; معالم الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. | مجلة المجتمع

العنوان معالم الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995

مشاهدات 54

نشر في العدد 1153

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 13-يونيو-1995

البترول ومواجهة الأصولية الإسلامية وضمان أمن الأنظمة الصديقة أهم ثلاثة محاور تقوم عليها الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

الجيش الأمريكي قام خلال الفترة الماضية بإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع جيوش عشر دول عربية.

واشنطن: خاص من المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث.

صدر عن وزارة الدفاع الأمريكية مؤخرًا تقرير إستراتيجيّ على درجة كبيرة من الأهمية حصلت عليه «المجتمع»، والتقرير يتناول الإستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، ويعد بذلك إطارًا للعمل تتبناه الإدارة الأمريكية في سياساتها وتعاملاتها مع دول المنطقة.

قدم وليم بيري - وزير الدفاع التقرير- إلى الكونجرس الأمريكي في مطلع شهر مايو الماضي، واستهله بمقدمة تلخص فلسفة عمل الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، لعل أهم ما تحويه هو التأكيد على ضرورة وحتمية التدخل العسكري في المنطقة واستثنائها من أي حظر يمكن أن يفرض على عمليات نقل قوات أمريكية للخارج، فبينما يزداد الجدل بين إدارة الرئيس كلينتون والكونجرس الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري حول جدوى وأهمية التدخل العسكري في مناطق الصراعات الدولية في العالم، فإن هناك اتفاقا على محور الشرق الأوسط باعتبار أن مصالح أمريكا الحيوية فيه تستلزم هذا التدخل، وقد حدد بيري ثلاث حالات تدعو أمريكا إلى التدخل العسكري تنطبق جميعها على الشرق الأوسط، وهي وفق تعبيره:

1 ـ عندما تكون الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة في خطر يهدد بقاءها.

2 ـ عندما تتعرض المصالح الاقتصادية الحيوية للولايات المتحدة للخطر، وهي هنا استمرار تدفق البترول.

3 ـ عند ظهور تهديد نووي جديد من جانب إحدى دول المنطقة.

وتستهدف الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط - كما يقول بيري- الحفاظ على الاستقرار والتحول نحو السلام بالطرق الدبلوماسية، وضمان سرعة التدخل العسكري دون الحاجة إلى الاحتفاظ بقواعد عسكرية ثابتة، ويقرر بيري أن قدرة أمريكا على الدفاع عن مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط قد تزايدت بشكل كبير عما كانت عليه قبل عقدين من الزمان، وفي المقابل فإن الصعوبات التي تواجهها في المنطقة والتي لا زالت تهدد مصالحها تتمثل في:

1 ـ الصراعات العرقية والأيديولوجية والقومية.

2 ـ تزايد السكان في ظل استمرار واشتداد الأزمات الاقتصادية.

3 ـ الضغوط السياسية التي تتعرض لها بعض الأنظمة الصديقة للولايات المتحدة وتوقف التنمية السياسية فيها.

4 ـ ضعف الموارد الاقتصادية فيما عدا البترول الذي أدى إلى التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة أكثر من مرة.

وقد أكد بيري ضرورة استمرار سياسة التدخل العسكري في الشرق الأوسط، وقال: إن هذا التدخل العسكري لازال مطلوبًا وبشدة من جانب حلفائنا وأصدقائنا في المنطقة، وأضاف أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي لديها القوة التي تستطيع تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.

يبدأ التقرير الذي يقع في ٤٠ صفحة بمقدمة توضح أهمية منطقة الشرق الأوسط في السياسة الأمريكية، وتؤكد على المصالح الإستراتيجية التي يجب الدفاع عنها بالقوة المسلحة في المنطقة، فهي – أي: منطقة الشرق الأوسط - تمتلك ٧٠% من البترول العالمي، وتمثل معقل الجماعات المتطرفة التي تستخدم القوة والإرهاب؛ لتهديد مصالح القوة العظمى، كما أنها تحوي كميات كبيرة من أسلحة الدمار الشامل، وتشمل أكثر من منطقة صراع.

سرعة التدخل : من ثلاث سنوات إلى ثلاثة أيام.

تزايدت قدرة الولايات المتحدة في استخدام القوة للحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط بشكل بارز منذ العام ١٩٧٥م. فقبل الثورة الإيرانية لم يكن لها في المنطقة سوى حاملة طائرات واحدة وثلاث مدمرات، ولم يكن لها قواعد ثابتة إلا في دولة واحدة هي البحرين، وبالتالي كان من الصعب، بل ومن المستحيل نقل وحدة عسكرية إلى المنطقة في أقل من ثلاثة أشهر. وقد تغير هذا الوضع تمامًا في العام ۱۹۹۰م، بعد الغزو العراقي للكويت، إذ استطاعت العسكرية الأمريكية في أقل من ثلاثة أسابيع نقل أكثر من نصف مليون جندي بكامل أسلحتهم إلى منطقة الخليج والدفاع عن الدول الأخرى، أما في الوقت الحالي فإن الولايات المتحدة تحتفظ بـ ٢٠ ألف جندي بصفة دائمة في الخليج، ولها ٢٠ قاعدة عسكرية ثابتة في دول الخليج، الأمر الذي جعل قدرة أمريكا على الدفاع عن مصالحها في المنطقة تتزايد عما كانت عليه في عام ١٩٩٠م، وقد أكد ذلك عملية نقل القوات الأمريكية في ثلاثة أيام فقط في ١٩٩٤م، مع التهديد العراقي الجديد للكويت.

الصراع العربي الإسرائيلي.

وقد ساعد على ضمان المصالح الأمريكية وحمايتها في الشرق الأوسط الجهود التي بذلتها الدبلوماسية الأمريكية في أعقاب حرب أكتوبر ۱۹۷۳م. التي شهدت أكبر تهديد لهذه المصالح في صورة قطع البترول العربي عنها. وبينما كانت حليفتها «إسرائيل»، محاطة بالعداء العربي الذي يستهدف إزالتها، فإن الصورة قد تغيرت تمامًا الآن، فقد وثَّقت الولايات المتحدة علاقاتها العسكرية ليست فقط مع «إسرائيل»، ولكن أيضا مع معظم الدول العربية، وبعد حرب الخليج نجحت الولايات المتحدة في أن تحقق إنجازين مهمّين وهما: توسيع دائرة اتفاقات السلام العربية المنفردة مع إسرائيل بالاتفاق الفلسطيني - الإسرائيلي في سبتمبر ۱۹۹۳م، ومعاهدة السلام مع الأردن في ١٩٩٤م التي أنهت حالة الحرب بين البلدين وحول الأهمية الإستراتيجية لهذه الإنجازات، يقول التقرير: إن هذه الإنجازات العسكرية والدبلوماسية قد أعطتنا فرصًا غير مسبوقة لتعزيز مصالحنا في الشرق الأوسط.

مثلث الخطر.. الإيراني - العراقي – الليبي.

يبقى رغم ذلك هاجس إيران والعراق وليبيا الذي لم تستطع القوة العظمى التخلص منه، فالولايات المتحدة التي اشترت صداقة العالم العربي ووجهتها لخدمة مصالحها ومصالح «إسرائيل» ترى في معارضة ثلاث دول في المنطقة لهيمنتها أمرًا على درجة كبيرة من الخطورة، وقد يستلزم في المستقبل عملًا عسكريا لفرض هذه الصداقة عليها، فبعد أن يؤكد التقرير أمن واستقرار المصالح الأمريكية يستدرك ويقول: «إن هذه الإنجازات لا زال يهددها ثلاث دول هي: إيران والعراق وليبيا. بالإضافة إلى الأصولية الإسلامية والحركات العرقية، وإن هذه الأخطار قد تقضي على مسيرة السلام العربية - الإسرائيلية، وقد يصل الأمر فيما بعد إلى عودة الحروب للمنطقة من جديد، فأمن الشرق الأوسط لا زال يواجه العديد من التحديات حتى على فرض نجاح مسيرة السلام... الأمر الذي يؤكد استمرار أهمية المنطقة بالنسبة للأمن القومي للولايات المتحدة، وذلك لعدة أسباب هي:

 ۱ - أن العالم سيكون أكثر اعتمادًا على بترول منطقة الخليج في مطلع القرن القادم أكثر من أي وقت مضى.

