; معالم في إستراتيجية الدعوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان معالم في إستراتيجية الدعوة الإسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1990

مشاهدات 65

نشر في العدد 950

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 16-يناير-1990

في العدد الماضي تحدث الأستاذ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة في تونس عن بعض المعالم المتعلقة باستراتيجية الدعوة الإسلامية، وفي هذا العدد يتابع الأستاذ الغنوشي حديثه لقراء المجتمع بادئًا بحق الانتماء السياسي.

11- المسلم وحق الانتماء السياسي

إن الإسلام رؤية شاملة للكون والمجتمع، فما يجوز ضمن هذه الرؤية قبول مبدأ الفصل بين الدين والدولة كما هو الحال في الدولة العربية المعاصرة ولا مبدأ سيطرة الدولة ووصايتها على الدين كما كان الحال في الأنظمة الثيوقراطية أو في كثير من أنظمة النفاق في البلاد الإسلامية الحالية. واذكروا ثورة الإمام أحمد ضد ما اعتزمه المأمون -ومن هو علما- من فرض تصوره للإسلام على الأمة.

واذكروا اعتراض الإمام مالك على المنصور إذ هم أن يفرض موطأ مالك دينًا رسميًا وفهمًا وحيدًا للإسلام.. تلك عقائد أجنبية عن الإسلام.. الإسلام جاء موجهًا للحياة في جميع مجالاتها مستهدفًا التسليم له، لشريعته، بالمشروعية العليا في المجتمع.

وفي هذا الصد ننصح بالاعتدال وعدم التسرع والحساب الدقيق للموقف قبل الإقدام على الدخول في المغامرات، فإن لكل بلد ظروفه وما أفلح في بلد من وسائل التغيير قد يكون مضرًا ومهلكًا في بلد آخر، فما يصلح في أفغانستان ليس بالضرورة أن يصلح في مصر، وما صلح في إيران قد يكون مهلكًا في نيجيريا.. لا مناص إذن من الإقرار بتعدد الاجتهاد في أساليب التغيير، ولا مناص من اعتماد التخطيط لتحقيق الأهداف المحددة والوسائل الدقيقة.

الارتقاء بأساليب الحوار

12- الدعوة الإسلامية واختلاف المذاهب: إن الاختلاف مركوز في طبيعة الخلق ولا أمل في حمل الأمة على رأي واحد أو مذهب واحد في التربية أو السياسة أو الاعتقاد أو مناهج التغيير، حسب الدعوة الإسلامية أن تسعى لجمع المسلمين على أخوة الإسلام تأسيسًا على ما هو معلوم من دينهم، ضرورة من الحلال والحرام والأركان.. وعلى التسامح بعد ذلك فيما اختلفوا فيه منذ القديم وما استقروا عليه من مذاهب.. ليس هناك من أمل في وحدتهم وتعاونهم إلا بقبول مبدأ الاختلاف وقبول التعايش والاختلاف على أساس ذلك، والبحث عن مساحات اللقاء -وهي كثيرة- بدل الصراع، إنه لا مناص من الترفق في التعامل مع البنية التقليدية من مذاهب عقيدية وفقهية وطرق في التربية «الطرق الصوفية» ومن بنية دينية حديثة: جمعيات وأحزاب إسلامية، لا مناص إذا أردنا تحقيق قدر من الوحدة بين المسلمين والتفرغ لمواجهة الأخطار الماحقة المهددة لوجودنا كالصهيونية والتبشير والاستبداد والتخلف والشيوعية والتيارات القومية العنصرية، لا مناص من اعتماد الحوار والارتقاء بأساليبه والتعايش والتعاون وترسيخ أخلاقيات التمدن، وأن يبحث كل فريق عن مجال لانتشاره خارج دائرة الآخر، فالعالم فسيح ولا يحتل فيه المسلمون على اختلاف طوائفهم غير نسبة 1%، فلماذا لا يتنافس الجميع في نشر الإسلام بدل الدعوة الداخلية وتشكيك البعض في البعض الآخر؟ أخشى أن يكون ذلك مضيعة للوقت وإفسادًا للقلوب ودعوة إلى الفتنة.

