العنوان في ذاكرة الأيام.. قصة عالم وشهيد
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004
مشاهدات 58
نشر في العدد 1585
نشر في الصفحة 49
السبت 17-يناير-2004
هناك علماء أصحاب بصائر وعزائم ينظرون إلى الأشياء بمنظار الإيمان فلا يعوج بهم الطريق، أو تلتبس عليهم الدروب لهم نور وعليهم بهاء، يكلهم الله بعنايته ويحفظهم بقدرته، ويجعل لهم في الجهالة حلمًا وفي الظلمة نورًا وفي الشدة مخرجًا ومثلهم في الناس كمثل الظلال الوارفة في الهجير، أو المطر الندي في الصحارى والوهاد والنجوع، يلجا إليهم الناس في ملماتهم ويفزعون إليهم في خطوبهم، فلا يخيبون قاصدًا، ولا يردون طالبًا.
كما أن من العلماء من له لسان وليس له قلب، وله حافظة وليس له بصيرة أو نظر، يعمى عن الحقائق ويهذي في كل شيء ولا يكلف نفسه البحث قبل الهذيان، ولا التحري قبل الفتوى، وهؤلاء دائمًا يكونون کالدمى في يد المتنفذين، وكالأطفال في يد المتلاعبين بالناس وبالأمة المنكوبة. بهم، فبواسطتهم تخلط الأوراق. ويتموه على الناس الحق، بل ينقلب باطلًا يطارد أصحابه ويتهم رجاله، وقد ابتليت أمتنا بالكثير من هذا الصنف النكد إلا من رحم ربك، ففي فترة حالكة سادت فيها الدكتاتوريات أضير كثير من العاملين للإسلام بفتاواهم وأقلامهم وكانوا أشد عليهم من أعدائهم واتخذهم أعداء الإسلام سندًا للظلم وشهادة كاذبة للعامة على صواب ما يقترفون.
ففي سنة ١٩٥٤ لما وقعت نكبة العاملين المخلصين للإسلام على يد عبد الناصر سارعت هيئة كبار العلماء في مصر وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحمن تاج إلى سبهم ووصفهم بأقذع الألفاظ واتهامهم بأعظم التهم من غير أي دليل أو أي أثارة من علم، بل قبل التحقيق معهم، حسبة لأهل الظلم والبغي والعدوان، وعلى نقيض هؤلاء نرى عالمًا جليلًا من أهل الفضل والإيمان يقف المواقف البطولية سندًا لأهل الحق والكفاح والإيمان وهو فضيلة الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت حيث وارى أحد المطلوبين الفارين من الظلم في بيته وكان ذلك يعرضه هو وأسرته لأقسى الأحكام والتعذيب والإهانة وتدور حوادث القصة كما يلي: «بعد الغداء حوالي الساعة الثالثة، يطرق باب منزل الشيخ، يذهب الخادم ليرى الطارق، ثم يأتي ويقول للشيخ إنه شاب طليق اللحية رث الثياب يريد مقابلتك.»
يقول الشيخ حسنين مخلوف تعجبت من ذلك وظننت أنه عابر سبيل.. دخل الشاب إلى المنزل ولم أقابله في البداية، بل أعد له الخادم طعام الغداء، فأكله بشهية، وكأنه لم يأكل منذ مدة طويلة.. بعد الغداء ظننت أنه سينصرف إلا أنه أصر على مقابلتي وألح في ذلك.
فذهبت إليه، وما إن رأيته حتى ظننت أنه سيطلب صدقة، فقد كان رث الثياب، تبدو عليه شدة التعب، بدأ حديثه بنفسه معرفًا فقال: محمد الصوابي الديب، طالب بكلية الشريعة بجامعة الأزهر الشريف.. اهتز جسمي وأصبت برعشة عندما قال لي إنه كان من متطوعي الإخوان في حرب فلسطين، فقد كان الإخوان المسلمون في ذلك الوقت في أوج محنتهم، وكانت كلمة الإخوان المسلمين تترادف مع كلمات الاعتقال – التعذيب- السجن - المحاكمات.
ثم قال الشاب: لي في صوت. منخفض ولكنه قوي: أنا في محنة، وأحتاج إليك، فأنا مطلوب القبض على وقد مكثت أكثر من شهر هاربًا في المقابر متخفيًا في الصباح، ثم أخرج ليلًا لأقتات الطعام من فتات الطرقات لقد كرهت الحياة بين الأموات، وأريد أن أعيش بين الأحياء، فهل تقبلني؟
يقول الشيخ استأذنت منه وذهبت إلى أولادي... الدكتور على وابنتي زينب، والذهول ما زال مسيطرًا على نفسي.. لاحظ أولادي ذلك على الفور، فسألوني مالك يا أبي... حصل إيه أخبرتهم بالقصة، وفجأة وجدت نفسي أقول: إنه صادق إنه صادق.. قلت لأولادي إنني متأكد أن هذا الشاب ليس من الشرطة أو المباحث، جاء ليختبرنا، بل إنني موقن أنه يقول الصدق، فهو صادق، وأضفت أنني لا أستطيع أن أرد مستجيرًا في هذه المحنة، وأنا موقن أنه مظلوم، وقد قررت قبوله، ولكن الذي يقلقني هو ما ستفعله بكم أجهزة المباحث والدولة كلها إذا اكتشفوا وجوده بيننا، وكان هناك قانون أو فرمان جمهوري قد صدر في ذلك الوقت يعاقب كل من تستر على أي من الإخوان المطلوب القبض عليهم بالأشغال الشاقة لمدة خمس عشرة سنة. قال ابني على بعد فترة صمت افعل ما تراه من الناحية الإسلامية يا أبي، والله يتولانا جميعًا.
وذهب الشيخ إلى ضيفه المستجير به «محمد الصوابي» وقال له: أهلًا بك وسنسميك باسم غير اسمك وهو «صادق أفندي»، وسأجعلك سكرتيري. وألبسه الشيخ ملابس حسنة وحلق لحيته، يقول الشيخ إن الخطة التي تم وضعها للإخفاء قد نجحت تمامًا. فقد أعلن على كل الأسرة أنه جاء لنا سكرتير لوالدي اسمه «صادق أفندي»، ولم يعرف بالحقيقة إلا ابنتي الدكتورة زينب، وابني الدكتور على مخلوف وزوجة الدكتور على الدكتورة سعاد الهضيبي التي لم تتردد في الترحيب بالمستجير بنا رغم أن والدها مرشد عام الإخوان المسلمين حسن الهضيبي وجميع إخوتها في السجن.
ويضيف الشيخ حسنين مخلوف: إن الشهيد محمد الصوابي صادق أفندي كان فعلًا سكرتيرًا ممتازًا. عاونني كثيرًا في عملي وخاصة في الكتب التي أخرجتها في ذلك الوقت، وكان يصاحبني دائمًا في كل مكان أذهب إليه، والطريف أنه كان يقابل ضباط الشرطة الذين كانوا يسكنون بجواري بأعصاب في منتهى الهدوء، وكنت أقدمه لهم على أساس أنه سكرتيري الخاص صادق أفندي، وعاش صادق أفندي لمدة ثمانية أشهر كاملة مع أفراد أسرة الشيخ مخلوف، وكان يسكن في حجرة منفصلة بحديقة المنزل بها صالون ومكتبة كبيرة وغرفة نوم وحمام خاص، تم تخصيصها له، وكان يساعد الشيخ كثيرًا في الرد على الاستفسارات الدينية الكثيرة التي ترد إليه باعتباره مفتيًا للديار المصرية.
وفي أحد الأيام في صيف ١٩٥٥م، طلب صادق أفندي محمد الصوابي الهارب من الشيخ الاستئذان في السفر إلى السعودية للعمل هناك، وأخبر الشيخ أن هناك شخصًا عراقيًا قد أعد له الرحلة، واتضح فيما بعد أنه كان دسيسة، وحاول الشيخ أن يثنيه عن عزمه ولكنه أصر، حتى يتخلص من القلق الذي يعيش فيه وأوصاه الشيخ أن يطمئنه بعد وصوله بإرسال خطاب وتمر الأيام ولا يرسل محمد خطابًا أو برقية، فيزداد قلق الشيخ والأسرة، وبلغ القلق بالأسرة حدًا لا يطاق عندما سمعت الدكتورة سعاد الهضيبي زوجة الدكتور على مخلوف ابن الشيخ من راديو لندن أنه قد قبض على اثنين من الإخوان في باخرة بالسويس، وهما في طريقهما إلى جدة، وفعلًا كان صاحبنا واحدًا منهم. وأخذ إلى السجن الحربي، فقالت الأسرة رحنا في داهية، وتجهزت الأسرة للسجن والعذاب، ووضع محمد الصوابي، تحت العذاب، وكان هناك سؤال واحد مهم يطلب منه أن يجيب عليه هو عند من كنت تختبئ؟، فلا يرد جوابًا، وظل تحت العذاب حتى فارق الحياة، ولم ينطق بكلمة واحدة عن الشيخ ولا عن تلك الأسرة الفاضلة، يقول الشيخ حسنين مخلوف لم أكن أتوقع أبدًا أن يتحمل الشهيد محمد الصوابي الديب التعذيب الذي لا يصدقه عقل من أجلي، لم أكن أتوقع أن يضحي بحياته من أجلي، حقًا هذه تربية عالية وتضحية فريدة لا تصدر إلا من وفي تربي في أحضان دعوة مباركة، وأنا أرفع الصوت عاليًا في المطالبة بالحفاظ على هذه الدعوة والالتفات إلى هذا النبت الوفي الطيب.
رحم الله العلماء المخلصين العاملين أهل المروءات، ورحم الله الشهيد البطل، وأسكنهم فسيح جناته، فهم في جوار الحق سبحانه ولن يضيع عند الله سبحانه ثواب المحسنين ولن يفلت من عذاب الله سبحانه الفجار والظالمون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل