العنوان معالم المنهاج التربوي لجيلنا الجديد
الكاتب محمد عبدالحميد أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1978
مشاهدات 38
نشر في العدد 390
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 14-مارس-1978
أولًا: النزعة الإنسانية: فليس فيه عنصريات ولا قوميات بالمعنى الشائع في هذه الأيام بل هو دين هدفه الإنسان في كل أرض وغاية التربية عنده ليس إعداد المواطن العربي ولا الشرقي ولا الأبيض ولا الأسمر.. وإنما غايته الإنسان وإعداده الفاضل والشخصية الإنسانية الكاملة.
ثانيًا: اليسر: امتاز الإسلام في تشريعاته وتوجيهاته باليسر والسماحة فليس فيه ما يرهق طبيعة النفس من تكاليف وأعباء وإنما يقدر الضعف البشري ولا يكلف نفسًا ما لا تطيق ففي العبادات عزائم ورخص فالعزائم للقادرين والرخص للعاجزين ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾(الحديد:10) والله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.
ففي الصلاة وضوء وتيمُّم وتمام وقصر وقيام وقعود وعلى الجنب وفي الصيام إمساك وعدة من أيام أخر وفدية وفي الحج إلزام لمن ملك الزاد والراحلة وإعفاء لمن لم يستطيع إليه سبيلا والإسلام يتوخى المصلحة في العزائم والرخص فمن استعمل العزيمة مكان الرخصة وأضر بجسمه أو بنفسه فهو آثم أو كما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام متنطع- هلك المتنطعون أو متعمق أي مُتكلف– وما جعل عليكم في الدين من حرج.
ثالثًا: الشمول: يعالج الإسلام جميع جوانب الحياة من خلق واقتصاد وسياسة فهو عقيدة يشع منها نظام كامل الحياة.
والنظام لا ينفصل عن العقيدة فالدين أصل والنظام حارس وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع– ويعالج جميع مقومات الشخصية من بدن وعقل ونفس فيدعو إلى العناية بالجسم في قوله- عليه الصلاة والسلام- إن لبدنك عليك حق.
ويشيد بالعقل في قوله- ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه هدى ويرده عن ردى ويدعو إلى تهذيب النفس وإصلاحها في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (الشمس:7) ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(الشمس:8) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (الشمس:9) ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس:10).
رابعًا: النزعة الخلقية: والنزعة الخلقية تجري مجرى الدم في جسم الإسلام في كل ما دعا إليه من عمل أو وُجه إليه من سلوك حتى في الشئون المادية الصرفة تأمل في قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا..﴾(البقرة:282).
وقد سُئل الإمام جعفر الصادق: هل حرم الله الربا؟ فأجاب مستلهمًا من القرآن: «كيلا يتمانع الناس المعروف ولا شك أن رأي- جعفر الصادق- تعليل شخصي اهتدى به مستلهمًا روح الإسلام.
وهكذا فالإسلام يرمي إلى إسلام الوجه إلى الله في كل عمل يعمله المسلم من العبادات والمعاملات وفي السلم والحرب جميعًا ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:110).
غاية التربية في الإسلام: يستهد المنهج التربوي الإسلامي أسمى الغايات وأصلح الأهداف ألا وهو- الحياة الطيبة- وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:97).
والحياة الطيبة بمعنى صلاح أمور الناس وتمتعهم بحقوقهم المادية والمعنوية من صحة وأمن وغذاء وكساء وحرية في الفكر والعمل «من بات آمنًا في سربه معافًا في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
ولا تقف الحياة الطيبة عند هذا الحد بل تمتد الحياة الطيبة الخالدة إلى غايتها العظمى وهي النعيم المقيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر حياة لا تسمع فيها لغوًا ولا تأثيمًا إلا قيلا سلامًا سلاما.
ولن يتحقق هذا بغير اتباع المنهج التربوي الإسلامي الخالص الذي جمع عناصر الحياة والخير والإصلاح ومن يعدل عن هذا المنهج فلا حياة له، كما أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه:124).
ولا يغرنكم حياة الغرب ومتاعه وزخارفه ومناعمه في الحياة الدنيا فليست هذه الحياة هي الحياة الطيبة مهما سطعت أضواؤها وفتنت زينتها بل هي حياة– ضنك فهي سعة في المادة وضيق في الروح وأضواء في العين وظلمات بعضها فوق بعض في النفس والقلب وهي نعيم المتاع والمظاهر وجحيم الضمائر والمشاعر-.
مناهج التربية في الإسلام:
شرع الإسلام لأمته عبادات فرضها عليهم وليست هذه العبادات إلا مدارس ومناهج ترمي إلى تكوين المسلم الكامل وتربية الأُمّة الفاضلة والمجتمع الصالح الذي يحيا الحياة الطيبة ويفيض هذه الحياة على من يقوده من الأمم والشعوب.
ويتجه الإسلام أول ما يتجه في الإصلاح إلى النفس الإنسانية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾(الشمس:7) ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(الشمس:8) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾(الشمس:9) ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾( الشمس:10).
فالتغيير يبدأ من هذه النفس التي هي مفتاح التغيير والإصلاح ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾(الرعد:11).
فالنفس الإنسانية أو القلب هو عصا التحويل.. التي تنقل الفرد والجماعة من حال إلى حال «إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى أن القلب الإنساني مفتقر بطبعه إلى معرفة الله فلا يغني عن هذه المعرفة أي أسلوب آخر من أساليب الحياة ومتاعها فيقول- فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسكن ولا يطمئن مهما أوتي من لذات الدنيا إلا بعبادة ربه وحده إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه بالفطرة من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه فهو دائم مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الفاتحة:5).
وقد أشار- سقراط- من قبل ذلك إلى هذا المعنى في قوله المأثور- ما زلت أشرب ولا أروى حتى عرفت الله فرويت من غير شرب.
ومن هذه المناهج وأهمها- الصلاة، وإذا حللنا هذه العبادة وحدها وجدناها تحوي من التوجيهات والدروس ما يكفي لصلاح الفرد وتربيته على الأسس الكاملة والهدف الكامل فالصلاة عملية تربوية كاملة تتناول الجسم والعقل والنفس ولكل من هذه العناصر والمقومات حظه من التربية والحركة، فالجسم قبل دخول الصلاة يتحرك للوضوء وهذه الحركة عملية فيها نشاط للجسم والوضوء نفسه عملية فيه نشاط للجسم بحركة الغسل لأعضاء الجسم ونظافتها، والوقوف بين يدي الله في اتجاه القبلة حركة نفسية فيها حياة القلب وصلاحه، وتلاوة القرآن في الصلاة حركة عقلية تمد العقل بحقائق الشريعة وتغذيه بآيات الله في ميادين التوحيد والعبادة والجهاد والإصلاح وهذه لا شك ثقافة عقلية وبذلك تجمع الصلاة بين مقومات التربية جميعًا، من جسم وعقل ونفس فالصلاة مدرسة تجمع تلاميذها بآذان يؤذن للنفس لا بناقوس يدق بالجرس وآذانها شعار الإسلام الأكبر وهو- التكبير- كأنما يدعوك المؤذن إلى الإقبال على ربك طارحًا خلف ظهرك ودبر أذنك كل ما يشغلك من مطالب الحياة فالدعوة إلى الصلاة ليست ...
معالم المنهاج التربوي لجيلنا الجديد...
دعوة صديق ولا دعوة كبير وإنما هي دعوة- الصدق- ودعوة- الأكبر- واستجابتك للصلاة هي استجابتك للفلاح فليس لك أن تنصرف عنها بمتاع ولا مصالح فإنها أمتع المتاع وأصلح المصالح ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(الأنفال:24). فالصلاة حياة وفلاح وهي لقاء ومناجاة وتلاوة وتأمل وركوع وسجود هما رمز الخضوع والخشوع فهي معراج المسلم وهي رحلة علوية ربانية تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم وعبادة جامعة يشترك فيها البدن والفكر ويخشع فيها القلب والجسم.
وصفها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله- «جُعلت قرة عيني في الصلاة» ورأى فيها صلى الله عليه وسلم روحًا وريحانًا وساعة خلوة مع الخليل ولقاء قدسيًا مع الجليل في قوله لبلال وهو يدعوه إلى الأذان- «أرحنا بها يا بلال».
وتقول أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها– وهي تصف استعداده صلى الله عليه وسلم لهذا اللقاء والمناجاة في الصلاة بعد سماعه الأذان-: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمنا ونكلمه فإذا أذن بلال فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه».
وقد صور الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه- إحياء علوم الدين- ما يوحي الأذان من أسرار ومعان فقال: فإذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر فأعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءًا بالفرح والاستبشار مشحونًا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء.
ويصور ما توصيه الطهارة من أسرار بقوله- فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفك إلا بعد ثم في ثيابك وهي غلافك الأقرب ثم في بشرتك وهي قشرك الأدنى فلا تغفل عن لُبك الذي هو ذاتك وهو قلبك فاجتهد له تطهيرًا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في المستقبل فطهر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك.
ويصور ما يوحيه استقبال القبلة بقوله- فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمر إلى أمر الله عز وجل ليس مطلوبًا منك هيهات فلا مطلوب سواه وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله عز وجل فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا بالتفرُّغ عما سواه- وأما- التكبير فيصور الإمام الغزالي معانيه بقوله فإذا انطلق به لسانك فينبغي ألا يكذبه قلبك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه فالله يشهد أنك لكاذب وإن كان الكلام صدقًا فإن كان هواك أغلب عليه من أمر الله عز وجل فأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيوشك يكون قولك- الله أكبر- كلامًا باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة وحُسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه-.
وهكذا فمنهج التربية في الإسلام بالصلاة تتجلى فيه التربية في أعلى معانيها وأسمى أهدافها وهي عنوان الإسلام وشعاره الأكبر من تركها يبقى له من الإسلام إلا كما يبقى للجسم من جسم بلا قلب ومن قلب بلا نبض.
ولهذا دعا إليها رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام وطلب أن يعود المسلمون أولادهم عليها قبل البلوغ ليشبوا عليها وينطبعوا بطابعها منذ نعومة أظفارهم- علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر-.
وفي الفرائض الأخرى تتجلى بعض العناصر أبرز من غيرها– فالصوم يبرز فيه عنصر تربية الإرادة والسمو على الآدمية- والزكاة- يبرز فيها عنصر التحرر من عبادة المال- والحج- يبرز فيه عنصر التأمل السياحي في مشاهد الآخرة والتجرد العملي للخالق الأكبر و- الجهاد- يبرز فيه عنصر السمو على الحياة نفسها ببذل الروح فداء العقيدة طلبًا لحياة الخلود والشهادة.
وبعد: فعلى المربين أن يفهموا منهج الإسلام كما صوره القرآن الكريم والسُّنّة النبوية المطهرة ثم يأخذوا أولادهم بأسلوب الإسلام في التربية في رفق وحكمة وفي نظام وقدوة حتى ينشأ جيل جديد يجدد عهد- خالد- وصلاح الدين- يحرر النفس ليحرر الأرض ويعبد الله وحده ليقود العالمين إلى الحياة الطيبة إلى المجد والعزة والفلاح.