13- ومن النتائج الطبيعية لاتساع صدر المسلم لقبول مبدأ الاختلاف وترويض نفسه على خلق التسامح والقبول بمبدأ التنوع والتعدد في الاجتهاد الفكري والسياسي تجنب الكفر سبيلًا للتعامل والحسم مع قضية الاختلاف في الأمة.. فنحن وإن كنا أعداء لدودين للمنافقين الجدد، أولئك الذين إذا أعجزهم التصدي للإسلام جهرة سلكوا سبيل أسلافهم في المدينة بالانخراط الصوري في الصف الإسلامي، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فعملوا جاهدين على صب الإسلام في قوالب علمانيتهم الليبرالية أو الماركسية وتطويعه لتعاليمها وليهم لأعناق آياته.. بل لجوا في العدوان أكثر فرموا حملة لواء الإسلام بالانحراف عنه بل بالخروج منه.. ولكنهم مساكين قد غاب عنهم أن الإسلام غير قابل للتحريف.. أولًا: بسبب ما أودعه الله فيه من جملة من المبادئ الواضحة في العقائد والشعائر والشرائع هي من الوضوح على نحو لا يختلف فيه العالم والجاهل: الحلال بين والحرام بين. ثانيًا: بسبب التواصل الثقافي في تاريخ الأمة على نحو صنع رأيًا عامًا أي إجماعًا وتواصلًا بين الأمة عبر أجيالها الحاضرة والغائبة، على أن جملة من الحقائق هي الإسلام وهي المرجع الدائم في فهمه وحسم الاختلافات حوله من مثل القاعدة الأصولية «لا اجتهاد مع النص». ثالثًا: بالحفظ الإلهي قلت: نحن وإن كنا أعداء لدودين للنفاق والمنافقين لأسباب كثيرة منها أن النفاق موقف جبان لئيم يتناقض مع أخلاق الرجولة ومع المنهاج العلمي الذي من أخلاقياته الشجاعة في الإصداع بالرأي، ولذلك مطلوب إسلاميًا أن يكون بيننا وبين الكافرين صداقة بل مودة وتعاون، أما مع المنافقين فلا، ومع ذلك فإن استياءنا يبلغ أعلى درجاته إذ نرى المسلمين عامة -فضلًا عن الدعاة- يتحول أسلوب حوارهم حول ما اختلف فيه المسلمون منذ القديم حول فهم النصوص أو حول تقييم أحداث تاريخية أو حول بحثهم عن أمثل السبل لإقامة المشروع الإسلامي مجددًا وغير ذلك من القضايا، أن يتحول الجدل بالتي هي أحسن إلى امتشاق سلاح التكفير ممن يعرف وممن لا يعرف، فينقلب منهاج الدعوة الإسلامية من تسابق وتنافس على إدخال الناس في دين الله إلى مباراة مجموعة لإخراجهم منه، أما علم هؤلاء أن الدعوة هي استمالة إلى الإسلام وليس تنفيرًا منه؟ أن الداعي طبيب وليس قاضيًا؟ فالحذار الحذار.

14- من المهم التدرج بالأمة صوب الاتصال بمنابع الإسلام في الكتاب والسنة وبناء المنهج التربوي على ذلك والسعي برفق نحو تحرير الإسلام مما ألصق به من البدع وخاصة في مستوى الاعتقاد، وعلى صعيد الإصلاح التربوي من المهم تضييق الهوة بين ما يسمى بالتعليم الديني والمدني، فهذا التقسيم غير مقبول في التصور الإسلامي، فلابد من صبغ التعليم كله بصبغة الإسلام في كل مجالاته وتطوير المناهج كلها على أساس التصور الإسلامي واستيعاب تراث المدنية والمشاركة في تطويره، وعلى هذا الصعيد من المجدي الاهتمام بتعليم اللغات والإلمام بالثقافة الحديثة حتى يتيسر الحوار مع أصحابها والشهادة عليهم بالإسلام والمساهمة في مسؤولية إنقاذ الحضارة من الأخطار المحيقة بها في ظل الفلسفة المادية والتنظيم الآلي للحياة.

