهم المستقبلية على ما تخيلوه وطمحوا أن يكون، ولكن الزيادة الموعودة بنسبة ٢٥٪ للعاملين، و٢٠٪ للمتقاعدين التهمتها زيادة الأسعار، وكأن شيئًا لم يكن، بل زاد العب على الذين لم ينالوها أصلًا؟!

لقمة العيش

وعلى الوتيرة نفسها وفي الصحيفة نفسها، وذات العدد يقول إسماعيل جرادات - بعد أن ينس من طروحات وزير المالية وتنظيراته.. «إننا نريد أن نعيش بمستوى لائق يصون لنا كرامتنا.. لا تريد سوى تحقيق لقمة العيش النظيفة لنا ولأطفالنا، ونعتقد جازمين أن تحقيق ذلك ليس بالأمر المستعصي..». 

إذن هناك مقدمات لما قاله السيد رياض سيف أفرزها الواقع المتردي للحالة المعيشية ولكن سيف أضاف شيئًا جديدًا باعتباره عضوًا في مجلس الشعب ورجل أعمال، ويعيش في العاصمة، حيث تتم أكثر الصفقات وتدفع معظم العمولات، فيحمل الحكومة سوء التخطيط والتنفيذ، وأن المسؤولين فيها عن الاقتصاد مجموعة غير متجانسة وأنه لا بد من وجود شفافية في التعامل، كما لابد من إيجاد جو من الثقة لمن يريد أن يستثمر من الخارج، وحتى أبناء البلد الذين يقدرون على الاستثمار، وهو يعلم أن أموالًا طائلة للسوريين المقيمين والمهاجرين موزعة في قارات العالم ويمكن لو توقف الابتزاز الأمني والاستيلاء الاعتباطي والتحايل الذي يتخذ شكلًا رسميًّا أحيانًا أن تأخذ هذه الأموال دورها في إنعاش الاقتصاد وإنهاضه من كبوته التي طالت ويربط سيف بين هذا الوضع وبين الاحتكار السياسي الذي أدى بدوره إلى التدهور الاقتصادي والتفكك الاجتماعي، وهو احتكار يفصل المناصب والقوانين على قياسات تصدرها قيادة الحزب، بحيث تلغى الإرادة الشعبية التي طالما تغنى بها، بحجة أن الجماهير فوضت الطليعة الثورية في قيادة المسيرة واستشراف المستقبل. 

وحين سئل سيف من إذاعة لندن: هل يفهم من كلامك أن تكون هناك أحزاب معارضة؟ أجاب بالإيجاب، بل دعا إلى تداول السلطة وإنشاء أحزاب جديدة، ولما وجد المذيع منه هذه الإجابات غير المعهودة، سأله هل من الممكن مثلًا لمعارضة مثل الإخوان المسلمين أن يشاركوا؟ كان جوابه نعم، لماذا نلغي الآخر؟! 

وقد وجد الكثيرون في هذه التصريحات جرأة غير معهودة، ومتنفسًا، ووجد فيها آخرون الحد الأدنى من استحقاقات تجربة الثلاثين عامًا، ومرحلة ما بعد الأسد السابق، وإلا فأي غرابة أن يكون هناك تداول للسلطة، ولاسيما في بلد كسورية عرف عنه التعددية في المذاهب والأفكار والتوجهات، وعاش هذه التجربة طوال السنوات التي أعقبت الاستقلال؟ واعتاد أجواء الانفتاح وقبول الآخر.. فقد كان فارس الخوري- وهو نصراني - في رئاسة الوزراء لسنوات طويلة، وكان يصرح بأن وجود وزراء للإخوان ضمان للنزاهة والعدل، وكانت أسرة نصرانية دمشقية ومنها أسرة آل الخوري تعطي أصواتها للدكتور مصطفى السباعي. 

وأين الغرابة أن يكون هناك أحزاب معارضة، أو أحزاب جديدة؟! فسورية عرفت هذا المسلك السنوات طويلة قبل استيلاء حزب البعث في مارس ١٩٦٣م، ومصر عادت بعد مرحلة عبد الناصر إلى السماح للأحزاب، والأردن فتح المجال للأحزاب، وفي المغرب واليمن أحزاب، وفي دول الخليج العربي توجهات مختلفة وتجارب نيابية ومواقف معارضة للحكومات. 

وأي غرابة أن نسمع نقدًا من عضو من أعضاء مجلس الشعب.. وفي كل العالم نجد مجالس نيابية تحاسب الحكومات وتسقط الوزارات؟ وقد عرفت سورية هذا المسلك من قبل، وإذا كان النائب لا يتحدث عن معاناة الشعب ومأساة الوطن، فعن أي شيء سيتحدث؟! ولكن الغرابة أنه خلال سنوات طويلة لم يسمع صوت ولم يعرف في مجلس من هذه المجالس معارضة أو اتخاذ موقف؟! 

لم يطلب رياض سيف الشيء المستحيل، ولم يقل ما لا يمكن قوله ولكنه عبر عما تجيش به صدور وضمائر الكثيرين وعما بعده كثيرون أيضًا مطالب الحد الأدنى التي تحفظ كرامة الوطن والمواطن.

 

الرابط المختصر :