العنوان معالم على الطريق.. تطوير أم تزوير للهوية وتطهير ثقافي؟!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1993
مشاهدات 87
نشر في العدد 1054
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 22-يونيو-1993
مفهوم التطوير وأسسه الحضارية
التطوير أو التطور مطلب إسلامي وحضاري وشعبي وحياتي ولكن، أن يحدث
التطوير ليوافق أمزجة الثوار والعسكر وأيديولوجية الحزب وأمراء الزعيم أو أن يكون
التطوير لتبرير أخطاء وتكريس مظالم وخدمة توجهات معينة سلطوية أو أحادية أو
أجنبية، فهذه هي الطامة الكبرى والخراب المبين!! فما هو بدهي ومعروف أنه يجب أن
يقوم التطوير على أسس وبينات منها:
1- أن يبنى على حقائق ودراسات لا على تزاوير وأهواء وتبريرات وتحت
أستار من دخان الكراهيات والأحقاد والنزعات المشبوهة والنوايا المتربصة.
2- يجب أن يبنى على طبيعة الأمة وتوجهها الثقافي والاجتماعي والتاريخي
لتتضافر تلك العوامل في دفع التقدم الحضاري إلى الأمام لكن حينما يبنى التطوير على
الإلغاء فإنه سيقودنا إلى أمة إلغائية هشة.
3- يجب أن يكون لإرادة الأمة مجال، لأنها أساس تلك النهضة وعليها
تقوم، ولأنها في النهاية صاحبة الكسب، ولا تنهض أمة من العبيد ولا يسود شعب مقيد
بالسلاسل ومحاط بالأغلال، أو يرتفع جيل بغير حرية أو إرادة فاعلة.
تكامل الأدوار في النهضة
4- يجب أن يتواكب التطوير الاجتماعي والثقافي والتربوي ويتناغم، وإلا
كان تطويرًا أعرج يسير بخشب مسندة، لا يستطيع الجلاد أو الكفاح أو الثبات في
الميدان الحضاري، لأنه يجب أن يتعافى الجسد والفكر والروح حتى يستطيع الإبداع.
5- يجب أن يتعاون البيت والمدرسة والإعلام، صحافة وتلفازًا وإذاعة في
التطوير المنشود، حتى تتناغم كل المؤثرات، فلا يهدم بعضها بعضًا أو يعاكس بعضها
البعض الآخر، فتراوح الأمة مكانها ولا يبقى إلا الشعارات الفارغة.
6- يجب ألا يكون التغيير مجرد اجترارات ثقافية لجهة ما، أو تقاليع
اجتماعية لعادات غربية أو شرقية، وإنما يكون نتيجة إبداعات ثقافية وفكرية أصيلة،
ولا مانع من الاستفادة من علم الآخرين وتجاربهم الإجرائية- في بناء نهضتنا
الحضارية المتقدمة والتي تجعل الأمة رأسًا لا ذنبًا.
الثوابت القيمية والريادة
7- يجب أن يبنى ذلك كله على ثوابت خلقية وطهارات نفسية وأسس عقدية
وبأيدي متوضئة، حتى لا تنصاع الأمة وتنحل وتسرق مقدراتها وتفقد الحب والترابط
وتمزقها الأهواء والأزمات والشطحات...
8- يجب أن تكون للأمة ريادة ملتزمة وقيادة عاملة ومنهج واضح وتعاليم
محتومة وقوانين مسيطرة ودساتير منفذة وإرادة صادقة حتى لا تفقد الأمة المثل، وتجرم
الربان وتفقد الأمان والاستقرار.
أهداف التغيير المنشود
9- يجب أن ينطلق التغيير مستهدفًا بيئة الأجيال المختلفة في المجتمع
للحياة، في إطار مستقبل يختلف- إلى حد كبير- عن ذلك النظام الذي يحياه الآن،
ويختلف عنه في آفاقه وآماله وفي علاقاته وفي مكوناته وفي خبراته، وفي مشكلاته وفي
تحدياته، في تفاعل فطري قيمي دافع ومتزن مع طبيعة الإنسان والعصر، أما أن يراد
للتغيير والتطوير أن ينطلق والنظام المسيطر يتردى والآفاق تسود، والآمال تتبدد،
والثقة تفتقد والعزائم تنهار فهذا هو الخراب بعينه الذي يحتاج إلى تغيير حتى لا
تستمر الجريمة.
10- يجب ألا تكون الاستفادة من الحضارات الحاضرة معكوسة، فنأخذ الضار
وندع النافع. ونستورد الصورة وندع الحقيقة، لأن الحقيقة قد تكون مرة المذاق ولا
تناسب أهواءنا وشهواتنا، فعندهم مثلًا حريات وديمقراطيات وتكنولوجيات وأساليب
عصرية وعزائم وتحديات، ونحن نريد تطويرًا مع دكتاتوريات ومعتقلات، وبيروقراطيات
وترهلات، وتسيبات هل يتأتى ذلك ورب الكعبة؟!!
الهوية والقرارات المدروسة
وبعد: يجب أن نحترم العقول والحقائق والمرجعيات، كما ينبغي أن تكون
لنا هويتنا الحضارية والثقافية، وأن تكون قراراتنا مدروسة وموثقة، وأن نعطي القوس
باريها، وأما أن يوظف التطوير لغايات في نفس يعقوب أو أهداف في ضمير جرجس أو معنى
في بطن سام، فهذا سيكون تطييرًا وتكسيرًا وتخريبًا، كما أنه فساد كبير!!.
وأما أن يكون التطوير قرارات لميليشيات ثقافية وعصابات سلطوية، وتدور
في أفلاك محاور مشبوهة تحاول وبقوة أن تصوغ الأمة في منظومة هامشية للتصفيق
والتهريج والهتاف، وإطلاق البخور في مجالس السادة، وقد عودتنا بعض الأنظمة هذا
اللون، وأحالتنا على سخافات فرعونية أو شطحات جنونية، تسطر تارة في كتب خضراء أو
صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، أو ميثاق مخبول لعربيد جاهل بكل المعاني الإنسانية
والتربوية والحضارية والحقيقة ورغم كل ذلك، فلحن القول معروف وواقع الحال مكشوف
وهرج السامري مفضوح، والكل يعرف ويقول إنه تطهير ثقافي ملعون، ولكن هل يفلحون، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).