15- الاهتمام بالنشاط الاقتصادي لتحقيق الاستقلال الاقتصادي للمؤسسات الإسلامية وتحرير المسلم من جفوته إزاء الحياة ودفعه إلى المشاركة في اكتشاف مواردها وتطويرها وعمارتها على منهاج الإسلام فتلك غاية الخلق. مطلوب تربية المسلم على التقحم في صراع الحياة والأحياء سبيلًا لتحرره الذاتي والجماعي بامتلاك القوة وأسبابها في عالم اليوم: قوة الاقتصاد. من المهم تربية المسلم على التقلل في معاشه وتشجيع أعمال التطوع والوقف الإسلامي وحسن رعايته.

16- تحقيق استقلال الدعوة الإسلامية عن الدوران في فلك السياسات الدولية وحكومات المسلمين، ولا يعني ذلك بالضرورة للعداء، وإنما تجنب خطر الاحتواء.

17- ترسيخ العقائد والحرص على صفائها، والعمل الدائب الذي لا يفتر على توثيق صلة المسلم بربه وتهيئه الدائم للقائه والخشية الدائمة من غضبه والرجاء الواثق في رحمته والشعور الفياض بمحبته والأنس بمناجاته في الصلاة والتلاوة والذكر تحقيقًا لقيمة التقوى.. فهي أعظم الزاد في المسير إلى الله عبر البلاء والصراع، وفي مقاومة أمواج الانحلال والفتن التي تكتسح العالم.. لا مناص من أجل الخلاص الفردي والجماعي وأداء رسالة الإسلام في إنقاذ الإنسانية من الحرص الشديد على تزكية النفوس وعمارتها بمحبة الله ورقابته، من خلال الحرص على شهود الصلوات وعمارة المساجد والتلاوة والذكر والبحث عن محاضن للتربية والتزكية والتطهر، وترسيخ العفة والإيثار والرجولة والنظام وروح الجماعة والانضباط والأدب واستقلال الشخصية والإخلاص في طلب الحق للحق والشجاعة في إبداء الرأي واتخاذ الموقف، والتدرب على القيادة واحترام العلم والعلماء والحنو على الضعيف واحترام الأسرة وتحمل مسؤوليتها. فليس غاية الإسلام مجرد نشر الحق وإنما تحويله إلى واقع مشخص وذلك هو عمل التربية وتلك هي معجزة الإسلام، العملية التي فشلت فيها الفلسفة الوضعية رغم ما اكتشفته من حقائق.. إذ سبيل تحول حقائق العقل إلى سلوك يمر بالضرورة عبر القلب، عبر الروح، وسرها ومنهاج التأثير فيها مما اختص الله به نفسه وأودعه في كتابه وجسدته سيرة نبيه عليه السلام ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:21)، فلا مناص من الحرص على السيرة وفقهها ومنهاجها في التربية، وتقفي أثر المصطفى في حياتنا اليومية، ما كبر من شأنها وما صغر، وإلا استحال قيام البناء، وإذا قام فعلى شفى جرف هار.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ (العنكبوت: 41) ألم تذكركم هذه الآية بالبناء الشيوعي هذه الأيام كيف ينهار فلسفة ومشروعًا اجتماعيًا، وتتلاحق انهيارات بناء العنكبوت رغم ما يبدو عليها من تماسك وجمال؟ فاثبتوا وجددوا الثقة في الله وفي منهاجه وفي أنفسكم إذا استقمتم على ذلك المنهاج وبعتم بإخلاص لله.. فسترون موعودات الله ورسوله في ظهور هذا المنهاج على المناهج كلها.. وانهيار بناءات العنكبوت.

وأستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتم أعمالكم، ناقلًا لكم تحيات إخوانكم في بلاد العروبة وخاصة في حركة الاتجاه الإسلامي «النهضة» بتونس والسلام عليكم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 34

184

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

حول الدين… و… الدولة...

نشر في العدد 34

0

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

حول الدين… و… الدولة

نشر في العدد 493

68

الثلاثاء 12-أغسطس-1980

ضلالات ليبية