; وضع المخطط وتحققت الخطورة.. فهل من بطل؟ | مجلة المجتمع

العنوان وضع المخطط وتحققت الخطورة.. فهل من بطل؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2002

مشاهدات 62

نشر في العدد 1498

نشر في الصفحة 45

السبت 27-أبريل-2002

ليس هنا أو هناك في الساحة شيء ملتبس الآن يستطيع أن يتوارى خلفه متقاعس أو صديق لليهود أو من وراءهم، وليست هناك تعلة حتى لأعداء الإسلام من عرب أو عجم يتذرعون بها أو يتوارون خلفها، كل شيء أصبح أوضح من الشمس وأبين من النهار المدن مهدمة والأبنية مسواة بالأرض على أصحابها، والجثث تملأ الشوارع والروائح تزكم الأنوف.. والشباب أخذوا إلى مصير مجهول والإعدامات ليل نهار، والدبابات تقصف كل متحرك والقناصة تصطاد من يطل برأسه والنساء والأطفال والشيوخ يموتون عطشاً ويتضورون جوعاً، والمساجد هدمت على المصلين، والكنائس تحاصر وتضرب بالمدافع ويُمنع عن قاطنيها كل ما يقيم أود الحياة تمهيداً لاقتحامها وقتل من فيها.

هل بقي بعد ذلك شيء من الفظائع لم يرتكب. أو من كارثة لم تحل، أو عمل إجرامي لم يفعل مع شعب أعزل يضرب بالطائرات والدبابات ورواجم الصواريخ؟ لا أظن أن هناك عقلاً لإنسان أو إحساساً لآدمي إلا ويتقطع ألماً على هذه المجازر الإنسانية المستمرة ليل نهار، اللهم إلا الوحوش والذئاب التي تعيش في أعماق الغابات على لحوم الحيوانات والفرائس البرية.

إن كل من رأى وشاهد هذا الدمار الكاسح الذي حل بأهل فلسطين بسبب الاعتداء الصهيوني على القرى الفلسطينية، ظنه استرجاعاً حياً الفظائع الحرب العالمية الأولى، أو تمثيلاً محكماً لتدمير هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية. ولكنه ورغم هذا هناك قلوب تبرأت منها الآدمية وتذكرت لها الإنسانية أشد قسوة من الصخر وأكثر تحجراً من الجلامد، وصدق الله ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً  (البقرة ٧٤) قلوب لا تلين ولا تندى، ولا تنبض بخشية أو رحمة أو رأفة، قلوب قاسية مجدبة كافرة جاسية، هذه القلوب تبارك ما يجري في فلسطين وتفرح له وتشجعه، ومن ينظر إلى تصريحات الإدارة الأمريكية يتبين له ذلك ويرى صدق هذه الأوصاف المرعبة، وليته يقف عند هذا الحد بل يقول ويؤكد أن فاعل ذلك - وهو شارون - رجل سلام وأن ما يفعله هو شيء طبيعي لتحقيق الأمن ونحن ومن واقع ما يجري حولنا نرى ما يلي:

 1 - أن هذا شيء مبيت ومخطط له: حيث تحدثت كل التقارير التي سبقت العمليات الصهيونية الأخيرة في الأراضي الفلسطينية عن عمليات ترحيل للفلسطينيين بصورة جماعية وأوردت بعض الصحف العبرية مقتطفات من كتابات شارون تدعو إلى ذلك، كما أظهرت حركات صهيونية دعوات متطرفة تعد لطرد الفلسطينيين من خلال حرب، وقد علمت ذلك القيادتان المصرية والأردنية وشعرتا به وفي حديث الرئيس المصري مع التليفزيون الصهيوني حذر مما يفكر فيه الصهاينة حالياً وعلق بقوله: «أنتم فاهمين وأنا فاهم، كما أعلن الملك الأردني عن رفض الأردن استقبال فلسطينيين في حال تهجيرهم من أراضيهم، وهذه الخطة هي نفسها التي اتبعت في حرب ٤٨، حيث أمعن شارون وحكام الصهاينة في القتل وهدم القرى والبيوت، فهاجر الناس وتركوا قراهم وأرضهم فراراً من الموت المحقق وكانت الكارثة، فإذا تم لهم ذلك فيها، وإلا كانت التصفية العرقية على غرار ما فعله الصرب بالمسلمين في البوسنة والهرسك، ثم تجر لبنان إلى حرب ويعود الصهاينة إلى اجتياح لبنان، ثم الالتفات إلى سورية ومصر.

۲- طبيعة الكفر الذي كشر عن أنيابه، وهو عدو قديم للمسلمين، وقد تبدى ذلك في تصريحات ما بعد 11 سبتمبر من أن هذه حرب صليبية وهناك تجربة الحرب في أفغانستان حيث أبيد الألوف من أبناء الشعب الأفغاني، ودمرت القرى والمدن وأزيلت مظاهر وأسباب الحياة المختلفة في هذا البلد الإسلامي، ودفع الألوف منهم ليهجروا الأرض والديار المحروقة، ثم يتكرر المشهد في فلسطين من خلال الاحتلال الصهيوني البغيض كما صار يغري ذلك بالقيام بأخرى وأخرى من خلال محاور الشر في بلاد المسلمين، كما يسمونها، وقد صارت التهديدات توزع هنا وهناك حتى لا تستطيع أي من الدول الإسلامية مديد العون لإخوانهم في فلسطين أو في غيرها ثم دفعهم إلى تأييده تحت مسميات مخترعة ظالمة مثل الإرهاب وغيره.

٣ - نوم الأمة والعجز العربي والاستنامة للأعداء وأعوانهم سيفعل بنا الكثير إذا لم تتداركنا عناية الله وتنهض للدفاع عن أنفسنا لأننا مهددون من كل جانب، كما يجب نبذ المصالح الشخصية والفردية والعمالات المخزية لأن الحاقة لا تبقي ولا تذر، وقد أشار عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية إلى هذا المشروع الصهيوني الخطير حين قال: إن العالم العربي يمر بلحظات خطيرة، هي لحظات التحدي لحقوقه، والتهجم على ثقافته واتهام هويته، إن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خرجت عن الحدود، ولا يمكن أن تمارس الإجرام إلا لأنها تحت الحماية الكاملة للقوى العظمى وإن المخطط الإسرائيلي يعمل على استبدال النظام العربي... ثم قال: لقد صرح اليهود بذلك رسمياً، حين أعلنوا أنه حان الوقت لينتهي النظام العربي ويحل محله نظام جديد قمته وبؤرته إسرائيل.

ولكن ينبغي على إسرائيل ومن وراءها أن تدرس الحقائق التالية:

1 - أنه رغم الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون، فإن هناك إصراراً من الشعب البطل على عدم الخضوع والاستسلام، واستمراراً في الكفاح وتقديم الشهداء في عزة وإباء أذهلا الجميع وأعاقا مخططات الأعداء والحقا بهم خسائر فادحة في الأرواح والأموال.

۲ - أظهرت الشعوب العربية والإسلامية أنها تملك متطلبات الانتصار ومقومات التعامل مع العدو، كما أصبحت تعي تماماً من العدو ومن الصديق، ومن الجبان ومن الذي ينبغي التعويل عليه، وأصبحت تتطلع إلى مشروع ينهض بالأمة حاضراً ومستقبلاً، وإلى قيادة تفقه المرحلة وتقوم بالدور المطلوب، وقد ظهر ذلك من الشعور والإحساس المتفجر في الأمة، فهل يفقه ذلك الأعداء وهل تستطيع السلطات توظيف ذلك، حتى لا تكون هناك صاخة ويفرح المؤمنون بنصر الله؟ نسأل الله ذلك.. أمين.

الرابط المختصر :