; قيادة وعزيمة = نصر وعزة | مجلة المجتمع

العنوان قيادة وعزيمة = نصر وعزة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003

مشاهدات 67

نشر في العدد 1569

نشر في الصفحة 47

السبت 20-سبتمبر-2003

لكل وقت قيادة، ولكل فترة ريادة، ففترات الضعف لها قيادتها المهترئة الضعيفة التي لا تحمي ديارًا ولا ترفع امة، وفترات القوة لها قيادتها الناهضة التي تسير بالأمة نحو المجد وتأخذ بيدها إلى العزة والكرامة، وتتخطى بها الصعاب والعقبات وتورثها السؤدد والريادة.

والقيادات العظيمة الناهضة لها صفات ودلالات وشواهد وعلامات، كما أنها تخرج من رحم الحوادث والصعاب، فتكون بصفاتها العظيمة وصلابتها القوية سندًا وذخرًا في كل حين لأمتها، ومرجعًا وملاذًا لشعبها، أما الذين يظنون أن طريق القيادة هو التبني الكاذب للرجولة، والوعود الضالة، والعنتريات الفارغة امام الحوادث، فهؤلاء واهمون يسيرون في الطريق الخاطئ ولا يلبثون إلا قليلًا حتى يهدموا كل بنيان، وسيحاكمهم التاريخ أما العظماء الذين يتعطر بسيرهم التاريخ، فهم منارات حقة قادة في الجهاد، ورجال في الإصلاح، وشموس هداية في سماء الإنسانية تحيا بهم الأمم، وتسعد بهم الأجيال، وتقوى بهم الشعوب والأمم.

يروي التاريخ أن الأمة الإسلامية ما هُزمت أبدًا وفيها قادة صالحون، وما فازت أبدًا وفيها قادة مهترئون ضالون ويقولون إن سبب استيلاء الصليبيين على بيت المقدس ما كان عليه المجتمع الإسلامي من ضعف القيادة التي تسببت في انحلال الشعب وتدابره، وتنازع الأمة وتخاصمها، وما استطاع العدو أن ينفذ إلى ديار المسلمين ويسيطر على الأماكن المقدسة ويستولي على مسرى رسول الله ﷺ، إلا عندما رأى حال الأمة الإسلامية، وما هي عليه من تخاذل وضعف وانحطاط، فانتهزها فرصة مواتية لينقض على العالم الإسلامي ويأتي على بنيانه من القواعد ويجعل أعزة أهله أذلة!!. ولهذا نرى كثيرًا من مؤرخي تلك العصور يشيرون إلى تلك الحالة التي مني بها المجتمع الإسلامي في الحرب الصليبية فيذكرون منها ما يلي:

  1. بينما كان الفرنجة يحاصرون بيت المقدس كان «محمد بن ملكشاه» السلجوقي يحارب أخاه لأبيه «بركيا روق»

  2. استولى الفرنجة على عكا من واليها العلوي، وملوك الشام منشغلون بقتال بعضهم بعضًا.

  3. انقسام البلاد الإسلامية على بعضها البعض، وكيد كل بلد للآخر، وربما استعان بعض البلاد بالفرنجة لقتال المسلمين، أو تآمر معهم، إلى غير ذلك من النقول والحوادث التي سجلها المؤرخون في تواريخهم كابن الأثير وغيره والتي تثبت أن الأمة كانت مرشحة للاستعمار الصليبي الذي حل بها ونزل بساحتها، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (آل عمران:117). 

ولما أراد الله بالأمة خيرًا قيض لها القيادة الصالحة والزعامة الفذة، فكان صلاح الدين، ومن الأمور التي أجمع عليها المؤرخون عن صلاح الدين أن هذا الرجل كان يحمل قلبًا كبيرًا حساسًا، يعمره الإيمان وحب الإسلام والمسلمين، ولهذا كان اهتمامه بالغًا بعزة الأمة والدفع عن حياض المسلمين، اهتمامًا ملك عليه وقته وراحته، واستحوذ على كل ما تتطلبه النفس من أشواق وما تنشده من اطمئنان واستقرار.

يقول مرافقه القاضي بهاء الدين في وصف حال صلاح الدين في استنفار المسلمين واستنهاض هممهم للجهاد في سبيل الله، ووقفته الباسلة أمام الصليبيين: «كان رحمه الله قد أصيب بعد احتلال القدس بهمُ عظيم لا تحمله الجبال»، وقال: «هو كالوالدة الثكلى، يجول بفرسه من طلب إلى طلب، وبحث الناس على الجهاد، ويطوف بين البلاد بنفسه وينادي: يا للإسلام، وعيناه تذرفان بالدموع، وكلما نظر إلى بلد من بلاد المسلمين وقد حل به بلاء الاستعمار الصليبي، وما يجري على ساكنيها من المصاب العظيم، اشتد في الاستعداد والحث على القتال، حتى إنه كان لا يستسيغ طعامًا ولا يهنأ بشراب»، وكان يحدث رفقاؤه الأطباء أنه بقي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لم يتناول طعامًا لخبر سمعه عن أحوال بلد محتل بل بلغ به الأمر أنه هجر أهله وولده وظل بعيدًا عنهم فترة طويلة من عمر الجهاد، لأنه كان يرى أن حق المسلمين عليه كبير وحق الإسلام عليه عظيم حتى يخلص البلاد من براثن الصليبيين ويطهرها من الغزاة المتوحشين.

وكان - رحمه الله - يعلم أن الاستعداد الحربي هو عدة النصر مع الرجال والإيمان، فعمل على إعداد القوة الحربية والمادية مع اهتمامه بالإعداد الروحي والمعنوي، فكان اهتمامه بصناعة الأسلحة وبناء السفن وعمل المفرقعات وتركيب الألغام والمنجنيقات كبيرًا.

وقد عني صلاح الدين بالأسطول البحري، وأطلق على رئيس الأسطول «أمير البحر أو أمير الماء» وبعد هذا الاهتمام البالغ والإعداد الكامل كان يكر على العدو بإيمان راسخ، وعقيدة قوية وعزيمة صادقة.

كما أنه - رحمه الله - عمل على توحيد البلاد والأمة، ودفعها إلى رد العدوان، بدلًا من الشقاق، وأعلن هدفًا للمعركة وهدفًا للأمة تنتصر به وهو «إعلاء كلمة الله» ثم قال: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:41)، ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة:39). 

وانطلاقًا من هذا المبدأ العظيم جمع صلاح الدين الكردي، الأمة كلها تحت لواء واحد على اختلاف أجناسها والوانها ولغاتها، انطلاقًا من هذا المبدأ الرباني أمام قوى البغي التي اجتمعت حول الصليب، وافترت على الإسلام وعلى المسلمين حتى كانت المجامع الكنسية وخطب الأساقفة والرهبان والبابا كلها موجهة إلى دحر المسلمين والقضاء عليهم وعلم الله صدق القلوب، وإخلاص النية والتوجه إلى رفعة كلمته فأنزل نصره وأعز جنده وصدق وعده، فانهزم الصليبيون، واندحر الغزاة، وأسر ملك بيت المقدس.

وحال المسلمين اليوم مع اليهود أشبه ما تكون بحال المسلمين مع الصليبيين بالأمس والحقد على الإسلام هو الحقد على الإسلام، ولكن المسلمين انتصروا بقيادة وإيمان ووحدة وعزيمة وصبر واحتساب ووثوق بوعد الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).

الرابط المختصر :