العنوان مطالعات في الأحْداث
الكاتب إحسان السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أغسطس-1979
مشاهدات 68
نشر في العدد 454
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 14-أغسطس-1979
- هل اتضحت المباركة الأمريكية لدخول القوات السورية إلى لبنان؟
- كيف نعي المهمة التي يمكننا أداؤها وتكفل لنا قيادة العالم من جديد؟
- حين تكشف «كوبا» الستر عن خرافة «عدم الانحياز».
«باتريك مرسييون»، كاتب متخصص في الدفاع الاستراتيجي، وخبير مدرعات، ومحرر عسكري في المجلات العسكرية المتخصصة، فرنسية وإنكليزية ويابانية، كتب في عدد مجلة الحوادث الصادر في ٢٧-٧-٧٩، مقالا تحليليًّا عن احتمالات الحرب السورية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، وختمه بقوله: «.. وخلاصة الحديث.. إن إسرائيل اليوم غير راغبةٍ كثيرًا في خوض حرب جديدة، كما أن سورية لا تملك الوسائل العسكرية اللازمة للحرب، بالإضافة إلى أنه ليس عند الدول الكبرى نية في تمويل حرب جديدة، وفي الواقع، هناك اتفاق ضمني على توزيع مناطق لبنان، مع إبقاء مجال المناورة السياسية دون أن يحاول أحد تخطي الحدود الحمراء».
ثم يقول: «.. هنا تكمن الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تتطارحها مباشرة سوريا وإسرائيل يومًا ما، وليس من مصلحة أحد محاولة حل هذه المشاكل باللجوء إلى القوة والتورط في مغامرات غير مضمونة، لكن لن تكون المرة الأولى في التاريخ التي تُوشك فيها الاعتبارات السياسية أن تتغلب على المنطق العسكري السليم».
ولعل ما قاله سليم اللوزي، في مكان آخر من العدد نفسه، يزيد الصورة التي نريد رسمها وضوحًا: «.. الآن، وبعد دخول الجيش السوري إلى لبنان، بدعوة من الرئيس اللبناني السابق سليمان فرنجية، ومباركة أميركية، وموافقة إسرائيلية، وتغطية عربية.. يواجَه الرئيس السوري حافظ الأسد بتهمتين: التهمة الأولى التدخل في شأن الشعب الفلسطيني وحقه في النضال، من أجل شخصيته وأهدافه الوطنية (كان كمال جنبلاط أول من وجه هذه التهمة)، والتهمة الثانية جاءت من الطرف الآخر (بعد اغتيال كمال جنبلاط)، فقد اتهم كميل شمعون وبيار الجميل وباقي «زعماء» الجبهة اللبنانية السوريين، بالرغبة في السيطرة على لبنان.
وعلى الرغم من أنه ليس لهاتين التهمتين تأثير عسكري مباشر ما دامت «الشرعية اللبنانية»، وأمريكا راضيتين بالوجود العسكري السوري، إلا أن التهمتين مزعجتان ومؤثرتان في الأوساط الدولية، باستثناء فرنسا الديغولية، فكوفده مورفيل يقول: إن سوريا دخلت لبنان دفاعًا عن النفس، لقد انفتح في جوارها سوق ثوري، كان لا بد لها أن تخوضه، وإلا أكلها المد اليساري الفلسطيني الإسلامي الذي كان يرفع شعار «محاربة الانعزالبين» فيستقطب مشاعر العرب في كل مكان، وعلى الأخص مشاعر المسلمون في سوريا».
من خلال مطالعة هذين الكلامين، كلام «مرسييون»، وكلام «اللوزي»، ومقارنتهما بالواقع الظاهر المكشوف لمن يتابع أحداث دخول سورية إلى لبنان، يمكن للمرء أن يخرج بالنتائج التالية:
- ليس من مصلحة إسرائيل اليوم إعلان الحرب على سورية، على الرغم من أنها قادرة على هذا، وللأسف، ذلك أن الوضع الحالي يخدم دولة العدو أكثر من أي وضع سواه، ومن هنا يتبين أن الزوبعات المثارة بين الحين والآخر، حول عزم دولة العدو على الصدام المباشر مع سورية، إنما هي دعاوى إعلامية تخدم الوضع القائم.
- لم يعد بعيدًا أن تتحقق توقعات «مرسييون»، أن تتطارح سورية ودولة العدو أسئلتهما مباشرة يومًا ما، حين تُوشك فيها الاعتبارات السياسية أن تتغلب على المنطقة العسكري السليم.
- ليس في أي مكان أي عاقل، يعرف ألف باء السياسة، أن ينكر أن دخول الجيش السوري إلى لبنان لأداء مهام مختلفة، كان بمباركة أمريكية، وموافقة «إسرائيلية»، لأنه ليس في استطاعة أحد أن يزعم أن إسرائيل لم تستفد كثيرًا من هذا الدخول، فقد حجمت حركة المقاومة الفلسطينية في لبنان، وبرزت دويلة سعد حداد المؤيدة من العدو إلى الوجود، وأُنهك الجيش السوري قبل أن يخوض أية حرب مع العدو.
- تبرير فرنسا لسورية دخولها إلى لبنان بأنه دفاع عن النفس، لعلمها بأهداف هذا الدخول، الأهداف التي قد تتفق مع بعض الأهداف الفرنسية في المنطقة.
قبل حوالي الشهرين، وفي حوار مع إحدي المجلات الأسبوعية، قال الدكتور سيمون جانجيه، أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية، في جامعة جنيف: إن التكنولوجيا الحديثة، والتطور العلمي بعد الحرب العالمية الثانية، قد أفرغا شباب أوروبا من كل الروحانيات، وليس هناك ما يملأ هذه الثغرة إلا الدراسات الإسلامية، فإن فيها راحة ممَّا يعانيه الشباب، لأن الإسلام دين ودنيا لا انفصال بينهما، إن العلمانية قد هوت بالشباب إلى قرار سحيق، وبدأ يبحث لنفسه عن مخرج، ولن يجده إلا في التكامل بين ما هو مادي وما هو روحي، وهذا هو ما يدعو له الإسلام، وأنا شخصيًّا، أفسِّر الحركات التي تظهر في الشرق بين الحين والحين، أنها رد فعل ضد العلمانية لمقاومتها قبل أن تغزو الشرق، فيُبتلى بالفراغ الذي ابتلي به الغرب.
ثم يضيف الدكتور سيمون قائلًا: إن الرغبة العميقة لدى الشباب المثقف في أوروبا هو أن يتعرف على الإسلام وحضارته، تلك الحضارة التي كانوا يقدمونها له على أنها حضارة بائدة، ولكنه يفاجأ كل يوم بأخبار عن العالم العربي والإسلام تجعله في شوق إلى معرفة الكثير عنه، وكما قلت، إن الشباب الأوروبي قد أفسدته التكنولوجيا والعلوم المتطورة وأفرغته من الروحانيات، والدراسات الإسلامية كفيلة بإعادة الاطمئنان إلى نفسه.
هذا بعض ما قاله الدكتور سيمون مُشاركًا عميد كلية الآداب بجامعة جنيف، في حوار نشرته إحدى المجلات الأسبوعية، كما ذكرت، وهو كلام بتنا نجد له أمثلة عدة من بعض رجالات الفكر والأدب في أوروبا وأمريكا، وهو كلام موضوعي يصور ازدياد حالة القلق والتوتر التي وصل إليها الشباب في أوروبا وأمريكا، بسبب محاولته التحليق بجناح واحد هو جناح المادة، دون التحليق بجناحي الروح والمادة، اللذين يحلق الإسلام بهما بمتبعيه.
ومأساتنا، نحن المسلمين، أننا نقرأ هذا الكلام وأمثاله، فنطرب له ونسعد به، دون أن يُحفِّزنا إلى الشعور بالمسؤولية الكبيرة المُلقاة علينا، في تقديم إسلامنا إلى هؤلاء الظامئين الحيارى، الذين يبحثون عمَّا ينقذهم من ضياعهم، ويُنجيهم من حيرتهم، التي تدفع بكثيرين منهم إلى الانتحار.
وحتى نكون منصفين، فلا نظلم المسلمين جميعًا بالتقصير في هذا السبيل، فإننا نجل لبعض الجمعيات والاتحادات الإسلامية العاملة في الغرب، جهدها الطيب في محاولة نقل الصورة الصحيحة للإسلام إلى هؤلاء الباحثين عن النجاة.
ولكن ما قيمة هذه الجهود الطيبة المتواضعة إذا ما قدمناها إلى الإعلام اليهودي العالمي والتبشيري الصليبي اللذين يرسمان ألف صورة وصورة فيها عن التشويه للإسلام؟ مما يجعل المحاولات المتواضعة التي أشرنا إليها تقف عاجزة عن أداء المهام العظام الموكلة إلى المسلمين، في التبليغ والدعوة والتبشير.
وستبقى هذه المحاولات قليلة الجدوى ما لم تؤيدها حكومات الدول الإسلامية، ومعظمها قادر على التأييد المادي والمعنوي، لجعل هذه الجمعيات والاتحادات تنجح في نقل الصورة الصحيحة للإسلام، إلى أكبر مجموعة من الناس.
كما أن سفارات وقنصليات هذه الدول في الغرب- والتي تُعد بالمئات- يمكنها أن تتشارك في هذه الرسالة الجليلة، بدلًا من أن تقصر مهمتها على منح تأشيرات الدخول، وإقامة الحفلات في الأعياد والمناسبات الوطنية.
يجب أن يفهم الغرب- بل العالم كله- أن النفط ليس الوحيد الذي نملكه ويحتاجون إليه، فلدينا أيضًا عقيدة الإسلام، التي تكفل للبشرية السعادة والهناءة في دنياها المعذبة، والغرب اليوم أشد ما يحتاج إليها، كما شهد ويشهد دائمًا مفكروه ورجاله.
فهل نعي- أفرادًا وجماعات وحكومات- أهمية الطريق الذي يمكننا السير فيه والمهمة التي نستطيع أداءها ممَّا يكفل لنا من ثم قيادة العالم من جديد؟
أبلغت «كوبا» عدة عواصم عربية أنها لن تقبل بإقصاء الرئيس أنور السادات من قمة هافانا للدول غير المنحازة، عندما تنعقد في الخريف المقبل، وتبرر كوبا موقفها هذا ضمنًا، بأن انحياز مصر للولايات المتحدة شبيه بانحيازها هي للاتحاد السوفييتي، وأن أية محاولة لاستبعاد مصر عن حركة عدم الانحياز على هذا الأساس؛ قد يؤدي إلى المطالبة باستبعاد كوبا في المقابل.
وهكذا تؤكد كوبا بشهادتها تلك خرافة عدم الانحياز.. الخرافة التي حيكت فيما حيك له لإبعاد الدول المسلمة عن الالتقاء فيما بينها على أساس العقيدة، فحين نجحت الدول الكبرى في جر بعض الدول المسلمة إلى أحد معسكريها، رسمت فكرة عدم الانحياز بديلًا عن الأحلاف والمعسكرات، لتضمن وقوف الدول المسلمة بعيدًا عن دينها، وارتباطها بغير رباط الإسلام.
لقد خُدعت حكومات العالم الإسلامي- ولا تزال- بهذه اللعبة؛ فاندفعت في حماس- يكاد يكون أعمى- في مناصرة فكرة عدم الانحياز والدعوة إليها، والمشاركة في مؤتمراتها، وهي تحسب أنها بذلك قد نجحت في الخلاص من الارتباط بتلك الدول الكبرى.
إن المتأمل البصير في المؤتمرات التي عقدتها دول ما يسمى عدم الانحياز، يكتشف حقيقة هذه الأُلهية الجديدة، التي وُفق في جعلها فخًّا وقعت فيه حكومات هذه الدول، منذ أيام عبد الناصر وسوكارنو وغيرهما.
فهل تعي حكومات الدول الإسلامية هذه الحقيقة وتعمل من أجل الرابطة التي تكسبها القوة فعلًا؟