; معاناة الإسلاميين في المغرب العربي... لماذا؟ | مجلة المجتمع

العنوان معاناة الإسلاميين في المغرب العربي... لماذا؟

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1984

مشاهدات 71

نشر في العدد 666

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 10-أبريل-1984

  • رفض العنف كوسيلة وتأييد الحوار الفكري والسياسي من أهم مبادئ الحركة الإسلامية.
  • معاناة الإسلاميين في المغرب العربي...
  • تهمة التطرف والعنف.. قاعدة ثابتة تقف عليها كافة الأنظمة في عدائها للحركة الإسلامية.

ربما يتبادر إلى ذهن القارئ أن يتساءل عن السبب الذي يدفعنا إلى عرض الأوضاع التي تعاني منها الحركة الإسلامية في المغرب العربي بعد أن قمنا في أعداد سابقة بإعطاء القارئ بعض المعلومات المتعلقة بالحركة الإسلامية في المغرب العربي وأنواع الضغوط التي تتعرض لها هذه الحركة.

لذا كان من حق قارئنا الكريم أن يتساءل: لماذا العودة إلى المغرب العربي؟

  • نظرة جغرافية:

قبل أن ندخل في الإجابة على ذلك التساؤل لابد من إلقاء نظرة على الواقع الجغرافي للمغرب العربي، نستطيع من خلاله أن نستشف الأسباب التي دعت إلى إعطاء هذه المنطقة من العالم الإسلامي تلك الأهمية.

إن نظرة إلى خريطة المغرب العربي تبين لنا مدى أهمية هذه المنطقة بالنسبة للعالم الغربي فمن تونس إلى جزيرة صقلية الإيطالية لا تتعدى المسافة أكثر من 20 كيلومترًا. ويفصل مضيق جبل طارق بين المملكة المغربية وإسبانيا مفتاح القارة الأوروبية وما بين أوروبا وأفريقيا نجد المغرب العربي في مواجهة أوروبا، كما يعتبر المغرب العربي حد المواجهة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي... إضافة إلى كون المغرب العربي يتصل جغرافيًّا بوسط العالم الإسلامي عن طريق مصر المتصلة برًّا بالأراضي الليبية.. 

هذه النظرة الجغرافية لا نعرضها هنا لإعطاء القارئ الكريم درسًا في جغرافية المغرب العربي فعلم الجغرافيا له أهله وأصحابه، ولكن رغبتنا من عرض هذه النظرة الجغرافية أن نبين لقارئنا مدى أهمية هذه المنطقة بالنسبة للعالمين الإسلامي والغربي، ومن هذا المنطلق كان تركيزنا على أوضاع المغرب العربي وخاصة ما يدور في مجال اهتمامنا كمجلة إسلامية تهتم قبل كل شيء بقضايا العالم الإسلامي.

  • القلق الغربي:

ذكرنا أن الوضع الجغرافي لمنطقة المغرب العربي يعكس اهتمامًا ملحوظًا من جانب العالم الغربي لذلك فإن عمليات التغيير التي يمكن أن تحدث في تلك المنطقة لابد أن تعكس اهتمامًا مباشرًا سلبًا أم إيجابًا حسب نوعية هذه الأحداث ومن هذا المنطلق يمكننا أن نعرض للقارئ الكريم تصريحين صحفيين لكل من السفير الأمريكي السابق في المملكة المغربية والجزائر ووزير الخارجية الإسبانية وتأتي أهمية هذين التصريحين كونهما نشرا إثر الأحداث الدموية الأخيرة الي وقعت في كل من تونس والمغرب.

فقد ذكر ريتشارد باركر في حديثه الصحفي أن التيارات الدينية في منطقة المغرب العربي هي وراء الاضطرابات التي اجتاحت المنطقة في مطلع العام الحالي، وعبر باركر عن القلق الأمريكي إزاء هذه الأحداث مذكرًا أن أمريكا مرتبطة بعلاقات وثيقة سياسية وعسكرية بالمنطقة فضلًا عن أن المغرب العربي مهم استراتيجيًّا بالنسبة للدفاع عن أوروبا، لذا فإننا نخشى انتشار المد الإسلامي وتهديده لهذه الإستراتيجية الأمريكية.