لما كانت الولايات المتحدة دولة تجارية فإنَّ ضمان وحماية حرية التجارة وفتح الأسواق الإقليمية والعالمية - خاصة أسواق الشرق الأوسط الغنية بشريًّا وماديًّا - أمام المنتجات الأمريكية، يعد أمرًا يتعلق بالأمن القومي ويجب الدفاع عنه، ولو بالقوة المسلحة إذا لزم الأمر.

ضرورة حماية حياة وممتلكات المواطنين الأمريكيين في دول المنطقة، وتشجيع التحول الديمقراطي، ونشر وتعميم قيم الاقتصاد الحر، بالإضافة إلى دعم حقوق الإنسان الأساسية.

دول الخليج.. ومنطق الحماية الأمريكية.

تنظر الولايات المتحدة إلى دول منطقة الخليج العربي نظرة مختلفة تمامًا عن نظرتها لبقية دول المنطقة، وتقوم هذه النظرة كما يكشف عنها التقرير على عدة أسس استراتيجية، أولها أن هذه الدول بإمكاناتها العسكرية والبشرية الحالية لا تستطيع الدفاع عن نفسها في مواجهة أي تهديد من جيرانها الأقوى عدة وعتادًا، هذا الضعف المقترن بالغنى البترولي يجعل من الالتزام الأمريكي بالدفاع عن هذه الدول وعن أنظمتها السياسية أمرًا حتميًا لابد منه، إلى حد أن يصبح أي تهديد لهذه الدول هو تهديد للولايات المتحدة نفسها .. ،وقد عُبر عن هذه النظرية الأمنية من قبل الرئيس الأمريكي الأسبق «جيمي كارتر» عندما قال في عام ١٩٨٠م: «إن أية محاولة من أية قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج والتحكم في إمدادات النفط سوف ينظر إليها على أنها إعلان للحرب على الولايات المتحدة، وستواجه بكل الوسائل الممكنة بما فيها القوة المسلحة»، وقد أعيد التأكيد على هذه النظرية عشية حرب الخليج، وسوف تستمر - كما يؤكِّد التقرير - معلمًا أساسيًا من معالم السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية لفترة طويلة.

وخارج منطقة الخليج تعطي الإستراتيجية الأمريكية ، إسرائيل، مكانة متفردة، فإذا كان الدفاع عن الخليج مرتبطًا بالمصالح الاقتصادية المرتبطة في المقام الأول بالبترول فإن الالتزام بضمان أمن ورفاهية الدولة العبرية لا تحده مصالح اقتصادية، ويتجاوز ذلك بكثير، فلأسباب تاريخية وسياسية وأخلاقية فإن الولايات المتحدة تلتزم التزامًا غير مشروط بضمان أمن إسرائيل، من خلال إجراءات عديدة تشمل المساعدات العسكرية التي تضمن التفوق الإسرائيلي العسكري على كل دول المنطقة مجتمعة، وتشجيع الدول العربية على توقيع اتفاقات سلام معها.

ويعد الخليج و«إسرائيل»، أو بالأصح بعد «إسرائيل» والخليج تأتي الدول - الأنظمة - الحليفة أو الصديقة للولايات المتحدة، وهي مرتبة في هذا التقرير حسب أهميتها الإستراتيجية الأمريكية ودرجة ولائها، وهنا تأتي مصر أو النظام المصري، فمصر في الإستراتيجية الأمريكية هي أكبر الدول العربية سكانًا، وتعد القاهرة هي عاصمة العالم العربي الثقافية، بما تحويه من جامعات و دور نشر وإستديوهات إذاعة وتليفزيون. وسينما، وصحف... كما أن النظام المصري كان أول نظام عربي يستجيب للضغوط والوعود الأمريكية، ويوقع اتفاقية سلام منفرد مع «إسرائيل»، وتتحكم مصر في معبر قناة السويس الذي يربط الشرق بالغرب، ويضاف إلى ميزان ولاء النظام المصري استمراره في تأييد السياسة الأمريكية في المنطقة، بما فيها تدمير الدول التي خرجت عن طوق الولاء الأمريكي اقتصاديًا وعسكريًا مثل العراق وليبيا، ونتيجة لكل ذلك فإن الولايات المتحدة تعمل على تحديث الجيش المصري وزيادة قدراته الدفاعية؛ ليكون قادرًا على الدفاع عن النظام ضد أي تهديد. خارجي أو داخلي أصولي والمشاركة في أعمال عسكرية مشتركة مع القوات الأمريكية، كما حدث في حرب الخليج من خلال معونات عسكرية تصل إلى ١.٣ بليون دولار سنويًا.

وبدرجات اهتمام أقل يشير التقرير إلى الأردن باعتباره أحد الأنظمة التي حققت إنجازًا في محيط الإستراتيجية الأمريكية بتوقيعها معاهدة السلام العربية الثانية مع «إسرائيل»، والمقابل هو خطط لتحديث الجيش الأردني بالأسلحة والتدريب والتعاون الاستخباري لنفس الغرض الذي سبق ذكره مع الجيش المصري، أمَّا سوريا فإن أمريكا تنظر إليها باعتبارها المهدد الرئيسي والوحيد لـ «إسرائيل»، وأنها لازالت مُدرجة على قائمة الخارجية الأمريكية كإحدى الدول التي تشجع الإرهاب، ومع ذلك فقد شاركت في حرب تحرير الكويت، وتطبيق العقوبات الدولية المفروضة على العراق، ودخلت في مفاوضات سلام مع إسرائيل، الأمر الذي قد يجعل الولايات المتحدة تعيد النظر في تقييمها عسكريًا فيما بعد.

أما ليبيا فإن التقرير يرى فيها دولة عدوانية تشكل خطرًا على جيرانها، ويجب مراقبتها، والتعامل معها بحزم شديد، كما أنها تهدد حرية الملاحة في البحر المتوسط، ومن أجل ذلك تضع أمريكا الجيش الليبي تحت المراقبة المستمرة لضمان عدم امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، وتساعد تونسُ على تقوية دفاعاتها تحسبًا لأي تحرك ليبي نحوها «حيث إن سلوكيات شخص مثل العقيد القذافي لا يمكن التنبؤ بها أو استقراؤها». في المقابل فإن تونس والمغرب تعدّان من أقرب أصدقاء الولايات المتحدة في شمال أفريقيا، ولا تهددهما مخاطر عسكرية خارجية أو داخلية كبيرة وللولايات المتحدة علاقات عسكرية قوية مع الدولتين، فقد شاركت المغرب إلى جانب أمريكا وحلفائها في حرب الخليج، ويتم دعم الجيشين بالتدريب العسكري الأمريكي مقابل منح تسهيلات عسكرية للجيش الأمريكي في الموانئ والمطارات التونسية والمغربية والمناورات المشتركة، «إن كل ضابطٍ في القوات الجوية التونسية قد حصل على تدريب عسكري في أمريكا» ، أمَّا الجزائر التي تتعرض لما يشبه الحرب الأهلية فإن العلاقات العسكرية الأمريكية معها تم تخفيضها إلى حد كبير.

ويؤكد التقرير على أن الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة تقوم على ضمان سرعة التدخل العسكري في حالة تعرض المصالح الأمريكية للخطر، وذلك من خلال عدة وسائل وسياسات، لعل أهمها وآخرها الاحتفاظ بقواعد عسكرية ثابتة في المنطقة.

فقبل القواعد العسكرية التي تقابل بمعارضة وطنية في غالبية الدول العربية، خاصة تلك الدول التي كان لها تاريخ طويل من النضال ضد الوجود العسكري الأجنبي، قبل ذلك تأتي سياسة أمركة الجيوش العربية عن طريق ربطها بالآلة العسكرية الغربية، وخاصة الآلة الأمريكية من خلال مشتريات السلاح وصيانته والتدريب عليه والمناورات المشتركة، وفي هذا الصدد يورد تقرير وزارة الدفاع إحصائية مهمة بحجم التعاون العسكري لكل دولة شرق أوسطية مع أمريكا، تكشف هذه الإحصائية أن جميع الدول العربية ما عدا ليبيا والعراق و«إيران» لها ممثلون عسكريون، (مكاتب تمثيل عسكري) في الولايات المتحدة التي لها في المقابل تمثيل عسكري في كل تلك الدول، وتبادل مسؤولون عسكريون على مستوى عالٍ من جميع الدول العربية - ما عدا الجزائر والعراق ولبنان وليبيا وسوريا واليمن - زيارات عديدة مع نظرائهم الأمريكيين، وأجريت بينهم محادثات عسكرية رسمية.

وتشير الإحصائية إلى احتفاظ الولايات المتحدة بقوات عسكرية أمريكية في خمس دول خليجية، كما تم إجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة بين الجيش الأمريكي وجيوش ۱۰ دول هي بالإضافة إلى الدول الخليجية مصر والأردن والمغرب وقطر وتونس، وتمنح معظم الدول القوات الأمريكية حرية استخدام أراضيها وموانيها ومطاراتها دون شرط أو قيد، بينما يتم ربط جميع الجيوش العربية - فيما عدا جيوش سوريا وليبيا والعراق - بالآلة والقيم العسكرية من خلال أنظمة التعليم العسكري التي تم إدخالها لمناهج المعاهد والكليات العسكرية، ومن خلال التدريب على النمط الأمريكي الذي يخضع للإشراف الأمريكي المباشر.

ومن الطبيعي في ظل هذه الأمركة أن تصبح الجيوش العربية جزءًا من الترسانة العسكرية الأمريكية، فمن يسلح ويدرب يملك القدرة على السيطرة والتوجيه ويتحكم في مصير وحدود من يسلحه ويدربه، وليس ببعيد صفقات الأسلحة الكبيرة التي تم فرضها فرضًا على بعض الدول رغم عدم حاجتها إليها من جانب، وعدم قدرتها على تشغيلها. وصيانتها من جانب آخر، إن إسرائيل الحليف الأول الأمريكي في المنطقة لا تقبل بهذه الأمركة السافرة، وتركز في تعاونها العسكري معها على تمويل صناعاتها العسكرية المستقلة. ولم تقبل في وقت من الأوقات بوجود قوات أمريكية على أراضيها - أعني فلسطين المحتلة - بينما تسعى الدول العربية إلى هذا اللون من التبعية العسكرية التي تجعل من جيوشها وإمكاناتها مجرد ترس في العجلة الأمريكية.

عسكرة الأراضي العربية.

إلى جانب أمركة الجيوش تسعى الولايات المتحدة إلى عسكرة الأراضي العربية بالاحتفاظ بقواعد عسكرية ثابتة ومتحركة في الدول العربية الصديقة لها، وتكتسب هذه الوسيلة أهميتها من تأكيد تقرير وزارة الدفاع عليها كأحد أبرز وأهم معالم الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي تستهدف حماية مصالحها بالقوة المسلحة من خلال تواجد عسكري بحري وجوي وبري دائم في المنطقة يساعد في عقاب الأنظمة غير الموالية لها من جانب  ويسهل عمليات نقل القوات لمناطق الأزمات بسرعة أكبر ودون الحاجة للاحتفاظ بقواعد في كل دول المنطقة.

الوجود العسكري في الخليج.

ومن الطبيعي والمنطقي أن يتركز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج باعتبارها منطقة المصالح الحيوية لأمريكا حيث توجد الثروة البترولية، وبمقارنة تاريخية بسيطة يمكن أن نلحظ التطور الهائل في هذا الوجود في السنوات الماضية، فقبل حرب الخليج لم يكن للولايات المتحدة سوى قوة بحرية واحدة في الخليج، أضيف إليها أثناء وبعد الحرب حاملة طائرات قادرة على التحرك السريع المناطق الصراعات، كما حدث في أكتوبر ١٩٩٤م، عندما تحركت الحاملة جورج واشنطن من البحر الأحمر إلى الخليج العربي مع التهديد العراقي الجديد للكويت.

في هذا المجال تقرر وزارة الدفاع الأمريكية أن التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة قد شهد زيادة كبيرة وغير متوقعة منذ غزو الكويت، فقبل ذلك كانت الطائرات المقاتلة الأمريكية الوحيدة في المنطقة هي تلك المتنقلة بين البحرين المتوسط والأحمر على متن حاملة طائرات، أما بعد عام ۱۹۹۰م فقد أضيف إليها عدد كبير من المقاتلات يتم توجيهها من خارج الجزيرة العربية من قواعد تركية وعدد آخر من قاذفات( أ – ۱۰) «10-A» تعمل من خارج الأراضي الكويتية، كما تدير وتحتفظ بقواعد صواريخ باتريوت في منطقة الخليج وقوات برية مشتركة مع حلفائها في شمال العراق، وقوات برية كبيرة في الخليج لمراقبة تطبيق العقوبات الدولية على العراق، وقد أوقفت هذه القوات عددًا كبيرًا من السفن المحملة بالبضائع التي كانت متوجهة إلى العراق في عام ١٩٩٤م.

وقبل عام ١٩٩٠م أيضًا كان تواجد القوات البرية الأمريكية يكاد يقتصر على فترات المناورات المشتركة مع بعض الدول، وكانت أكبر وأهم هذه المناورات هي مناورات النجم الساطع مع مصر، بالإضافة إلى مناورات أخرى أقل حجمًا مع الأردن والمغرب وتونس وعمان، أمّا بعد الحرب فقد تم توسيع نطاق هذه المناورات؛ لتشمل جميع دول الخليج، والتي بلغ عددها ۲۰ مناورة استمرت بعضها لما يقربُ من ثلاثة أشهر.

أما فيما يتعلق بسرعة نقل قوات إضافية إلى المنطقة فقد كانت حرب الخليج أكبر إنجازات الجيش الأمريكي في هذا المجال، إذ نجح في نقل أكثر من ٥٠٠ ألف جندي إلى المنطقة وآلاف الدبابات والعربات المدرعة والطائرات وملايين الأطنان من المعدات في أقل من ثلاثة أشهر، ولزيادة سرعة وكفاءة عمليات النقل اتخذت أمريكا من أراضي دول المنطقة مخزنًا قريبًا للسلاح، حيث نقلت معدات فرقة كاملة إلى الكويت بالإضافة إلى سبع سفن أخرى محملة بالمعدات العسكرية ترابط في مياه الخليج، ولازالت تسعى لتخزين المزيد من الأسلحة في دول أخرى.

وبعد.. فإنّ هذه هي الخطوط العريضة للإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وذلك من خلال التقرير الهامّ الذي عرضه وزير الدفاع الأمريكي وليم بيري على الكونجرس في أوائل مايو الماضي، وهي في الواقع ورغم أهميتها ليست بالجديدة على دولة تدعي السيادة على العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، فالخطاب العسكري الأمريكي لا يختلف كثيرًا عن الخطاب السياسي الذي ينظر لهذه المنطقة نظرة مصلحة ليس غير...، والمشكلة أننا - كعرب - لا نستوعب الدرس ولا نحسن قراءة أفكار «أصدقائنا!!» ولا زالت أنظمتنا العربية تعول كثيرًا على الصديق الأمريكي القادم إلينا بالسلام والقمح والمعونات الاقتصادية، رغم أنَّه في الحقيقة ـ وكما يكشف عنه هذا الموضوع ـ لم يحمل لنا في جعبته سوى المزيد من الأسلحة، واحتلَّت قواته أراضينا بزعم الدفاع عنا من بعضنا البعض، وهو في الحقيقة يدافع عن مصالحه مجانًا!! .

الرابط المختصر :