العنوان الحق هو الأقوى دائمًا
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992
مشاهدات 56
نشر في العدد 1012
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 18-أغسطس-1992
قوة الحق وضعف الباطل
الحق أقوى إذاكان له جند شِداد، ويحمله رجال صدق ﴿مِّنَ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن
قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
(الأحزاب: 23). والباطل ضعيف وإن تَنَفَّش، وعلت رغوته، أو تطاول وارتفعت
رايته، وصدق من قال:
أعيذُها نظراتٍ منك
صادقةً *** أن تَحْسبَ الشَّحمَ فيمَن شَحْمُهُ وَرَمُ
أورام الباطل ومستشاروه
وأورام الباطل
منتفخة دائمًا، وهالاته دخانية دائمًا، وقواته مرتعشة جبانة. ومستشاروه ونصحاؤه،
منافقون مصلحيون لا حلُم ولا عقول ولا وفاء أو إخلاص، تغُره أهواؤه وشهواته،
وهالاته وحواشيه، يظن أنه بذلك يلفت الناس عن الحق وهو مخدوع: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي
الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
(سورة آل عمران 196-197). ويصور القرآن أصحاب الباطل في لوحة تعبيرية لا
تحتاج إلى تعليق لإيحائها الصارخ فيقول: ﴿ وَإِذَا
رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ
كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ
الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾
(المنافقون: 4).
واقع الأنظمة السلطوية
وإياك يا صاحبي
أن تقول إن هذا حديث نظري، لا بل هو عملي تراه كل يوم وتسمع به في كل نظام سلطوي،
تخدمه الجيوش الكثيفة بدباباتها وطائراتها وخيلها ورجالها، وتخدمه شرطة هائلة
مدربة مدججة مُسَعَّرة، لا هم لها إلا حماية تلك السلطة المدللة، وترعاه أنظمة مباحثاتية
عارمة مُعلمة مُسلطة تستبيح كل شيء، ولا ترعى إلًّا ولا ذمة، هذا فضلًا عن أنظمة
للمخابرات بأجهزة تهتك الأستار، وتفضح الأسرار، وتحصي الأنفاس. كل هذا تخدمه جولة
إعلامية داوية، تنعق ليلًا ونهارًا، وتعرف ما تعلم، وما لا تعلم، تتمتع بالحقد على
كل مصلح والإفساد لكل صالح، والعمالة لكل دخيل أو مُسلط والتبني لكل أطروحة شرود
وخطاب مشبوه، وسراب موهوم. كل ذلك تعرفه أوركسترا يقودها مايسترو واحد، لا يسأل
عما يفعل وهم يسألون، في مجتمعات مطحونة مستباحة لا تستطيع التقاط الأنفاس؛ لأنها
تغرق في الوحل والتيه الذي تعكسه التقارير السنوية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان
لتقرر واقعًا مؤلمًا لحقوق الإنسان في الوطن العربي خلال عام 1990 الذي أقره مجلس
أمنائها الأخير في شهر أبريل؛ حيث يظهر كم غير مسبوق من الانتهاكات في معظم
البلدان العربية وعلى الصعد كلها، في مجال الحقوق المدنية والسياسية والشخصية،
انتهاك الحق في الحياة، وفي الحريات، أو في إطار المنازعات السياسية، أو في إطار
أعمال القمع ومطاردات الشرطة وأحكام الإعدام في القضايا السياسية، والموت من جراء
التعذيب، وانتهاك الحق في الحرية والأمان الشخصي من خلال اعتقالات غير قانونية في
ثلاثة عشر قطرًا عربيًا، وظاهرة الاختفاء البغيضة في ثلاثة أقطار، كما يعكس صورة
متردية لمعاملة السجناء وغيرهم من المحتجزين، وغياب الحق في محاكمات منصفة في ستة
بلدان عربية، وانتهاك حريات الرأي والتعبير والقيود التي يعانيها حق تكوين
الجمعيات وحق المشاركة في إدارة الشؤون العامة، والانتهاكات التي تعرضت لها حقوق
الشعب الكويتي خلال محنة الاحتلال.
نهاية الباطل وبقاء الحق
كل هذا القهر
وهذه السطوة وهذا الغرور، ولكن الحق أقوى؛ لأنه قاموس البقاء، وقانون الصلاح،
وسبيل النهضة والحضارة الحقة؛ لأنه ميزان العدل وشرف الضمير، وبرد الفطرة. ومن أجل
هذا يبرز في وسط الظلام رجال قلة، وفتية يُعَدون على الأصابع يهزمون كل هذا
الباطل، ويصرعونه، وتسمعه قبل أن يصرع يُولْوِل ويملأ الدنيا صراخًا ويهذي
كالمحموم، ويصيح كالمجنون، ويستعين حتى بالشيطان ولا مغيث، ويندم عند القارعة ولَاتَ
ساعة مندم.
كل هذا حقيقة
تسمع بها كل يوم عند تهاوي عروش وسقوط أنظمة وقيام أخرى، ينظمها قانون البقاء أو
قاموس الحياة: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾.
﴿وَسَكَنتُمْ
فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ
فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ
وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ *
فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
ذُو انتِقَامٍ﴾ (سورة إبراهيم 45-47).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل