; الدكتاتورية الديمقراطية | مجلة المجتمع

العنوان الدكتاتورية الديمقراطية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1387

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 08-فبراير-2000

اختراع عربي، وتكنولوجيا شرق أوسطية إسلامية، تناقلتها الأمم المنحوسة، والشعوب المتعوسة، وهذا الاختراع العظيم يقوم على أسس وقواعد معينة تضبط إيقاعه، وترتب أنغامه، وترفع أعلامه من هذه الأسس:

1- الشعارات البرَّاقة، التي تُطلق آناء الليل وأطراف النهار، ينام الناس عليها في الإعلام ويصحون عليها، ويملئون بها أعينهم، ويطَّلعون على محياها في اللافتات والجدران والملصقات، وكلها خداع لا تقنع عقلًا، ولا تشبع بطنًا، ولا تربي نفسًا.

2- الأكاذيب والافتراءات التي تروِّج للمجد الكاذب، والتقدم الموهوم، والحضارة المضللة، والرخاء القادم، ولو جُمِعت الوعود والأماني والآمال التي أُلْقِيَت على الأمة، لملأت الأسفار، وأنفدت البحار.

3- التنكر للأساليب العلمية والميل إلى العفوية، ولهذا فالمشاريع القليلة التي تقام يعرف سلفًا أنها خاسرة، وخلفًا بأنها فاسدة، لتذهب أموال الأمة، وعرقها هدرًا وتحبط الأمة، وتفقد الثقة بنفسها.

4- صحبة المنافقين والمداحين الذين لا يجيدون إلا المداهنة، ومداراة العيوب والاستفادة من السلطات، والحقد على العاملين المخلصين، والعمل على تنحيتهم وضربهم إن أمكن حتى تخلو الساحة إلا من غبي.

5- الضرب في الشعوب، بمعنى أنه لابد من افتعال عراكات معينة لا تهدأ ولا تفتر بسبب أو بغير سبب مع الشعوب، وتصنيف الناس بين الولاء والبراء، لإلهاء الشعوب وتحطيمها، حتى لا تتطلع إلى معارضة أو تغيير، من ذلك فرض الأحكام العرفية، وإقامة المحاكم العسكرية وغيرها.

6- التمسُّك بالسلطة، وتركيزها في يد واحدة وحزب واحد، واختراع المسببات لذلك تحت شعار ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (غافر: 29).

ولنكن صرحاء ولو قليلًا ونقول: إن تجرؤ الأنظمة العربية على الحريات العامة وحقوق الإنسان، والقواعد الديمقراطية، ما كان ممكنًا أن يبلغ هذه الدرجة من الصلافة والتوحش والاستهتار إذا كان الشعب يحرس الديمقراطية والشورى، ويرعى شجرتها ويسقي غرسها، ما كان ليحدث ما حدث للأمة، إذا قامت بدورها في حماية حريتها والدفاع عن كرامتها، ولكن استخفافنا بمقتضياتها داخل بلادنا ومؤسساتنا قد بلغ درجة عالية من السلبية فأفسح المجال للمضحكات المبكيات في عالمنا العربي، ولهذا فقد ظهرت الديمقراطيات الكالحة التي لا تستحي أن تظهر بوجهها الدكتاتوري القبيح، وتمارس في القرن العشرين وما بعده أبشع أنواع الظلم والقهر ولنأخذ مثلًا بعيدًا بعض الشيء حتى لا نحرج أحدًا، ولكن هذا المثل قد ينطبق تمامًا على حالتنا العربية «وشهاب الدين ليس أفضل من أخيه».

لقد ضاقت ذرعًا تلك الديمقراطية التركية بحجاب امرأة مسلمة أصرت على ارتداء ثياب الحشمة والوقار، وأرادت الدفاع عن هويتها الإسلامية في شخصها فكان عاقبتها الطرد من البرلمان وسحب الجنسية، والاتهام بالتآمر على الدولة والعمالة للخارج هذا بكل جرأة وصلافة وعدم خجل، وهكذا دفعة واحدة ولا لذنب سوى ارتداء الحجاب غطاء رأس امرأة مسلمة زلزل النظام العلماني وهدد أركانه فبُعدًا لنظام يهتز من برقع وجلباب أي ديمقراطية بائسة تلك التي تحرم على امرأة مسلمة أن تمتثل لأمر ربها، وأن تستر جسدها فيما يتيح للعاريات أن يسرحن ويمرحن؟

أي مفارقة ومأساة تكمن في أن سيدة مسلمة كمروة قاوقجي لا يُتاح لها الاحتفاظ بحجابها في جامعة تركية فتسافر إلى الولايات المتحدة وهي بلد كافر، ولكنه لا ينكر حقها في الحجاب فتدخل الجامعة هناك، وتحوز على الدرجة العلمية التي تريدها.. علمانية تركيا وكماليتها بدت في أقبح صورة وهي تطرد مروة قاوقجي من برلمانها، وتُصَفِّر وتُهَرِّج مُعترضة على حجابها، والنظام الذي يضيق ذرعًا بحجاب، ويمتعض من الستر، هو نظام عار لا تستره شعارات حضارية، أو دعوات ديمقراطية؟

لقد قالوا إن هذه المرأة العفيفة تهدد نظام الدولة وتُحرِّض على العنف وتدعو إلى الطائفية لأنها غطت شعرها، فتأملوا المنطق المفلوج الذي تقوم عليه الدولة وتمعنوا في بشاعة الباطل وتهافت الحجة التي يستند إليها، وإذا حولنا النظر إلى بلاد العرب نجد صورًا غريبة لديمقراطيات مُدَّعاة خلت من أي مضمون حقيقي

نعم بلدان عربية كثيرة تمنع قوانين الأحزاب فيها من تأسيس حزب إسلامي... لماذا لأن الحزب الإسلامي - على حد زعم تلك النظم - يؤدي إلى الطائفية وإلى تفرقة صفوف الأمة، وفي دول أخرى يتم اشتراط حذف كلمة «الإسلام»، من اسم الحزب ليمكن عندها ترخيصه الأمر المثير للدهشة والاشمئزاز أن هذه النظم تتهم الإسلاميين بأنهم أعداء الديمقراطية، وأنهم لا يؤمنون بالتداول السلمي للسلطة وعندما تنظر إلى أحدهم تجد أنه يحكم من ١٠ و٢٠ عامًا، وأنه يفكر في نقل السلطة لابنه وربما لحفيده رغم أن نظامه جمهوري. على أساس أن انتقال السلطة للابن هو تداول سلمي للسلطة فما رأيكم بهذه الديمقراطيات الشوهاء.

وهل هناك قمة ديمقراطية تنفصل عن مواطنيها وتعاديهم وتعمل على حرمانهم من حريتهم بأي أسلوب أو طريق، بل وتعمل على قهرهم وإذلالهم، وهل هذا سيمر والأمة الإسلامية تعيش تراثها، وعدلها في الذاكرة، ومازالت أمثلتها شاخصة أمام أبصارها؟

يا مَن رَأى عُمَرًا تَكسُوه بُرْدَتُهُ

                                  الزَّيْتُ أُدْمٌ لهُ والكُوخُ مَأْواهُ

يَهْتَزُّ کِسْرى على كُرْسِيِّهِ فَرَقًا

                                            مِن بَأسِهِ ومُلوكُ الرومِ تَخْشَاهُ

أنبئوني بعلم إن كنتم صادقين؟

 

الرابط المختصر :