العنوان معالم الأطروحة البربرية
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001
مشاهدات 93
نشر في العدد 1451
نشر في الصفحة 28
السبت 19-مايو-2001
*دعاتها يروجون لـ «الأمازيغية» بخصائصها التي كانت عليها قبل الإسلام، ونبذ «الأمازيغية» التي انصهرت في بوتقة العروبة.
*القول بـ آرية الجزائر يعني سلخها عن إسلامها وأمتها العربية، ربط مصيرها بالغرب، تبرير الاحتلال الفرنسي بدعوى تخليصها من العرب وإعادتها للوطن الأم.
*الأمازيغ كانوا ضمن أول من رفع لواء المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، ومعظم المعاهد التي صانت اللغة العربية ودافعت عنها كانت في مناطق البربر.
الملاحظة البارزة في حيثيات الصراع الجزائري أن دعاة الأمازيغية والفرانكفونية شكلوا تحالفًا استراتيجيًّا لمواجهة دعاة العروبة والإسلام، وأن الأطروحة الأمازيغية عادت بقوة إلى الواجهة السياسية ليطالب دعاتها بإلغاء التعريب الذي هو في نظرهم دخيل على الجزائر، والذي وصلها سابقًا على يد الفاتحين العرب والمسلمين، ولاحقًا على يد العروبيين الذين درسوا في المشرق العربي كمصر وسورية والعراق وغيرها من الدول العربية. وكان أحد زعماء البربر متجنيًا عندما قال: إذا كان العرب في وقت سابق قد وصلوا على متن النياق إلى المغرب العربي فأنا سأكون معهم رفيقًا وأعيدهم على متن «البوينج» إلى بلادهم الأصلية.
إقحام الورقة الأمازيغية -البربرية- في الصراع ساهم في تعقيد الأزمة وتعميق الشرخ داخل الجزائر، وقد يهيئها على المدى البعيد لبدايات التدخل الأجنبي الذي تبلور بوضوح أثناء الأزمة الجزائرية. ويمكن فهم أبعاد الأطروحة البربرية وأهدافها دون معرفة جذورها وكيفية تحولها إلى ورقة سياسية، أرادت فرنسا من خلالها ذات يوم تمزيق صفوف الثوار الجزائريين الذين أعلنوا الثورة على فرنسا في الفاتح من نوفمبر عام ١٩٥٤م، ويجمع المؤرخون الجزائريون كما الغربيون على أن الشعب الذي قطن منطقة الجزائر والمغرب العربي هو شعب أمازيغي بربري -الأمازيغ في اللهجة البربرية هم الأحرار- وقد كان هذا الشعب الحر أو الأمازيغي معروفًا بالخشونة والمجازفة والشجاعة والدفاع عن الثغور، ولعل تسمية سكان الجزائر بالأمازيغ أو الأحرار تعود إلى محاربتهم لكل الغزاة الذين حاولوا استعمار الجزائر كالرومان والوندال والفينيقيين وغيرهم. وحتى الفتح العربي والإسلامي لاقى في بدايته مواجهة أمازيغية وكان على رأس المقاومة المرأة التي عرفت باسم «الكاهنة»، التي أمرت أبناءها فيما بعد باعتناق الإسلام. وعندما أدرك سكان الجزائر أن الفتح العربي والإسلامي يختلف عن حملات الغزو السابقة التي تعرضت لها الجزائر، احتضن الجزائريون دعوة الفاتحين، وحتى الكاهنة تخلت عن مقاومتها للقادمين وحثت أبناءها على مناصرة الفاتحين في فتح الأندلس.
دعاة الأطروحة الأمازيغية واللغة والثقافة الأمازيغية يدعون إلى الأمازيغية بخصائصها التي كانت عليها قبل الإسلام مع ضرورة نبذ الأمازيغية التي انصهرت في بوتقة العروبة والإسلام وتشبعت بهما، كما أن دعاة الأطروحة الأمازيغية يعتبرون أن أصول الشعب الأمازيغي آريَّة؛ أي إن الامتداد العرقي للأمازيغ يتصل بالحقل الجغرافي الغربي، ولذلك تنكر هؤلاء لعروبة الجزائر وكانوا يتهمون القائلين بعروبة الجزائر بأنهم بعثيون جاؤوا بهذه النغمة من المشرق العربي.
القول بآرية الشعب الجزائري معناه إيجاد توجهات جديدة واهتمامات بعيدة كل البعد عن العالم العربي، لدرجة أن سعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية البربري قال غداة تشكيل حزبه قبل سنوات إن حزبه إذا وصل إلى السلطة فسوف يغير بنود الدستور الجزائري ومنها انتماء الجزائر إلى العالم العربي، وطالب بإلغاء العالم العربي والبند الذي ينص على أن الإسلام هو دين الدولة. وقد نبه دعاة العروبة إلى خطورة القول بآرية الجزائر، لأن هذه الدعوة تربط مصير الجزائر بمصير الغرب وتجعل الجزائر غير معنية بقضايا العالم العربي الشائكة وغيرها وتحديدًا القضية الفلسطينية، كما أن القول السالف يعطي لفرنسا حق احتلال الجزائر باعتبار أنها تريد تخليص الجزائريين من العرب، ولذلك أجهد دعاة العروبة أنفسهم في البحث عن جذور الشعب الجزائري ومنهم الدكتور عثمان سعدي سفير الجزائر الأسبق في دمشق وبغداد الذي ألف كتابًابعنوان: «عروبة الجزائر» يؤكد فيه أن جذور الشعب الجزائري عربية، ويستشهد بما أورده الطبري في تاريخه الذي يؤكد أن الأمازيغ نزحوا من اليمن وأطراف الجزيرة العربية إلى الجزائر والشمال الإفريقي عمومًا، ويذهب بعض الباحثين إلى القول: إن من أدلة عروبة الأمازيغ تشابه بعض مفردات لهجتهم مع اللغة العربية، وقد تدارك دعاة الأمازيغية ذلك فاستبدلوا بالأحرف الأبجدية الأمازيغية التي كانت عربية أحرف لاتينية، وذلك بتخطيط من الأكاديمية البربرية التي أنشأتها باريس. وذهب رئيس حزب الأصالة الجزائري إلى القول إن العروبة في الجزائر قد عطلت المسيرة التنموية وأقحمتها في دائرة التخلف والتقهقر!
والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق هو: هل يتبنى هذه الأطروحة المضادة للعروبة والإسلام عموم الأمازيغ أم أنها حكر على النخبة المثقفة التي تكونت في الجامعات الفرنسية؟ معظم المؤرخين الجزائريين كالأستاذ توفيق المدني وعبد الرحمن الجيلالي وغيرهما قالوا إن الشعب الأمازيغي احتضن العروبة والإسلام وقدم النصرة للفاتحين، وعلى امتداد التاريخ الجزائري وقع تمازج وتصاهر بين الفاتحين العرب المسلمين والسكان الأمازيغ الذين ناصروا الإسلام، ولم تتسبب العروبة في إذابة الشخصية الأمازيغية ومسخها، بل أعادت الأمازيغية إلى جذورها العربية وطعمتها بالإسلام الحضاري. ومنذ أن اعتنق الشعب الجزائري الإسلام وهو ينصهر في البوتقة العربية والإسلامية، وباتت المرجعية العربية والإسلامية هي الأساس بالنسبة إليه. ومنذ تاريخ الفتح العربي والإسلامي إلى بداية اندلاع الثورة الجزائرية سنة ١٩٥٤م لم تطرح المسألة الأمازيغية كما طرحت بهذا الشكل أثناء الثورة وبعد الاستقلال. وللإشارة فإن معظم المعاهد التي صانت اللغة العربية في الجزائر ودافعت عنها أثناء الاستعمار الفرنسي هي تلك المعاهد التي أسست في المناطق البربرية كبجاية والبويرة وأمشدالة وغيرها. وبالرجوع إلى كتاب «علماء بجاية»، ومعجم «أعلام الجزائر وتاريخ الجزائر العام» يتضح أن معظم العلماء الذين خدموا اللغة العربية وعلوم الشريعة الإسلامية سابقًا، وأثناء الاحتلال الفرنسي كانوا أمازيغ وبربر وعلى رأسهم شيخ الإصلاح عبد الحميد بن باديس، ولم يكن الشعب يفرق بين العروبة والإسلام، بل كان يعتبرهما شيئًا واحدًا وأكثر من ذلك، فقد كان يعتبر العربي مسلمًا والعكس صحيح، ولم تكن العروبة أيديولوجيا ذات مفاهيم علمانية لائكيَّة. وحتى الذين ظلوا يقطنون جبال القبائل -سلسلة جبال الأطلس- وحافظوا على اللهجة الأمازيغية ما زالوا إلى اليوم من أشد الناس تمسكًا بالإسلام ويعتبرون المتكلم بالعربية المتقن لها أعرف الناس بالإسلام وأصوله وفروعه. وعندما تعرضت الجزائر للاستعمار الفرنسي في ٥ يوليو ۱۸۳۰م كان أول من رفع لواء المقاومة هم الأمازيغ المسلمون، ومن الثورات التي تصدت للاستعمار الفرنسي ثورة المقراني -والمقران لفظة بربرية تعني الكبير- وكان شعار ثورة المقراني الدفاع عن إسلامية الجزائر وعروبتها، ولم يكن المقراني يقاوم من أجل استرجاع الهوية الأمازيغية، وقد أدركت فرنسا خطورة هذه العقيدة فراحت تنبش في الذاكرة الجزائرية إلى أن اهتدى استراتيجيوها إلى مبدأ التشكيك في الهوية الجزائرية، وبدأت حملة التشكيك من خلال تكوين نخبة جزائرية مثقفة مشبعة بالفكر الاستعماري، وقد لعب أولئك أكبر الأدوار في تمزيق صفوف الحركة الوطنية حيث تم البدء في تصنيف الجزائري: عربي وبربري وشاوي وما إلى ذلك. وكانت النخبة المذكورة ترى في إرهاصات الثورة الجزائرية على فرنسا انحرافًا خطيرًا باعتبار أن الثورة في مضمونها دعوة للانفصال عن الوطن الأم فرنسا، ومع اندلاع الثورة فكرت السلطات الفرنسية في مختلف الطرق التي تؤدي إلى تمزيق الثورة التي تبناها الجزائريون بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم العرقية، فتوصلت إلى أمرين يمكن أن يمزقا الثورة من الداخل:
1 - الورقة البربرية.
٢ - الورقة الجهوية.
فعلى الصعيد الجهوي نجحت فرنسا في إثارة النعرات، فبات يسود آنذاك بين الجزائريين أن هذا من الغرب وذاك من الشرق، هذا وهراني وذاك قسنطيني وثالث قبائلي وهكذا. وما زالت الجهوية تلعب دورًا كبيرًا في التعيينات الرسمية خاصة في الجيش، بل إن التوازن الجهوي يُعد أساس الحكم في الجزائر. وعلى صعيد الورقة البربرية نجحت فرنسا في إثارتها عبر آلياتها ووسائلها، وأثناء الثورة الجزائرية كان هناك من طرح فكرة تأسيس جبهة التحرير الأمازيغية مقابل جبهة التحرير الوطني. وبعد الاستقلال بدأت الحركة الأمازيغية تتحدث عن الغبن والظلم اللذين ألمَّا بالثقافة الأمازيغية وتشكل حزبان بربریان مرکزیان هما التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية، وعلى حين يدعو الأول إلى أمزغة الجزائر فإنه يقدم خطابه بلغة فرنسية فصيحة للغاية، ويفهم من ذلك أن التحالف وثيق بين الفرانكفونية والبربرية التي لا يتكلم رموز ثقافتها إلا باللغة الفرنسية