; معالم على الطريق: المجاهدون بين "إسرائيل" والعصافير الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق: المجاهدون بين "إسرائيل" والعصافير الفلسطينية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-2000

مشاهدات 57

نشر في العدد 1393

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 28-مارس-2000

كان الله في عون المجاهدين الفلسطينيين والعرب، لهم الله هؤلاء الأبرار، لهم الله في إيمانهم وجهادهم، لهم الله فيما هم فيه، وفيما ينتظرهم، إن معركتهم الكبرى ذات ثلاث شعب:

أولها: مع اليهود والصهاينة ألعن بشر على وجه الأرض والأم عقول وأخبث طوبة وأغلظ أكباد على طول الزمن.

ثانيها: مع العرب وتلامذة الاستعمار الذين لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، مع الذين يعادون كل جهاد ويكرهون كل رجولة، وهم مستعدون للتضحية بكل مكافح ومصلح في سبيل نزواتهم ومناصبهم وخدمة لحماتهم وأرباب نعمتهم.

ثالثها: مع القوى العالمية التي تريد السيطرة والقهر، وحتى الإبادة لكل ما هو مسلم، متواصلة إلى ذلك بأساليب نفسية واستئصالية وخيانية، فبينما تصم المسلمين بالتطرف وتصف المجاهدين بالإرهابيين، تعمل من جهة أخرى على استئصالهم بإثارة العنصريات ضدهم، وإشعال الحروب في بلادهم ومناطقهم، ثم تستعين بكثير من تلامذتها للقيام بأدوار خيانية، وحديثنا اليوم عن العصافير الفلسطينية، وأجهزة الاستخبارات "الإسرائيلية" ومع نوع جديد من الخيانات التي تنوعت في هذا الزمان، وشملت القمة والقاعدة، ولا مانع من ذكر قصة مؤلمة يستشف منها هذه الأدوار الخبيثة، وكانت مع المعتقل الفلسطيني سليم العماري ۲۸ عامًا، الذي اتهم بالعمل مع المجاهدين الفلسطينيين.

وكان طاقم التحقيق متأكدًا من صحة المعلومات التي تربط بين العماري والتهم الموجهة إليه، إلا أن ثلاثة أشهر من التحقيق المتواصل وما تخللها من أساليب تعذيب وحشية وضغوط نفسية لم تكن كافية لإجبار العماري على الاعتراف.

وفي أقل من ساعة كان السجين الفلسطيني في أوج مسرحية حاكها رجال المخابرات "الإسرائيليون"، وأنزلوه من الطائرة، وإذ بهم يقودونه إلى معسكر يرفع علم الأمم المتحدة، لكي يعتقد أنه وصل إلى القوات الدولية التي ترابط في جنوب لبنان، يخبره ضابط كبير في المعسكر عبر مترجم أنه سيتم تسليمه إلى المنظمات الفلسطينية، في ذلك الوقت يعتقد العماري أنه تحرر إلى الأبد من قبضة المخابرات "الإسرائيلية"، ولشدة ما تعرض له من تعذيب لم يفكر كثيرًا في الاغتراب الذي فرض عليه.

يستقل العماري تحت جنح الظلام سيارة للقوات الدولية التي تنقله إلى معسكر يبعد كيلو مترات عن الموقع، ثم ينزلونه هناك فيرى الأعلام الفلسطينية ترفرف، فيظن حينها أنه الآن قد حل على إخوانه، وهناك يستقبله الفدائيون بالأحضان والعناق والقبلات، ولكي يطمئن العماري أكثر يقوم الفدائيون بنقله إلى خيمة يدعون أن نزلاءها ينتمون إلى «حماس».

تنفرج أسارير العماري، وهو يدخل الخيمة ليرى سبعة شبان، وقد أطلقوا لحاهم، ويؤدون صلاة قيام الليل، ينتظر حتى يفرغوا من الصلاة ليستقبلوه بالعناق، بعد ذلك يتجاذب العماري أطراف الحديث مع رفاقه الجدد، لكنه لم يلتفت إلى تمحور كل الحديث حول أنشطته التنظيمية، ولم يقصر العماري من جانبه في الإفضاء بما لديه من معلومات إلى من في الخيمة، وأخبرهم بكل ما قام به من فاعليات ضمن الجناح العسكري لحماس.

ولشدة ثقته بهم كشف لهم النقاب عن أمور لم يواجهه بها رجال المخابرات "الإسرائيليون" أثناء التحقيق، وتتعلق بتنفيذ هجمات ضد طلاب يهود داخل الخليل، وكان كل من في الخيمة يجتهدون في طرح الأسئلة، وبعدما لم يعد هناك ما يخفيه، فإذا بمن في الخيمة ينظرون إلى بعضهم البعض، وفجأة وبعد أن كانوا غارقين في قيام الليل، فإذا بهم يقهقهون بشكل عصبي، ويتبادلون النكات الجارحة، ويوجه أحدهم حديثه إلى سليم قائلًا: لقد وقعت يا ابن ، وما هي إلا لحظات حتى جاء ثلاثة رجال يرتدون اللباس المدني، ويقتادونه إلى خارج المعسكر، وهناك يجد جمهرة من الجنود يتبادلون الحديث باللغة العربية.

الذهول يخيم على سليم الذي أدرك عندها انه وقع ضحية المسرحية حاك فصولها ضباط المخابرات "الإسرائيليون"، فالمعسكر الذي كان فيه، لم يكن سوى معسكر للجيش "الإسرائيلي"، والذين كانوا معه في الخيمة لم يكونوا سوى فلسطينيين يعملون لدى جهاز المخابرات "الإسرائيلية" العامة الشاباك، إنهم العصافير، حسب تعابير الانتفاضة الذين يستخدمون كطعم للتغرير بالأسرى الذين لا تفلح معهم أساليب التحقيق العادية والتعذيب، فينتقلون إلى زنازين نزلاؤها من العصافير، وهؤلاء يقومون بدور سجناء يتبوؤون هرم التنظيم الذي ينتمي إليه هذا السجين معتمدين في ذلك على عدم معرفة كثير من أعضاء الحركات الفلسطينية بقادة تنظيماتهم؛ نظرًا للطابع السري لها.

فجأة يقطع صوت محركات طائرة هليكوبتر حالة الذهول التي سيطرت على العماري، ولحظات وإذا بهم يزجون به داخلها ليعود بعد ساعة إلى زنزانته في سجن المسكوبية، فيبيت الليلة وفي الصباح يصطحبه أحد السجانين إلى غرفة التحقيق، وما إن يفتح الباب حتى يبادره المحقق الذي أخبره في السابق بالإبعاد بنظرة تنم عن تشفٍ، ويجلسه على الكرسي ثم يقوم بتشغيل جهاز فيديو، ويطلب منه الاستماع بشكل جيد.

لم يستطع العماري أن يقول شيئًا، فقد ظهر في الشريط وهو يدلي بكل التفاصيل عن علاقته التنظيمية وطابع أنشطته العسكرية وعدد العمليات التي شارك فيها وخطط لتنفيذها، لم يكن هناك مجال للإنكار، فقد قام العصافير بتسجيل وتصوير كل هذه الاعترافات، وبناء على هذه الاعترافات أصدرت المحكمة العسكرية الشهر الماضي عليّ العماري حكمًا بالسجن سنين عددًا مع التنفيذ. 

إن ذلك لا يعني إطلاقًا أن ما يقوم به العصافير، ينطلي على جميع المعتقلين، فهذا يوسف درويش (٣٤ عامًا) من مخيم النصيرات للاجئين كان قد اعتقل قبل عام أثناء عودته من مصر على معبر رفح، وتم التحقيق معه من قبل المخابرات "الإسرائيلية" بخصوص علاقاته مع عناصر في حركة الجهاد الإسلامي.

أنکر درويش أي علاقات تنظيمية مع هذه العناصر، حسبما أكد المحامية، واستعملت معه حيلة العصافير، فما إن دخل الزنزانة حتى استقبله السجناء الملتحون بالعناق، ورأى منهم كل ما يدل على تعلقهم بأهداب الدين، وبعدما أخذوا يسألونه على علاقاته التنظيمية، وأخبروه بأن قيادة الجهاد الإسلامي، طلبت منهم على حقيقة الأوضاع التنظيمية في قطاع غزة.

بدون تردد نفى درويش أي علاقة تنظيمية له بالجهاد الإسلامي، وقال: إن كل ما في الأمر هو شبهات للمخابرات "الإسرائيلية" لا تستند إلى دلائل، وأن كل ما يهمه حاليًا هو الاهتمام بشؤون المبخرة التي يعمل بها هو وأخوه خالد.

لجأ العصافير إلى تكتيك آخر في محاولتهم لاستدراجه، فقد اتهموه بأن المخابرات "الإسرائيلية" أسرته ليتجسس عليهم، حتى يجبروه عبر نفيه تهمة التعامل مع المخابرات "الإسرائيلية" على الاعتراف بما يقوم به من نشاطات ضد "إسرائيل"، لكن هذا الأسلوب أيضًا لم ينجح، فما كان من العصافير، إلا أن اعتدوا عليه بالضرب المبرح، لكنه ظل على موقفه، وعندما لم يكن هناك طائل من بقائه أعيد للمخابرات "الإسرائيلية" التي أطلقت سراحه.

هذه هي عصافير النار، فمن علمها الخيانة، ومن جعلها تخلص في ذلك حتى توقع بالمجاهدين لحساب أعداء الله، هذه عصافير "إسرائيل" الفلسطينية، فما بالنا بعصافيرنا العربية القومية التي انحدرت إلى أدنى من ذلك؛ حتى أنها أصبحت تفتري على الناس وتكذب، وتفصل التهم لتوقع بالأبرياء، وتسحق المخلصين، فمن دربها، ومن وظفها، وهل في هذا نفع للأمة وخير لها، أم أننا نشترك في جرائم خلقية لا يعلم إلا الله مدى ما تؤدي إليه من فتن وشر مستطير، نسأل الله السلامة آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل