العنوان معالم على الطريق- هل بالخبز وحده تحيا الأمم؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995
مشاهدات 63
نشر في العدد 1153
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 13-يونيو-1995
ليس بالخبز وحده تحيا الأمم، ولا بالبطون وحدها تسود الشعوب، ولا بالمادة وحدها تكون السيادة، ومن يظن ذلك أو يعتقده سيظل يعيش عيشة الحيوان الأعجم، ويحيا حياة البهائم السائمة، وصدق الله حينما صور ذلك المعنى في أصحاب هذا الاتجاه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (سورة محمد الآية: 12) وليس بالأماني وحدها تنال الأهداف، ولا بالأحلام وحدها تتحقق الغايات، ومن يتوهم ذلك أو يصدقه سيظل يحيا حياة البله المساكين، ويسير سير العمي الضالين، وإنما تحيا الأمم بالأماني والغايات والعقول المكافحة لتحقيق الأهداف والأحلام، أو تبنى وتسود بالعقائد والقيم التي تحفز ملكات الإنسان وعزماته وقدراته، وتجيش قواه وجهوده وإبداعاته، وصدق الله إذ يلفتنا إلى ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ( آل عمران: 200) وهذا الذي نقول به الآن قد أصبح حقائق مجردة، ونظريات راسخة، وإن كان لا يدركها بعض من مثقفينا التائهين إلى اليوم؛ لأنهم في وادٍ والحقائق في وادٍ آخر، أو لأنهم وجدوا أنفسهم مثقفين بالصدفة، أو بالمعلوم أو.. أو إن الذي نقول به وقرره القرآن منذ خمسة عشر قرنًا، وقامت عليه الأمة الإسلامية، واستطاعت به أن تغير المجتمع الجاهلي، وتبدل قيمه المنهارة، وتقيم نظامًا جديدًا على أساس حضاري مبهر، وتصور إنساني مذهل، يقرره بناة الأمم والحضارات اليوم!!، إن أية أمة وأي نظام لا يُبنى على الضياع، أو على النفاق الحضاري، أو على العمالة الثقافية؛ وإنما على الهوية المتميزة الفاعلة القادرة، والكوادر الصاعدة المؤمنة المكافحة، إن التصور الإسلامي الذي أزاح الفكر الجاهلي، وأزال المجتمع الوثني وكوادره، لم يتملق عقائدهم وتصوراتهم، ولم يداهن مشاعرهم وعواطفهم، ولم يهادن آلهتهم وقيادتهم، وإنما أعلن تميزه العقلي والفكري والسلمي والحضاري من أول يوم فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 1– 6)
وكل ما كان مطلوبًا هو أن يكون هناك حرية للفكر وسماح بنشر المبادئ؛ حتى لا تكون هناك جراح، ولكن العقلية الجاهلية أساليبها واحدة وإن اختلف الزمان والمكان، والمبادئ بقوتها لا تنتظر السماح من أحد وإنما تتسلل إلى القلوب، فتدفع الناس إلى التغيير والتمايز، عرف هذا كما قررنا حتى أعداء الأمة، ولما أراد اليهود أن تكون لهم دولة بعد ضياع مهين، وتشرد دام ألفي عام نادوا بإحياء العقيدة اليهودية، والالتفاف حول الفكر الروحي مع الكفاح العلمي والمادي، يقول «آشر غنز برغ» الأرستقراطي اليهودي: «يجب أن تنشأ الدولة الإسرائيلية على العقيدة، وأن يتحول مجتمعها إلى «مملكة رجال دين وأمة مقدسة» كتب عليها أن تكون قدوة للإنسانية بأسرها من خلال توراتها، فالإنسان اليهودي لا يمكن تجزئته، فأطرافه كلها وحواسه وعواطفه وأفكاره كلها تؤلف وحدة كاملة، إن وجود الإنسان اليهودي ليس دون هدف؛ لأنه عضو في شعب إسرائيل الذي يعيش بهدف سامٍ، والمجتمع اليهودي لم يعرف شيئًا من خيبة الأمل التي تصاب بها الفلسفة المادية التي تلجأ إلى الجسد وشعور اللذة هربًا من فراغ الحياة، كما أنه لم يتطلع إلى روحانية فقط أو خلق جنة لأرواح الناس فحسب، وإنما للأخذ من هذا وذاك؛ ليتفاعل الجسد مع الروح، ويخرج من شخصية الفرد إلى شخصية المجتمع، ومن الأغراض الشخصية إلى أهداف الأمة، حتى يحيا ويعيش ويموت لأهداف المجتمع الذي يعيش في كنفه».
ثم يقول «تيودر هرتزل» عن الرجال الذين يجب أن ينهضوا بالأعباء ويحققوا الوثائق والتعاليم: «إن الأمر متعلق باليهود أنفسهم وبما يستطيعون أن يربوا عليه من أجيال قادرة على الحمل، فقد تظل هذه الوثائق السياسية أدبًا سياسيًّا رومانسيًّا فقط إذا كان الجيل الحاضر غبيًا إلى درجة لا يستطيع فهمها وتحمل تبعاتها، فلابد أن يقوم في المستقبل جيل أحسن يستطيع فهم أهدافنا، واليهود الذين سيعملون بهذه الخطة سيحققون دولة لأنفسهم، وسيكونون مستحقين لها» وقد حققوا دولة، فهل هم مستحقون لها؟!!
إن الدول يجب إن تقوم على استقرار الفرد نفسًا وجسدًا وروحًا، وعلى أمة صاحبة رسالة وعقيدة وأخلاق، وإن قامت أمة بغير ذلك ستنهدم حتمًا وتزول، وهذه فطرة في الإنسان، وحقيقة تاريخية، يفهمها العقلاء العالمون من أساطين الساسة اليوم، يقول المستر دالاس رئيس وزراء الولايات المتحدة سابقًا: «إن هناك شيئًا ما يسير بشكل خاطئ في أمتنا، وإلا لما أصبحنا في هذا الحرج من القلق، وفى هذه الحالة النفسية المتدهورة، لا يجدر بنا أن نأخذ موقفًا دفاعيًّا، وأن يتملكنا الذعر.. إن ذلك أمر جديد في تاريخنا.. إن الأمر لا يتعلق بالماديات، فلدينا أعظم إنتاج مادي عالمي، إن الذي ينقصنا هو الإيمان الصحيح، فبدونه يكون كل ما لدينا قليلًا ولا يعوضنا عنه شيء».
من يقرأ هذا ويكون عنده أدنى دراية بالإسلام يعلم علم اليقين أن أمتنا الإسلامية اليوم يراد لها أن تخدع عن إسلامها، الذي يوحدها ويبعثها ويحييها ويجعلها رائدة تتربع على عرش الأستاذية للأمم والشعوب، بما في دينها من حيوية وعطاء مشع، يقول «دوجلاس أرثر»: «لو أُحْسِنَ عرض الإسلام على الناس؛ لأمكن به حل كافة المشاكل، ولأمكن تلبية الحاجات الاجتماعية والروحية والسياسية للذين يعيشون في ظل الرأسمالية والشيوعية، فقد فشلا في حل مشكلات الإنسان، أما الإسلام فإنه لديه أعظم الإمكانات لتعبئة طاقات الإنسان لتحقيق أعلى مستوى من الإنتاج والكفاية والبعث، وقد قام الإسلام بهذا الدور في شعوب كثيرة قبل ذلك!
ومُقْعدُ قومٍ قد مشى من شرابنا
وأعمى سَقيناه ثلاثًا فأبْصرا
وأخرسُ لم ينطق ثلاثينِ حَجْة
أَدَرْنا عليه الكأسَ يومًا فأخبرا
نسأل الله أن يُبصِّر الإسلامُ ودعاتُه عمي المثقفين اليوم، وأن يُنطق خرس المقعدين حتى نبزُّ ونعزُّ «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين».. آمين آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل