; معالم على الطريق- السودان.. ذلك المعلوم المجهول! | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق- السودان.. ذلك المعلوم المجهول!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 24-سبتمبر-2005

مشاهدات 70

نشر في العدد 1670

نشر في الصفحة 43

السبت 24-سبتمبر-2005

dar_elbhoth@hotmail.com 

بعض البلاد تسمع عنها أفضل مما تراها وتأخذ فيها بالمثل القائل تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وبعضها تراها خير من سماعك عنها وتأخذ فيها بقول القائل وما راء كمن سمعا ، وكذلك بعض الرجال على هذا الغرار، وبعض الشعوب على هذا المنوال وقد تضيع الحقائق وسط الجهالات، وفي تضاعيف الحوادث، أو في تلافيف الدعايات المغرضة والإعلام المسموم. 

والسودان بلد واعد قد تعرض للكثير من التجاهل والعديد من الدعايات المغرضة والكثير من افتراءات الأعداء فغمضت معرفتنا بالسودان في ذاكرتنا، وبهتت وتباعدت خبراتنا به في مخيلاتنا، فنسينا هذا البلد الحبيب ونسيناه، وبعد عن أفقنا وبعدنا عن مخيلته، ولا ندري ما دهانا، ولا ما أصابنا من بلاهة وعماية ولقد كنا ونحن طلاباً في المعاهد في سنة ١٩٤٥م نعرف أن مصر والسودان بلد واحد وحكم واحد وملك واحد يسمى ملك مصر والسودان. 

ولما أغار الإنجليز على السودان وأرادوا فصله عن مصر والانفراد بخيراته الكثيرة التي يجهلها الذاهلون والكسالى في وداي النيل، ملأ الشعب المصري الدنيا صياحاً وخرجنا من الجامعات والمعاهد نردد الهتافات النارية ونقول بصوت هادر مصر والسودان لنا وإنجلترا إن أمكنا، جسد واحد وشعب واحد وروح واحد كلنا فداء للسودان، وكانت مصر في تلك الأيام محتلة من الإنجليز، وكانوا يقابلون هذه المظاهرات بالنار والمدافع الرشاشة، فيسقط من يسقط قتيلاً من الطلاب، وتسقط أي حكومة يظن أنها هادنت الإنجليز في هذا الجانب. 

وظلت السودان ومصر جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر وجاء عصر الثورات والدكتاتوريات، وحكم العسكر، فخرج نصف مصر الجنوبي وبقي الشمالي لا يستطيع الفكاك، وكم للدكتاتوريات من بركات وللحقيقة إن السودان قد ظل وفياً لمصر والعروبة وعضواً في الجامعة العربية، ورغم ذلك فإن الاعتناء بالسودان والتلاحم معه في أوقات شدته كان معدوماً، بل كان مخزياً و هجوم الأعداء كان مديداً وشديداً وعنيداً كلف السودان الكثير، هو البلد الفقير الذي لم تستغل موارده، ولم يعاونه أشقاؤه وإخوته لا بالمال ولا بالسلاح، ولا بالتأييد السياسي رغم الحروب التي استمرت طويلاً في جنوبه، وأما شماله فقد اختلقت له مشكلات مع جيرانه ومن داخله، فسلطت عليه مصر، فأثارت له موضوع حلايب وهددته بجيشها المغوار وبفتح جبهة جديدة، فتسامحت السودان وأثرت الأخوة على العداوة، والسلامة على الحرب وأثيرت عليه أثيوبيا تارة، ودعا النصارى واليهود في إريتريا ، زناوي الذي أوى المتمردين وأمدهم بالسلاح والعتاد مرة أخرى. 

وأما في الداخل، فقد تكالب أرباب المصالح والشهوات، وأصحاب الأحزاب الضالة والمنحرفة على الحكومة التي تلملم جراحها هنا وهناك، وتحاول مستميتة مقاومة الهجمات وصد التجاوزات، وكان للصمود السوداني العظيم أمام هذه الموجات السود وللبطولة الخارقة التي أبداها فعل الصاعقة على الأعداء الذين ظنوه لقمة سائغة يسهل ابتلاعها فإذا بها غصة كبيرة في حلوقهم ودفعتهم إلى الاستسلام والجلوس إلى طاولة المفاوضات وما كادت مشكلة الجنوب تنتهي حتى أثاروا للسودان جرحاً آخر في دارفور بواسطة أهواء بعض الطامعين من بنيه الذين ركبهم الاستعمار من أهوائهم، فباعوا أممهم وأوطانهم. 

ولكن الصمود المعهود للحكومة السودانية قد كشف المخبوء وانقلب السحر على الساحر بعون الله وفضله، ولكن اللافت للنظر كذلك أن الاستعمار الأجنبي لا يكل ولا يمل في سبيل تحقيق أطماعه، وأن لعابه السائل على خيرات السودان لا يهدأ ولا يتوقف.

وأكثر من الغرابة، وأعظم من الدهشة أن إخواننا العرب والمسلمين لا يريدون أن يعبوا من هذا الخير السوداني الواعد رغم أن السودان تدعوهم إليه صباح مساء وتعطيهم التسهيلات الكثير والكثير العميم فالسودان هي سلة غذاء الشرق الأوسط كل أرضها رائعة في الزراعة وتجري فيها الأنهار بالماء المنهمر لا يدانيها في العالم أنهار بمثل هذه الكثافة والعظمة، ولقد وقفت على نيلها الأزرق والأبيض ورأيت نعمة الله على هذا البلد في الماء الذي يندفع كالسيل كجلمود صخر حطه السيل من عل يحمل الغرين السماد العظيم الذي لا يوجد مثله في العالم في إخصابه للأرض، فقلت سلام الله عليك نيل الخير العظيم، وليس عليك يا عرب السلام أهذا الخير والإنعام والعطاء موجود والعالم العربي يستورد قوت يومه إنها لإحدى الكبر، والسودان مخزن المياه ومخزن الأرض الصالحة للزراعة، فلا نامت أعين البلهاء ولا قرت سواعد الكسالى والعاطلين الأشقياء.

كما أن في السودان مخازن للطاقات لا تحصى ولا تعد وتحتاج إلى الاستثمار فهناك خامات الرخام والكثير من المعادن وقد ظهر النفط بكميات واعدة ستعود على نهضة السودان بالخير العميم، والسودان اليوم ينادي العرب ليعبوا من هذا الخير، ويساعد على هذا احتياج البلاد إلى كل ما يحتاجه البلد الناهض من العمران، ومن التصنيع والإنشاءات التي تدر الكثير والكثير من الأرباح، وقد هالني عند زيارتي للسودان إقبال الأجانب على الاستثمار في هذا البلد كأنهم خلايا نحل، لأنه يتمتع بالحرية وبتشجيع الدولة للمستثمرين تشجيعاً يسيل اللعاب. 

ولكن هل يسمع قومي وهل يستيقظ النوام قبل فوات الأوان، وكل الذي نرجوه من القيادة السودانية، أن تظل على نهجها المتفتح ولا يغريها الإقبال على الاستثمار فتضيق المميزات فتتقوقع كغيرها، كما نتمنى أن تحافظ الدولة على نهجها الجاد فلا تساعد هؤلاء المغامرين الذين يبغون الربح الهامشي في أمة ناهضة تحتاج إلى قوى بنيها الفاعلة فلا تسرف في إباحة مشاريع مدن الملاهي والنوادي المشبوهة التي تجر النشء إلى الهوى والضياع، وعلى كل الأحوال فالسودان واعد واعد وسيكون إن شاء الله السودان المعلوم، وليس المجهول نسأل الله لهم العون والتوفيق إن شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل