العنوان المحاكم العسكرية.. هل تطفئ الشمس؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
مشاهدات 96
نشر في العدد 1375
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
من قديم يحاول الباطل أن يطفئ نور الحق، ويخنق ضوء الهداية، بسفهه وجهله، وضعفه، فتحرقه أشعة الهداية، ويذيبه لهيب الإصباح، ويتم الله نوره وينصر دعوته، ويمكن لرسله ودعاته، وكم من أبالسة أوقدوا لأنفسهم نيران العداوة مع الله ودعاته، فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون، ويعز الله جنده، وينصر عبيده، ويهزم الأحزاب وحده، ويكفي الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا.
قل الذين تنكبوا سبل الهدى *** وهمو لشيطان الضلال عبيد
لا يطفئ الشمس المضيئة عابث *** أبدًا ويغني دونها ويبيد
إن طبيعة الإسلام تتنافر دائمًا مع الباطل، وتطارد دائمًا وبغير هوادة الفساد، والظلم والاستعباد والقهر، وهذا ولا شك يفرض على دعاته تبعات، ويلزم رجاله جهادًا وصعابًا ومواجهات حتمية لتطهير الزمان والمكان وإقرار ما ينفع الناس في الأرض وصدق الله: ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: ۱۷)، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ﴾ (الأنبياء: ١٨)، ودعاة الإسلام اليوم وبخاصة الإخوان المسلمون، أعدوا لجهاد الفساد عدته، فحاربوا نوازعهم الشخصية وقوموا سلوكهم الفردي، وانطلقوا بما فرضه الله على كل مسلم، يدعون إلى الحق وينصحون الناس بالحسنى ويدعونهم إلى الهدى بالموعظة الحسنة ويتحملون ما يصيبهم في سبيل ذلك من عنت وجهد وأذى، ويعرفون أن ذلك ضريبة الدعوات من قديم، وسنة في الأنبياء الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا، هذا مع قومهم، أما مع عدو الإسلام والمسلمين والمحاربين للأمة والدين، فلم يجبنوا يومًا عن لقاء العدو أو منازلة الغازين، وأرض فلسطين، والأردن، وأرض القنال وغيرها شاهدة على ذلك في التاريخ، وبين يدي الحسيب الرقيب، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا جاه ولا سلطان، ولا جند ولا أعوان، وكم ذاق العدو على أيديهم صنوف الهوان، وكم علموه في الميدان دروس الحرب والنزال، وكسروا غروره ودحروا جنوده، وهدموا حصونه، وغنموا عتاده، وطاردوه في كل شعب وواد.
كنا جبالًا كالجبال وربما *** سرنا على موج الجبال جبالا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا *** قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم نخش طاغوتًا يحاربنا ولو *** نصب المنايا حولنا أسوارا
ندعو جهارًا لا إله سوى الذي *** خلق الوجود وقدر الأقدارا
ولقد أدرك العدو وأعوانه وقتئذ أنه لا سبيل إلى الانتصار على هؤلاء الرجال بالحرب؛ لأنهم مند الصحب الأول الذي نادى في آبائهم قبل «الله أكبر ضربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنزلين»، لا سبيل إلى قهر هؤلاء إلا بالفتن والتحريض والوقيعة، فكرسوا جهدهم في العمل لذلك واستعملوا عبقريتهم واستعانوا بأعوانهم من أعداء الأمة من المستعمرين وأذنابهم من ضعفاء النفوس من بني جلدتنا، وحرضوا كثيرًا من السلطات التي تدين لهم بالولاء والعرفان والمنن فأتت جهودهم أكلها، وأثمر زرعها، وقاسى المجاهدون والعاملون المخلصون الويلات، وشغلت الأمة عن الجهاد الحق، ونشب صراع خبيث كلف الأمة الكثير من شبابها الناهض وعقولها المبدعة، وطاقاتها الفاعلة، وما أظن أن ما يجري على أرض العروبة اليوم، إلا تصفية حساب لليهود الذين ما زالوا يفقهون الدرس ويعرفون أن التسوية النهائية لا يمكن أن تتم وفي الأمة عرق إسلامي ينبض، ونفس إيماني يتحرك، ولكن يعز علينا أن يكون ذلك بأيد عربية وفي أرض إسلامية. إن المخطط اليوم أصبح واضحًا وضوح الشمس في رابعة النهار، وهو يعم الأمة من أولها إلى آخرها، وليس بعيدًا عنه ما يفعله عرفات الذي يركع لصورة رابين أمام العالم كله وبغير حياء. نعم ليس بعيدًا عنه ما يفعله من سجن المجاهدين وتصفيتهم وقتلهم بأوامر إسرائيلية حفاظًا على أمن إسرائيل وترضية لليهود والصهاينة.
وليس بعيدًا عن ذلك تصفية حماس في الأردن وسجن قادتها واستحسان اليهود لذلك، بل ودفع أمريكا ثمنه من دولاراتها ومعوناتها، وكل شيء بحسابه عند أمريكا.
وليس بعيدًا عنه ما يجري بدون سبب من اعتقالات ومحاكمات عسكرية للإخوان اليوم وهم مسالمون ومحتسبون وعاملون ومخلصون ومبدعون ووطنيون ويشهد لهم بذاك القاصي والداني بطول الأمة وعرضها ومن مشرقها إلى مغربها، ولا نرى لهذا الاستفزاز الكارثي الأليم من سبب أو تبرير، أيراد جرهم للعنف وإغراق البلاد في حمامات من الدم لا يستفيد منها إلا الأعداء، بدعوى تصفية الإرهاب المزعوم؟ ولا ندري بعد كل هذا ما تعريف الإرهاب؟ ومن الإرهابي الذي عقدت لمحاربته الاتفاقيات العربية والدولية؟ أهو السلطات، أم الأفراد والشعوب؟ ولا أظن تعريفًا للإرهابي أفضل من قولهم: «هو من يغضب عليه اليهود والأمريكان والأسياد، أو هو من يقف أمام الفساد والظلم، أو هو المتمسك بإسلامه وإيمانه ولو مشى جنب الحائط. وأخيرًا، وأحب في هذا المقام أن أذكر كلمة للاستاذ عمر التلمساني -رحمه الله- ليعرف الناس كل الناس أسلوب الإخوان المسلمين في الدعوة، وفي التعامل مع هذه الكوارث، يقول -رحمه الله-:
«لقد حلت المحن بالإخوان المسلمين محنة بعد أخرى، وهم على ما هم عليه صبرًا واحتسابًا بفضل الله تعالى، وقال المغرضون: ما بال الإخوان المسلمين لا يثأرون لأنفسهم، فهل طابت عندهم المحن؟وهل رضوا أن يكونوا ضحية لكل ظالم مغرور دون أن يدفعوا عن انفسهم، أو يثبتوا وجودهم بأي عمل مضاد له دوي تتجاوب معه أنحاء العالم؟ أين الثأر؟ أین الانتقام؟ أین المواجهة، الضربة بمثلها، أو أشد.. كل هذا قيل، وقيل أكثر منه تندرًا واستخفافًا، وها هم المسلمون جميعًا في كل بلد من بلدانهم يرددون ذلك، وهذا غير صحيح.
إن الإخوان المسلمين يوم أن قاموا بدعوتهم منذ أكثر من خمسين عامًا كان واضحًا أمامهم ما سيلقون من عنت الحكام وتخرصات الجاهلين، ولكنهم أقدموا وهم يعرفون كل الصعاب وما كان يخفى عليهم من ذلك شيء، وقد أعدوا أنفسهم لاحتمال كل شيء ابتغاء مرضاة الله صابرين محتسبين من أجل إظهار النور الذي تخافه خفافيش الظلام وأعداء الإسلام، وتركوا الأمر فيه لله وحده الذي يدافع عن الذين آمنوا، ولن يخذلهم الله في أي موقف من المواقف، بل يدفع الضرر عنهم، ويرد الضربة عنهم بأعنف منها، أما التخريب والتدمير والإفساد، فليس له في مناهج الإخوان المسلمين من وجود، وأما الثأر فلسنا من دعاته دينًا، لهذا لم يقابل الإخوان القتل بالثأر، ولا التعذيب والإيذاء بالتخريب والتدمير، إننا ننصح ولا نتهم، ونقوم ولا ننتقم ونصلح ولا نفسد؛ لأننا دعاة خير وإيمان». نعم فهل تسمع الدنيا وهل تسمع المحاكم العسكرية؟ وإن لم تسمع فالله سميع عليم، وهو نعم المولى ونعم البصير .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل