; عندما يفقد النظام عقله | مجلة المجتمع

العنوان عندما يفقد النظام عقله

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 23-ديسمبر-2006

مشاهدات 60

نشر في العدد 1732

نشر في الصفحة 35

السبت 23-ديسمبر-2006

لا أدري إلى متى تتحمل الشعوب أنظمة تفقد عقلها وإحساسها وشعورها، وإلى متى تظل تكذب وتكذب وتفصل التهم وتغمط الحقائق وتزرع الأباطيل، إلى متى تظل كارهة للإصلاح تتغابي عن النصح وتتعامل مع المخلصين والمفكرين والقوى الفاعلة في المجتمع بكارثية منقطعة النظير، ضاربة عرض الحائط بالقوانين والنظم واللوائح، قائلة بذهنية مريضة وجهالة ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]، وما زال الجهلُ موصولًا، والافتراءُ موجودًا يسلم بعضه لبعض، ويأخذ أوله بحجز آخره، ويتجمع حوله الكثير من الضالين المفسدين الذين يبيعون أنفسهم للشيطان ويسجدون للدينار والدرهم، ويتعبدون بالأباطيل والافتراءات، وقد تحمل هذا كل الشرفاء ومنهم الإخوان المسلمون الذين أخذوا منه بالنصيب الأوفى.

وقد ذكرني حادث طلاب الأزهر بحقب طويلة من الإفك والتجني والبله الذي كان تعامل به النظام مع معارضيه، كان زوار الليل من المخابرات العسكرية والمباحث السياسية يستبيحون كل شيء، ويتهمون من يريدون ويفعلون ما يشاؤون بدم بارد، فكان من يوجد في طبخ عائلته سكين يوصف بأنه أحد أفراد الجهاز السري، ومن يوجد عنده مطواة، يكون هذا وبالا عليه وعلى أسرته؛ لأنه من كبار المجرمين، بل الأغرب من ذلك، من يوجد عنده كتاب لأحد الإخوان يكون قد استكمل أدوات الجريمة، ومن كان مدرسًا مثلًا، ووجد عنده كشف بأسماء تلاميذه، أو مدرب فريق لكرة القدم وبحوزته أسماء فريق المدرسة، يكون قد كشف عن فصيل من الجهاز السري ولا بُدَّ أن يوصل بالشبكة الأم ليس هذا فقط، بل كانت تؤلف في السجون التهم بعد الاعتقالات، أو أخذ النصيب من الأحكام الباطلة، فكان من يعطي زميله المسجون حبة طماطم (بندورة) يأكلها، أو (فانلة) يلبسها، يكون هذا عنوانًا للترابط والتجميع الذي لا بُدَّ أن يجازى عليه، ويحال إلى التحقيق؛ لأن هذا مشروع جهاز سري إلى آخر تلك المهازل. 

ولقد حصل معي هذا الأمر، فقد قيل لي إنك متهم في قضية تكافل، وهذه فيها خمس سنين سجن أو أكثر (حسب التساهيل)، فقلت: أيُّ تكافل وأنا هنا في السجن؟ فقيل: تكافل داخل السجن وأنزلت للتحقيق، وقيل لي إنك تعطي فلانا كذا كذا، وهذا يعينه على أن يظل مرتبطًا بالدعوة والجهاز السري، فقلت إن فلانًا هذا ليس في هذا السجن المسمى بأبي زعبل، بل هو في سجن آخر يسمى سجن طرة، فكيف أتكافل معه؟ اللهم إلا إذا كان أحد الضباط يأخذ مني ويعطيه، ولولا هذا لوقعنا فيما يلفقون، وكان الدافع على هذا أن من كان يفبرك قضية من الأمن إما أن يأخذ مكافأة سخية أو يرقى إلى درجة أعلى، وكنا نحن سلعة التجارة! 

ولما سمعت عن طلبة الأزهر واتهاماتهم بالجهاز السري قلت "رجعت ريمة لعادتها القديمة"!

طلبة ظلموا وأزيحوا من تمثيل زملائهم من أعوام عدة، فلما أرادوا أن يقيموا اتحادًا لهم، قامت الدنيا ولم تقعد، وأخذ الطلبة ورفدوا، وأريد أن يضيع مستقبلهم، فحزن إخوانهم لما حل بهؤلاء واحتجوا بطبيعة سلمية، وقاموا باعتصام وأنشطة سلمية رياضية، ولم يوجد معهم حتى عصا أو مطواة، ولم يشتبكوا بأحد، ولم يأتوا ببلطجية، ولما يمارسوا هم بلطجة، بل كانوا يرددون حسبنا الله ونعم الوكيل، فكيف يفعلون ذلك وهذا شيء مجرم يدل على تنظيم سري للجماعة! وكان التنظيم السري هذا لعبة أو هزار أولاد في ساحة من الساحات، يذكرني هذا بحادث الطائرة التي سقطت بالضباط في أمريكا واتهم فيها الطيار، لأنه قال: توكلت على الله! وصدقت السلطات ذلك لأن هذا كان أمر أمريكا وأريد أن أفترض أن هؤلاء الطلاب أقاموا حفلًا للرقص أو للمجون والمسخرة، هل كان أحد يتعرض، وهل كان رئيس جامعة الأزهر الإسلامية سيعترض على هذا الرقص؟ وهل هذا (الهمام) اعترض على منع الحجاب أو فتح فمه ضد أي فساد؟ لا وألف لا، لأن الفساد له حماية، واتهم الطلاب بالخروج على القانون بعملهم استعراضًا رياضيًا، ولم تتهم الشرطة التي تخرج على القانون دائمًا أبدًا حتى في أمور الدولة المصيرية وما تدخلها في الانتخابات ومنعها الناس وتزوير إرادة الجماهير بالشيء الخفي، وما قتلها الناس وإرغامهم على التزوير وعلى الجلوس في بيوتهم ولا يخرجون منها إذا لم يوافقوا على ذلك إلا منتهى الإرهاب، أم أن هذا أصبح قانونًا معترفًا به وأصبح المسجلون الخطرون الذين يضربون الناس بالسنج، حمامات سلام، وموجهين وأمرين بالمعروف وناهين عن المنكر؟!

إن اتهام جماعة الإخوان المسلمين بالإرهاب أصبح أسطوانة مشروخة، وأصبح صوت هذه الأسطوانة لا ينطلي على أحد، حتى على أعداء الأمة فضلًا عن أصدقائها، وقد تتبعت ما قاله الحقوقيون في مسألة الافتراءات على الطلاب فكان مما قالوا:

الأستاذ محمد زارع رئيس جمعية المساعدات القانونية لحقوق الإنسان إن ما حدث من اتهام للطلبة ومن اعتقالات موسعة في صفوف الجماعة يؤكد أن البلد مقبلة على كارثة محققة، وما يحدث في مصر الآن لا يصلح إلا في الغابات.

هذا وتتوالى الردود والتصريحات من كبار الساسة والقانونيين على تلك الحوادث المقززة التي لا تصب إلا في مصلحة الأعداء وتمنع التقدم والاستفادة من قوى الإصلاح في الدولة. 

ويستغرب الإنسان من موقف الصحف العالمية من الاعتقالات الأخيرة للإخوان ومن اتهامهم بالإرهاب، وفي هذا دلالة على أن هناك من الباحثين من يحترم الحقيقة ويحترم نفسه فنرى جريدة نيويورك تايمز الأمريكية تؤكد أن الإخوان المسلمين لا حاجة لهم بتأسيس جناح عسكري لأنهم يهتمون بالعمل الاجتماعي، كما أنهم يحققون نجاحات سياسية، وقد حصلوا على مقعدًا في مجلس الشعب.

وقالت جريدة "واشنطن بوست" إن هذه التهم جاءت على خلفية منع الطلبة من المشاركة في اتحاد طلاب الجامعة واستندت التهمة إلى مجرد الظنون، ورأت الجريدة أن الاعتقالات ليست مبررة بحال.

وقالت "أسوشيتدبرس": "إن الحملة جاءت في أجواء المواجهة بين الإخوان والنظام بسبب رفض الإخوان خطة التوريث المتوقعة في مصر" وسارت الصحف الأجنبية على هذا المنوال الذي ينطق بالحقيقة.

وبعد: فنحن نقول: لا داعي أبدًا لمثل هذه التهم الباطلة التي تزيد من عزلة الحكومة عن الشعب وتعمق الكراهية للنظام، وتلهيه عن جلائل الأمور الأمنية الحقيقية في البلد، ولقد نشرت مجلة بريطانية متخصصة في العلوم العسكرية، إن مصر مغزوة بالجواسيس الإسرائيليين الذين يبلغ عددهم حوالي مائتي جاسوس، هذا عدا العلماء الذين يقدرون بالآلاف، فأولى بهذه الأجهزة الأمنية أن تمارس عملها الفعلي في حماية البلد من الاختراق، وأن تحافظ على أمنها من أعدائها. أما أن تنقلب الموازين، ويتهم المخلصون وتلهى الأجهزة الأمنية عن الأخطار الداهمة فهذا شيء يحتاج إلى وقفات ووقفات، نسأل الله السلامة والتوفيق آمين.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

604

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية