العنوان معادلة الحياة الدائمة
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009
مشاهدات 70
نشر في العدد 1870
نشر في الصفحة 66
السبت 19-سبتمبر-2009
دائمًا.. وعلى مر السنين والعقود والقرون،
وعبر قارات الدنيا الست.. نجد المستقيم والمعوج.. الملتزم والمنحل.. المؤمن
والكافر.. جنبًا إلى جنب.. لم يخل من أي منهما زمن أو مكان!
قد تجنح المعادلة - وهي جانحة بالفعل في معظم
الأحيان- لأن أكثر الناس للحق كارهون، كما يؤكد القرآن الكريم، بسبب من تركيبهم
الآدمي، ولأن الانسحاب إلى الأسفل أيسر كثيرًا من محاولة الصعود إلى أعلى، فضلًا
عن أن الهبوط محفوف بالشهوات، بينما الصعود محمل بالتكاليف!
ومع
ذلك، لم يخل زمن أو مكان من النمطين معًا.. بل قد يكون وجود النمط الأول وانتشاره
السرطاني محفزًا، أو تحديًا، يدفع النمط الثاني إلى التجذر والانتشار، وإلى بذل
جهود مستميتة لأن يجد مكانه على خارطتي الزمن والمكان..
وتلك هي الموازين الإلهية العادلة، والدقيقة،
والمحكمة، والتي توزع النسب والمساحات في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا، بما يمنع
من طغيان نهائي لجانب على جانب، واستئثاره بحكم الحياة واحتكاره للمصائر
والمقدرات.. وبما يمنح الحياة القدرة على التغاير والتنوع والاختلاف والتدافع
والاصطراع، فيما يبعدها عن السكون والفساد، ويفجر فيها عناصر التجدد والإبداع.
ومنذ اللحظات الأولى للخليقة أُريد للإنسان
أن يصارع خصمًا لدودًا قدر له ألا يكف لحظة عن ملاحقة الإنسان، ومحاولة جره إلى
الأسفل، ذلك هو الشيطان.
ولطالما حدثنا القرآن الكريم عن أن الله
سبحانه لم يشأ أن يجعل الناس أمة واحدة، ربما للأسباب التي ألمحنا إليها.. وأعطانا
في آيات ثلاث الأبعاد الحقيقية لحركية الحياة البشرية والتاريخ الإنساني.. إنها
سنن التغاير والتدافع والتداول: ﴿وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أَمَةً
وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلفِينَ إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولذلكَ
خَلَقَهُمْ وَتَمَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلَأَنْ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةَ
وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ﴾ (هود:118-119)، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
بَعْضَهُم ببَعْض لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:251)، ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَ الْقَوْمَ
قَرْحٌ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَيْنَ النّاسِ﴾ (آل عمران: ١٤٠).
ولم يحدث يومًا أن خلت الأرض من مؤمن أو
كافر.. إنهما موجودان أبدًا، كوجود النهار والليل والنور والظلمة.. والظل
والحرور.. وكلما جنحت المعادلة للاختلال الكبير الذي يجاوز حدوده المعقولة بعث
الله سبحانه رسولًا من رسله أو نبيًا من أنبيائه الكرام «عليهم السلام»، أو دفع
زعيمًا من الزعماء أو مصلحًا من المصلحين على رأس كل مائة عام، لكي يحق الحق،
ويعيد الميزان إلى وضعه المعقول.
وما لنا نذهب بعيدًا، وما نراه ونسمعه في
لحظتنا التاريخية الراهنة يغني عن المزيد؟ فاليوم تمارس قوى التفكيك والانحلال
دورًا أسطوريًا لنشر العهر والفساد بأنماطه التي لم تخطر من قبل على بال إنسان..
اليوم ينتشر الفساد الأكبر في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.. اليوم تمارس
الأجهزة الإعلامية والمعلوماتية دورًا هائلًا في تلبية نداءات الشيطان وسحب
المجتمعات البشرية إلى القعر..
ومع ذلك، بل ربما بسبب ذلك، نشهد اليوم
انفجارًا أسطوريًا لصحوة مباركة غطت السهل والجبل، فيما لم يكد التاريخ البشري
يشهد له مثيلًا.. وعبر قارات الدنيا الست ينتشر أبناء الصحوة بطهرهم ونظافتهم
وتوحدهم والتزامهم ووجوههم النضرة وأيديهم المتوضئة لكي يحموا إنسانية الإنسان من
الدمار، ولكي يحققوا التوازن المطلوب بين الخير والشر، ويعيدوا المعادلة إلى وضعها
المعقول.
فلا يهولنا الأمر ونحن نجد الملايين من
ممارسي الخطايا ومشاهدي الأفلام والعروض الداعرة فإننا نلحظ بموازاتهم تماما
ملايين من الأطهار وعشاق النور والنظافة الملتزمين بكلمة الله، والحارسين لإنسانية
الإنسان. ويخطر على بالي من بين عشرات الشواهد ومئاتها كيف أننا في خمسينيات القرن
الماضي، كنا ندلف ونحن صبيان إلى المساجد، فلا نكاد نجد خلف الإمام في كل مسجد سوى
عشرة أو عشرين من المصلين ومعظمهم ممن تجاوز الستين أو السبعين من العمر.. وكيف
أننا الآن ندخل المساجد فلا نكاد نجد فيها مكانا!! التحلل والالتزام الهدم
والبناء.. الحيوانية والإنسانية.. والكفر والإيمان.. دائمًا.. دائمًا.. دائمًا..
تلك هي سنة الله في الخلق منذ لحظات الخلق الأولى.. و﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ
اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر:43).
(*) باحث
وأكاديمي عراقي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل