; مظلة ريغان قاسم مشترك بين المتحاورين في جنيف | مجلة المجتمع

العنوان مظلة ريغان قاسم مشترك بين المتحاورين في جنيف

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1983

مشاهدات 50

نشر في العدد 644

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 08-نوفمبر-1983

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 93).

     المذبحة التي كانت وشيكة بدأت منذ الجمعة الماضي في مخيمات اللاجئين، وكأن الإجراءات التي كان يرعى تنفيذها على الساحة اللبنانية المبعوث الأمريكي في جنيف (ريتشارد فير بانكس) عبر مؤتمر الحوار- انطلقت من شعار الرهبانية اللبنانية:

«على كل لبناني أن يقتل فلسطينيًا»، ولكن القتل يأتي في أعقاب جنيف الذي عقد تحت مظلة ريغان، على أيدي الوحدات السورية الخاصة، فهل وحد مؤتمر الحوار في جنيف الرؤية بين جميع الأطراف، بحيث كان قاسم الوفاق المشترك بينهم هو تصفية ما بقي من الوجود الفلسطيني تصفية دموية؟

     إنه على الرغم من تعدد عناصر الخلاف بين أقطاب الاتجاهات الحزبية في لبنان، فإن تلك العناصر محصورة جميعًا ضمن شكل اقتسام السلطة، كما صرح بذلك جنبلاط، ولعل الترجمة الحقيقية لاقتسام السلطة هي حسن التفاهم على اقتسام الأرض، وهذه الترجمة تفهم تمامًا من تصريحات أقطاب الخلاف بمن فيهم قياديو جبهة الخلاص فرنجية، كرامي، جنبلاط»، وإذا كانت جبهة الخلاص تعبر عن منطوق سوري، كان يراقب الوزير خدام سيرورته في مؤتمر الحوار في جنيف، فإن خدام نفسه أوضح أثناء انعقاد المؤتمر: «أن الحكومة السورية تصر على الاحتفاظ بذلك الجزء من لبنان حيث تتواجد قواتها، وقد فسر المراقبون الذين حضروا المؤتمر ما قاله خدام بأن المطلب السوري الذي تحوم مطالب جبهة الخلاص في فلكه هو مطلب تقسيمي محض، وفق ما نقله تقرير لصحيفة وول سترايت جورنال.

  • الجبهة اللبنانية والكتائب يفهمون ما يريده جنبلاط، وما ينادي به أعضاء جبهة الخلاص بمن فيهم سليمان فرنجية، ويفهمون أيضًا أن الهدف السوري ينفذ من خلال هذه الجبهة، ويفهمون أيضًا أن حرب الجبل مع الاشتراكيين والدروز ما كانت لتقوم لولا السعي السوري الحثيث نحو المطلب التقسيمي، في الوقت الذي تحلم فيه الجبهة اللبنانية المسيحية بإيجاد الكيان الطائفي النصراني في معظم أجزاء لبنان على غرار الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة، ولو كان ذلك وفق خطط مرحلية مستقاة من المرحلية الصهيونية.
  • هذا هو الخلاف الحقيقي بين المتصارعين في لبنان (خلاف على حجوم ومساحات القسمة)، وبدهي ألا يلغي خلاف القسمة المصالح المشتركة بين الأطراف المعنية، والتي تنطلق من خلالها الولايات المتحدة لصقل موقف لبناني متبلور حول عدة قضايا، تكون هي القاسم المشترك في وفاق اللبنانيين، وبمراجعة لحسابات جميع الأطراف، وبرصد العوامل التي تعتلج اليوم في الجسم اللبناني، نجد ما يلي:
  1. رغبة ملحاحة لدى أطراف الجبهة اللبنانية (النصرانية)، وعلى رأسها الكتائب، وحكم أمين الجميل بالخلاص من الوجود الفلسطيني في لبنان، وهو الأمر الذي عجز النصارى عن تحقيقه فيما مضى؛ حيث استدعوا القوات السورية للعون في هذه المهمة منذ عام ١٩٧٦م.
  2. حرب إعلامية مكشوفة شنها جنبلاط على عرفات ومؤيديه، ومن ثم على الوجود الفلسطيني في طرابلس وفي لبنان؛ حيث اعتبر جنبلاط في أكثر من حديث أن الوجود الفلسطيني هو الذي أغرق لبنان فيما أسماه بوحل الصراعات الداخلية.
  3. حرب دموية عسكرية شعواء تشنها الوحدات السورية الخاصة على مخيمات الفلسطينيين في ضواحي طرابلس بهدف تصفية الوجود الفلسطيني الذي ترغب الجبهة اللبنانية بحسمه نهائيًا، ويرغب جنبلاط والاشتراكيون بتجميده الكامل.
  4. أما إسرائيل فلا حاجة لسرد أي دليل يؤكد رغبتها في تصفية الوجود الفلسطيني في لبنان، وهي التي تحتل كل فلسطين، وما يقارب من نصف لبنان.
  • إذًا فهناك سياسة ما تشكل القاسم المشترك بين كل الأطراف الموجودة على الساحة اللبنانية، وتحت المظلة الأمريكية، هذا القاسم هو تصفية الوجود الفلسطيني، ولعل مؤتمر جنيف الذي استمر انعقاده بضعة أيام وهو الآن بانتظار استئناف جلساته بعد جولة محددة لأمين الجميل، لعل هذا المؤتمر الذي كان ملهاة أمريكية، شاركت في الدعوة إليها القوى الغربية الاستعمارية- لم يكن بعيدًا في تحركه وتوجهاته عن توصيات المبعوث الأمريكي (ريتشارد فير بانكس) حيث كان يخلو إلى أعضاء المؤتمر بما فيهم وليد جنبلاط، الذي صرح إثر خروجه من أحد اجتماعاته مع المبعوث الأمريكي بأن حواره مع أعضاء الحوار اللبناني سوف يستمر، وسيثمر عن نتيجة، ولا ندري إن كان المبعوث الأمريكي تداول مع جنبلاط كنه تلك النتيجة، والأسلوب التكتيكي في استمرار المؤتمر وما يطرح فيه من خلافات تقوم أساسًا على وجهات نظر هامشية.
  • ولتوضيح الرابط بين فصول الملهاة الأمريكية التي أختار ريغان جنيف مسرحًا لها، وبين المأساة التي اختيرت طرابلس وضواحيها مسرحًا لإنجازها يحسن أن نشير إلى جملة من الحقائق التي تؤكد أن المؤامرة على لبنان وعلى الفلسطينيين دخلت في فصولها الأخيرة.. وأن أيادي عربية هي التي تقوم بمهمة التنفيذ التي أوكلت إليها..
  1. الموقف السوري الذي يظهر بمظهر الداعم الموقف «جبهة الخلاص» ينفذ اليوم من خلال مذابح الفلسطينيين في الشمال دعوة نادى بها الفريد ماضي الناطق الرسمي باسم الجبهة اللبنانية الذي قال: «إن الفلسطينيين في لبنان طابور خامس يجب التخلص منه قبل إنجاز أي اتفاق يحقق السلام في لبنان».
  2. والموقف السوري من فلسطينيي المخيمات والذي يلقى تأييدًا من المتفاوضين في جنيف يطرح نظرية مؤداها أن إلغاء الوجود الفلسطيني في لبنان يلغي في المحصلة وجوب الاتفاق الأمني بين حكومتي «لبنان - وإسرائيل» لانتفاء الضرورة إليه بعد تشريح الجثة الفلسطينية وهذا يفسر إصرار جنبلاط على إلغاء الاتفاق الأمني. حيث طالب السوريون في شهر مايو الماضي حكومة أمين الجميل بإقامة اتفاق أمني مماثل مع سورية.
  3. إن جنبلاط ومعه الاشتراكيون يعتقد بأن القسمة المنتظرة للبنان ستمنحه حكم الشمال في دولة ربما مهد الدروز لإنشائها بعد أن فرضوا شكلًا إداريًا خاصًا في الجبل الذي يعتبر بمثابة العاصمة لهم. لذا فأن إخراج الفلسطينيين من الشمال بعد قتل مسلحيهم هو في مقام الضرورة القصوى في النظرة الدرزية الطائفية الضيقة.
  • وهكذا تدور رحى حرب شرسة ضد الفلسطينيين، القاتل فيها عميل صراح؛ لأنه يقوم اليوم بإنجاز ما عجز عنه جيش دفاع الصهاينة بالأمس، بل إن القاتل الذي يقتل في الشمال يدعم الرغبة التي يمارسها العدو اليهودي في الجنوب، وهكذا تتحقق أيضًا أمنيات الكتائب، وطموحات الجبهة اللبنانية، وآمال الدروز والجنبلاطيين، بل هكذا تتحقق الإستراتيجية الصهيونية التي سعت منذ البداية لاستئصال الوجود الفلسطيني من لبنان بعد أن تم لها احتلال كامل أجزاء فلسطين، وهكذا تحرك المتآمرون على المستوى السياسي تحت المظلة الأمريكية في جنيف، وعلى المستوى العسكري في شمال لبنان، بينما ريغان وحليفته إسرائيل يمنحان التزكية الخبيثة من وراء حجاب للقوات السورية، التي يزعم راديو إسرائيل، ويزعم متحدث البيت الأبيض أنها تستعد لإشعال فتيل الحرب مع الجيش الإسرائيلي.
  • إن شعوبنا -أيها المتآمرون- تعرف الأداة الإجرامية، وهي تؤمن أن المجرم لا بد أن ينال جزاءه بأيدي الأشراف المخلصين، ولن يكون اليوم الذي يشاهد فيه العالم القاتل مضرجًا بدمائه ببعيد، فالبندقية التي يراد لها أن تسقط لن تسقط إن شاء الله، وسوف تظل مشهرة، تواجه الوجوه الخائنة، التي باعت نفسها ونحرت بسكينها الجسد المسلم في تل الزعتر، وفي حماة، وفي البداوي، ونهر البارد، ولن تتمكن عند ذلك مظلة ريغان من حماية القاتل الذي باع العباد والبلاد للشيطان.

أيها القتلة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

الرابط المختصر :