; هل تتولى السلطة الفلسطينية تصفية شعبها؟!! | مجلة المجتمع

العنوان هل تتولى السلطة الفلسطينية تصفية شعبها؟!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

مشاهدات 62

نشر في العدد 1127

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

الواضح من الأحداث الدامية في غزة أن «إسرائيل» قد اختارت السلطة الفلسطينية بعناية ومهارة فائقة، وأن تلامذة اليهود قد يفوقونهم في إدارة اللعب الاستعمارية التصفوية المهينة، وأن تلك القيادات التي ظلت تخدع الأمة زمنًا قد آن لها الأوان أن تكشف المخبوء، وتظهر المستور، وترى الأمة البراعات القمعية، والإبداعات الدموية التي تتفوق على الصهيونية وعلى الجميع، وهذا ما دعا الجنرال الإسرائيلي رحبعام زئيفي- النائب في البرلمان الإسرائيلي- أن يقول: عندما وقع الاشتباك بين الشرطة الفلسطينية والمتظاهرين والذي سقط فيه ١٥ قتيلًا وأكثر من ۲۰۰ جريح بكل صراحة ووضوح إن على الشرطة الإسرائيلية أن تتعلم من الشرطة الفلسطينية أصول التصدي للمظاهرات الفلسطينية، وبهذا يكون اليهود الفلسطينيون قد صاروا مدرسة يجب أن يلتفت إليها في فنون القتل والهندسة. وكنت أمرؤا من جند إبليس فانتهى بي الحال حتى صار إبليس من جندي

فلو مات قبلي كنت أحسن بعده  ***  طرائق قتل ليس يُحسنها بعدي

ولقد كان من مخططات تلك المدرسة الفلسطينية السلطوية الجديدة، والتي استفادت ولا شك من التاريخ الاستعماري المديد ومن مدارسه المتعددة والمنتشرة في وطننا العربي- أطال الله عمره، ومد في أجله.

 ۱ - جمع العملاء والخونة والمجروحين والاستفادة منهم واستعمالهم في المناصب المهمة مثل الشرطة والجيش والإعلام والقيادات الفاعلة، وهذه توصية يهودية في الدرجة الأولى، لأنهم سيخدمون الأوضاع المنحرفة بشراسة وبدافعية وعمق حتى يصير الحر غريبًا، والمخلص بعيدًا، والشريف معزولًا، لا يستطيع أحد من هؤلاء أو أولئك أن يجد على الخير أعوانًا أو أنصارًا وتظلم الدنيا في وجوه الجميع، وينقطع بهم الطريق، ويصير:

ما في الديار أخو نجد نطارحه ***   حديث نجد ولا خل نجاريه

2- الحرص على الاستنامة في أحضان المستعمر والاختباء وراء حرابه والاستعانة به، وجعله السند الأول والأخير، لأنه صاحب الفضل في تسلمهم السلطة، وتنصيبهم قادة رغم أنف الشعب المسكين الذي لا حول له ولا قوة، ولأن الشعوب في هذه الأيام لا تساوي عند من باعوها بثمن بخس شيئًا، وممكن قمعها بالحديد والنار، ونبحها وإراقة دمائها، وينال ذابحها الأوسمة والنياشين، ولا عزاء حتى لحقوق الإنسان المباركة، وليمت المخلصون كمدًا وحزنًا، والمتقون همًا وغمًا على الرجولةالضائعة والديار الشهيدة:

أقضي نهاري بالحديث وبالمني  *** ويجمعني بالليل والهم جامع

نهاري نهار الناس حتى إذا بدأ  *** لي الليل هزتني إليه المدامع

وفي الحقيقة قد يحتار الإنسان في وضع هذه الأمة البئيس والذي تسير عليه حتى في هذا الزمن الذي ثابت فيه أمم كثيرة مهما كانت صغيرة على الاستغلال والابتزاز، واعتزت بشرفها ورجولتها وهويتها، وتكاتفت وتعاهدت صغيرها وكبيرها رئيسها ومرؤوسوها على أن تعيش مرفوعة الرأس، موفورة الكرامة، وكلما ذهبت شرقت أو غربت في الأمة تجد هذه الحيرة وهذا الهم:

لقد طفت في تلك المرابع كلها  ***  وسرحت طرفي بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضعًا كف حائر   ****  على ذقنه او قارعًا سن نادم

وها أنت ترى في هذه الأيام ما راه من سبقك عندما رأى السلطات تسلم في بلاده إلى الغرباء عنها في آمالها وأحلامها وإلى المتهمين والمجروحين التي ما زالت الشعوب إلى الآن تعاني من ويلاتهم ولا يعلم إلا الله كم ستظل هذه المعاناة وكم ستمكث طويلًا أم قصيرًا، وكم من الأرواح ستزهق، وكم من الدماء ستسفك وكم من الجهود ستبذل لتنزاح تلك الكوابيس المزعجة التي عاشتها الأمة مع المستعمر، وتعيشها اليوم مع أذنابه وخلفائه وجلاديه الذين هم من جلدتنا، وإن كان في ذلك شك كبير، وهو ظن قد يصل إلى اليقين  يؤيده العمل ويعضده الفعل وإلا فقل لي بربك ما الفرق بين مذبحة الخليل ومذبحة مسجد فلسطين؟ وما الفرق بين البندقية الفلسطينية والبندقية الإسرائيلية؟ وما الفرق بين السجن الفلسطيني وسجون الاحتلال ومنع التجول الإسرائيلي ومنع التجول الفلسطيني؟ وما هو الفرق بين مستعمرة صهيونية ومستعمرة عرفات التي يختبئ فيها هو وجنده؟ وأين هو المشروع الفلسطيني الذي جاهدت من أجله أجيال الأمة؟ من الذي تولى بيعه وتسويقه يهوديًا وعالميًا؟ ومن الذي سيجيب التاريخ عن دماء الشهداء وأرواح الأبرياء سيجيب التاريخ في نظري رجال ما زالوا في رحم الأمة، وبطن الزمان، وسيحقق المشروع الفلسطيني الإسلامي فتية آمنوا بربهم، وعاشوا لأمتهم غير بائعين لها بل مضحين ولا ناكثين لعهدها، بل ملبين صادقين فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا ويومها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وسترى الدنيا أهل الذل مقبورين أحياء وأمواتًا:

ومساكن أهل الذل حتى قبورهم  **** عليها تراب الذل بين المقابر

ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو القوي العزيز ويومها سينهض الشعب الفلسطيني، ولن يصفى وستكون شرطته وجيشه لحماية دمه وعرضه وأرضه وماله وستؤذن أرواح الشهداء على مآذن مسجد فلسطين والخليل.

الرابط المختصر :