العنوان مطالعات في الصحافة الإسلامية.. ماذا وجدت في أمريكا؟ ... وماذا افتقدته؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1978
مشاهدات 77
نشر في العدد 399
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 13-يونيو-1978
تحت هذا العنوان كتب سماحة الأستاذ أبو الحسن الندوي في العدد الأخير من مجلة «البعث الإسلامي» فقال:
«... إذا سئل من درس تاريخ العقائد والديانات، عن ديانة لا تنسجم مع المجتمع الأوروبي ولا تتجاوب مع طبيعته وعاداته في قليل أو كثير، فسيجيب بكل قوة وثقة، إنها هي الديانة المسيحية لا غير. وإذا تساءلنا: ما هو الدين الذي يستطيع أن يعيد إلى الطبيعة الأوروبية المضطربة القلقة الجامحة، قرارها وهدوءها، وأن يركزها في الاتجاه الصحيح، وأن يجعلها معتدلة متزنة، والذي يستطيع أن يجمع بين الوسائل والغايات وأن يوفق بين الأسباب والأهداف، ويتخذ خطة للإنسانية جديدة، ويهبها دمًا جديدًا وينصرف بالبشرية بأجمعها إلى الاتجاه الصحيح المستقيم؟ فيكون الجواب لدى كل من ينشد العدل والإنصاف، إن ذلك هو الإسلام ليس إلا»!
ولا غرو، فإن الإنسان لدى المسيحية مذنب بالولادة والفطرة، فكيف يتمشى مع ركب المدنية، وهو مثقل بالمعاصي والذنوب الفطرية، ويئن تحت وطأتها ويجب عليه أن يعتقد -بصفته مسيحيًا- أنه مذنب بالفطرة؟ فكيف يعتمد على نفسه ويثق بذاته ومواهبه؟ وكيف يستطيع أن يسخر الكون؟ وإذا كان هو مذنبًا، غارقًا في حمأة المعاصي والآثام إلى الآذان، نادمًا على صنيعه، فكيف يمكنه أن يجابه الكون، ويستخرج القوى الطبيعية من أعماق الأرض، ويسخر البحر، ويشق أمواجه ويحلم بالوصول إلى القمر والكواكب والسيارات؟
إذا اعتقد الإنسان أنه عاص بالولادة، قد كتبت له الذنوب والمعاصي، وهو في حاجة إلى كفارة عن ذنوبه، فكيف يتطلع إلى أن يقوم برحلة الفتوحات الكونية، وأني له أن يحلم بغزو الكون، والاكتشافات العلمية والتحقيقية، بجرأة واعتزاز وشجاعة واعتماد؟
والواقع إن ذلك كان جمعًا بين المتضادين، وتوفيقًا بين المتناقضين تناقضًا ينقطع نظيره ... فكأن يربط حصانان في عربة يجرانها في جهتين مختلفتين تمامًا، فهذا يجرها إلى اليسار وذاك يجرها إلى اليمين، وهذا يشدها إلى الأمام، وذاك يجرها إلى الخلف، فكانت أوروبا بطبيعتها المتحمسة المتطلعة تنطلق بشدة وحدة إلى الأمام، وكانت المسيحية تدفعها بنفس الشدة والقوة إلى الخلف، تدفعها إلى الرهبانية، وإلى القرار من الحياة، وكانت رجال الكنيسة تنادي بأن سر تقدم الإنسانية في العزلة من الحياة، وضوضاء المجتمع البشري، وإن أراد الإنسان الرقي الروحاني، فليلتجئ إلى الجبال والمغارات والكهوف، وليقف حياته على الكنيسة، وليضرب الحياة العائلية عرض الحائط، وليعتزل المرأة، وليتجنب ظلها وليتحاشى إلقاء نظرة إليها، اقرأ كتاب «ليكي» يدلك على أن الأوروبي كان يفر عن ظل المرأة ولو كانت أمه، كانت الأم تقوم برحلة طويلة، وتقطع مسافة طويلة، لتقر عينها على ولدها وفلذة كبدها وكان الولد يتستر عنها فور علمه بوصولها، ويفر عنها كما يفر أحد عن العفريت والجن، وكانت الأم تتراجع أدراجها بقلب منكسر دائم الحسرات، فهل يوجد في العالم نظير لهذه القساوة؟؟!
تلك هي المسيحية التي منيت بها أوروبا وأمريكا فكان أن لما بلغ السيل الزبى، وطم الوادي على القرى، وقرروا الثورة على الكنيسة، والتحرر من عبوديتها، ومن الدين، مهما كان، لأن كل ذلك -فيما كانوا يعتقدون- يقف حجر عثرة في سبيل النهضة والرقي، فرفضوا كل ما يمت إلى الدين بصلة، وقطعوا آخر خيط كان يربطهم بالكنيسة.
هذا وقد بدأ انحطاط العالم الإسلامي منذ أن قطع صلته عن الدين، وهنا حقيقتان واضحتان:
-ما شهدت أوروبا مظاهر التقدم إلا حينما رفضت المسيحية.
-وما انهار العالم الإسلامي إلا بعدما طوى كشحه عن تعاليم الإسلام.
عبيد الماكينات
على ذلك، فعادت أمريكا تعبد الماكينات، وتخضع للآلات، وبسطت أمريكا نفوذها على الشرق والغرب، وأضحت أخيرًا تملي على العالم إرادتها، وتدخل إصبعها في السياسة الدولية، وتديرها كيف تشاء، أصارحكم أيها السادة وأنا في قلب الولايات المتحدة، أن دول العالم كلها -بدون استثناء- إسلامية كانت أم غير إسلامية- خاضعة لأمريكا، مرتبطة بها ارتباط العبيد بالسادة، تابعة لها بوجه من الوجوه، وبطريق مباشر أو غير مباشر... ها هنا تتخذ تلك الخطط والمشاريع التي تطبق في بلادنا وأراضينا، وبيد قادتنا وزعمائنا.
ولئن كانت أمريكا استعبدت العالم كله، فإذا هي الأخرى، تعبد الأجهزة والآلات، وتعبد هذه البيئة، وتعبد هذا المستوى للحياة، وتعبد ماكيناتها وأدواتها التي لا تستطيع أن تعيش بدونها. والشيء الوحيد النادر المفقود، الذي لا أجده، هو الإنسان. ذلك الإنسان الحقيقي الذي يحمل في صدره قلبًا حيًا نابضًا، متدفقًا، لا ماكينة متحركة، فقد خضع الإنسان لحياة الماكينات خضوعًا جعله لا يفكر إلا في الماكينة، وأصبحت خواطره ومشاعره كلها ماكينات، تتسم بمزايا الجمادات، والفولاذ، فلا رقة فيها، ولا مرونة، ولا لين فيها ولا نعومة، وقد بعد عهد العيون بالدموع، وعهد القلوب بالخشوع، تلك هي الحقيقة التي لمستها في الولايات المتحدة الأمريكية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل