; معالم الوحدة في أمة الوحدة.. إلى أين؟! | مجلة المجتمع

العنوان معالم الوحدة في أمة الوحدة.. إلى أين؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1992

مشاهدات 57

نشر في العدد 1023

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 03-نوفمبر-1992

تحتاج الوحدة إلى الانصهار والتضحية ونكران الذات، كما تحتاج إلى عناصر معينة، أولها: توجه الجماهير ورغبتهم، وثانيها: صفاء الفكر واعتداله وفاعليته، وثالثها: وضوح المنهج وسلامته، ورابعها: القصد نحو غاية والاندفاع نحو هدف.

1- فالشعوب والجماهير هم مكونات الوحدة ولبناتها، وأسسها وأطرها، بل شهودها وأصحاب الحكم عليها، ينصهر بعضهم في البعض الآخر حتى يكونوا جسدًا وأعضاء وأشكالًا تذوب دماؤها في عرق واحد، ويضخها قلب واحد ونبض واحد.. فإذا فرقتهم العنصرية، أو النزعات القومية أو القلبية أو الشعوبية أو المادية، تفرقوا أيدي سبأ، وتقطعوا في الأرض مزقًا، منهم الضالون والشاردون، ومنهم دون ذلك. 

2- والفكر هو نور الوحدة الذي يضيء طريقها ويوحد ثقافتها ويعدل سلوكها ويربي قادتها. وأصحاب الفكر في الأمة هم قواد سفينتها وربانها، وبنات صروحها، ورافعو أعلامها وحراسها، فإذا شرد الفكر والتوى الفهم وضل العقل وانحطت الثقافة وانتكس السلوك، وإذا فسد المفكرون وأسنوا عقلًا وضلوا فهمًا، وتشتتوا توجهًا، وتبددوا إدراكًا، وتقاتلوا وتصارعوا وتهالكوا جهلًا وكرهًا وبغضًا وعداوة؛ غبش الطريق وغرقت السفينة، وانهدمت الصروح، وتنكست الأعلام، وعاش الناس عصور الشتات.

3- والمنهج هو رباط الوحدة وضابطها ومحدد معالمها، وعاصمها من الضلال، كما أنه معدل للسلوك، ومنسق للعادات وموجه للثقافة، ومبرمج للفكر وطارد للدخل وموضح للطريق. فإذا تعددت المناهج واختلفت الصيحات وتعددت المذاهب وتنوعت النعرات، فإنه ولا شك ستختلف الوجهات وتتعدد الاتجاهات وتبرز العداوات وتحدث الصراعات، وقل بعد هذا على الوحدة السلام.

4- والهدف والغاية: هو وفود الوحدة ومحركها والدافع لها والمربي لعزائمها والعائد لآمالها، والمحقق لانتصاراتها وهل تقوم وحدة بدون هدف أو تتماسك أمة بدون غاية؟ 

فإذا عاشت أمم ولا تنهض إلى غاية ولا تصبو إلى هدف، وإذا درجت في الحياة بغير همة أو معرفة لدور فيها، وإذا مكثت تتمتع لاهية بالفتات منشغلة بالغثاء، قرحة بالضياع، فإنها لابد وأن تزول فضلًا عن أن تتحد أو يقوم لها قائمة وتسير نحو غايات وأهداف.

وإذا أردنا أن نطرح سؤالًا: هل ممكن أن تتحقق الوحدة العربية أو الإسلامية؟ سؤال يبحث عن جواب، ولابد أن يكون الجواب مؤيدًا بالأدلة، سواء كان ذلك بالنفي أم بالإيجاب حتى يؤدي إلى شيء منطقي أو مفيد أو ينتج إنتاجًا صحيحًا (ونعني بذلك في وقتنا الحاضر)، ومن أجل الإجابة على هذا السؤال يلزمنا أن نلتفت إلى ما قدمنا من الركائز التي تؤدي إلى الوصول إلى هذا الهدف فنقول:

هل اتجهت شعوب الأمة إلى الوحدة واستشرفت نحوها نفسيًّا وشعوريًّا؟ وهل وجدت من يأخذ بيدها بتربية أو إعلام أو توجيه؟ أم غزيت بالعنصريات والعداوات والحروب والكراهية والأطماع؟ وهل أحست الشعوب بطعم الأخوة وبرد الحب؟

وهل فكر الأمة اليوم وثقافتها يرتشف من رحيق تراثها ويرضع من لبان سلفها ويتوجه نحو ذاتيتها وحضارتها؟

أم هو فكر متسول مهزوم مشتت لا هوية له ولا طعم ولا رائحة؟ وهل مفكرو الأمة اليوم هم أمثلة يقتدي بهم أو هم مؤهلون فعلًا لقيادة الأمة، أم تتنازعهم المذاهب والأفكار والمطامع؟ وهل للأمة منهج واحد ودستور واحد يجمع شتاتها الاجتماعي والروحي، ويحفظ عليها أصالتها، ويصون شخصيتها ويحفظها من الانحراف والتيه؟ وهل للأمة غاية وهدف مرسوم تسعى لتحقيقه، واضح المعالم، محدد الخطوات يثير طاقاتها ويحفظ كرامتها، ويسعى إلى عزتها، أم أنها صرعى الشطحات حتى أصبحت كأعجاز نخل خاوية؟

إذن فأين معالم الوحدة في أمة الوحدة، وقد نادانا الله إليها فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا (آل عمران: 103).

الرابط المختصر :