وهذا فرنادندو موران وزير الخارجية الإسبانية يتهم التيار الديني بالأحداث الدموية في المغرب وتونس ويبدي خشيته من تعاظم المد الإسلامي في منطقة المغرب العربي وخطورته على أوروبا ويدعي بأن استقرار منطقة المغرب أمر مهم بالنسبة لأوروبا نظرًا لما يشكل عدم الاستقرار من قلق للدول الأوروبية نظرًا للوضع الجغرافي الذي يمثله المغرب بالنسبة للقارة الأوروبية.

وأعتقد أنه يكفي القارئ الكريم هذان المقالان ليتبين له مدى أهمية أي تطورات يمكن حدوثها في المغرب العربي من حيث انعكاسها على السياسية الإستراتيجية الغربية في المنطقة ومن الطبيعي أن تزداد هذه الأهمية حال ارتباط هذه التطورات بالاتجاهات الإسلامية التي تشكل العامل الأول في تصاعد القلق الغربي. وهذا ما يفسره حديث السفير الأمريكي ووزير الخارجية الإسباني، والملاحظ في تصريح الدبلوماسيين من حيث دفع السلطات الأمنية في المنطقة لملاحقة أعضاء الحركة الإسلامية باعتبارهم الجهة التي تقف وراء الاضطرابات في المنطقة- على حد زعمهم-

ومع أن الدول الأوروبية بشكل خاص والعالم الغربي بشكل عام يعلم تمامًا عدم صحة ما ذهب إليه السفير الأمريكي والوزير الاسباني من حيث إن الأحداث الدموية لم يكن للإسلاميين أي دور فيها إلا أن تصريحاتهما تعكس مدى القلق الذي تعاني منه هذه الدول من سرعة انتشار المد الإسلامي في أرجاء المغرب العربي خلال سنوات قليلة بعدما ظن هؤلاء أن فترة الاستعمار الطويلة وتبعية دول المغرب للثقافة الغربية قد استأصلت جذور الإسلام من منطقة المغرب العربي، لذلك كان المد الإسلامي المنظم والممثل بشكل رئيسي- بحركة الشبيبة الإسلامية في المملكة المغربية، وحركة الاتجاه الإسلامي في تونس- يمثل خطرًا جديدًا على الإستراتيجية الغربية.

من هنا يمكننا أن نفهم؛ لماذا يعاني الإسلاميون في المغرب العربي؟

  • المعاناة:

في مدينة «أنجوا» الفرنسية أقدمت السلطات الأمنية على اعتقال شابين مغربيين هما عبد الإله الإسلامي، عبد الإله زياد بحجة دخولهما الأراضي الفرنسية وقد أودعا السجن تنفيذًا لحكم صدر ضدهما مع أن المذكورين كانا قد تقدما بطلب اللجوء السياسي إثر مغادرتهما المغرب حيث تلاحقهما السلطات الأمنية المغربية لانتمائهما لمنظمة الشبيبة الإسلامية المغربية، وذكر أن السلطات الفرنسية ستقوم فور انتهاء مدة السجن بتسليمهما للسلطات المغربية.

ونحن هنا نذكر خبر هذين الشابين المغربين لكونهما يمثلان المعاناة التي يعيشها أبناء الحركة الإسلامية في المغرب العربي، فمن ناحية يدلنا هذا الخبر على المعاناة داخل المغرب. ومن ناحية أخرى يدلنا على مدى التنسيق بين السلطات الأمنية في كل من فرنسا والمغرب في مجال مكافحة الاتجاه الإسلامي علمًا بأن السلطات الفرنسية تقبل أعدادًا هائلة من طالبي اللجوء السياسي إلى فرنسا؛ فلماذا يستثنى هؤلاء أم أن عقيدة طالب اللجوء واتجاهه السياسي له أكبر الأثر في الحصول على الموافقة.

والحقيقة أن أحد دوافع كتابة هذا المقال يعود للأخبار المتلاحقة والتي كادت أن تكون يومية والمتعلقة بحجم المعاناة والمآسي التي يتعرض لها أعضاء الحركة الإسلامية في بلدان العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه فالاعتقال والتعذيب والمضايقة في لقمة العيش.. إلى آخر ما هنالك من أنواع بات الإسلاميين في كل مكان يعرفونها حق المعرفة.

وأصبحت تهمة التطرف والعنف والتزمت والانغلاق إلى... قاعدة ثابتة تقف عليها كافة الأنظمة في عدائها للحركة الإسلامية مع أن كل الشواهد والأدلة تثبت بأن الحركة الإسلامية كانت ولازالت أبعد الحركات السياسية عن اللجوء إلى العنف واعتماده وسيلة للوصول إلى الحكم وفي هذا نجد أن أحد أهم مبادئ الحركة الإسلامية كما جاء في بيان لحركة الاتجاه الإسلامي في تونس هو رفض العنف كوسيلة وتأييد الحوار الفكري والسياسي على أسس من الشورى. إضافة إلى حقيقة أساسية تتعلق بإمكانات الحركة الإسلامية فمن المعلوم أن الحركة الإسلامية المنظمة في المغرب العربي تعتبر حديثة العهد بالنسبة للحركة الإسلامية في العالم الإسلامي فحركة الاتجاه الإسلامي في تونس على سبيل المثال بدأت مع السبعينات؛ فهل خلال هذه المدة القصيرة أصبح هذا الاتجاه خطرًا على النظام الحاكم ولديه الإمكانية على الإطاحة بهذا النظام عن طريق العنف؟

هل يعقل أن يعمل العالم المسلم عبد السلام ياسين الذي دخل في العقد السادس من العمر أن يعمل على الإطاحة بالنظام عن طريق العنف؟ وهو العالم الذي وهب حياته للدعوة من خلال المسجد والصحافة.. ألا تفسر عملية اعتقاله منذ عدة شهور وحتى الآن بدون أن يحاكم محاكمة عادلة أن الادعاء يعاني من الإفلاس في هذه القضية، إن قيام السلطات الأمنية باعتقال قيادات الحركة الإسلامية في المغرب العربي كالشيخ راشد الغنوشي مؤسس حركة الاتجاه الإسلامي في تونس واستمرار هذا الاعتقال يعني أن النظام يعتقد بأن غياب هذه القيادات سيؤدي إلى انهيار الحركة لأن هذا النظام لا يعرف سوى الولاء للفرد بينما الحركة الإسلامية تعطي ولاءها لله ورسوله فقط.

  • لماذا يوجه العداء للحركة الإسلامية؟

إن القارئ البعيد عن معايشة الحركة الإسلامية ليستغرب هذه المعاناة التي يعيشها الإسلاميون في المغرب العربي كما يستغرب هذا العداء السافر الموجه من الأنظمة إلى أعضاء الحركة ويتساءل في نفسه عن السر الذي يدفع بتلك الأنظمة إلى هذا العداء؟

وحتى يمكننا معرفة سبب العداء لابد من التعرف على اتجاهات هذه الحركة ومبادئها وأسلوبها... لأن العداء في الأصل لابد أن يرتبط بأسباب تبرره، وعلى سبيل المثال نذكر هنا مقتطفات من مقالة كان الأستاذ الغنوشي أحد رواد حركة الاتجاه الإسلامي في تونس قد كتبها في مجلة المجتمع التونسية منذ عدة سنوات.

يقول الغنوشي: «إن خلاص تونس ونهضتها هو في التعاليم الإسلامية وبعث وتجديد ماضي مجيد عاشته البلاد في ظل الإسلام، كانت فيه مركزًا من مراكز الإشعاع الحضاري الإسلامي، ويعالج أسباب التقهقر الذي يعاني منها المجتمع التونسي وكيفية القضاء على التخلف واعتماد التصورات والعقائد الإسلامية مناهج لحياتنا، وتصحيح واقعنا الذي تحكمه قوانين مادية استوردناها مع جملة ما استوردنا دون اعتبار للمناخ الحضاري المادي الذي نشأت فيه والمصادم لمناهجنا وقيمنا بإقراره الخمر والزنى والتعري والفنون المائعة».

وأعتقد أن هذا الموجز البسيط من أقوال الغنوشي كان كافيًا ليستحق عليه السجن وأكثر من السجن حسب مفاهيم هذه الأنظمة العلمانية التي كافحت أكثر من عشرين عامًا من أجل تثبيت العلمانية في ربوع البلاد حسب الطريقة الأتاتوركية في سلخ الشعب عن عقيدته الإسلامية.

وأرجو من القارئ الكريم أن يتابع معي أهداف وأساليب الحركة الإسلامية في المغرب العربي ليتعرف على السر الذي يدفع بتلك الأنظمة لمعاداة الحركة الإسلامية.

تذكر حركة الاتجاه الإسلامي في تونس في عرضها لأهداف حركتها المبادئ التالية: إحياء الشخصية الإسلامية- رفع الوصاية داخلية أم خارجية على الشعب المسلم- إعادة بناء الحياة الاقتصادية على أساس إسلامي- إحياء ماضي الإسلامي السياسي والحضاري على جميع المستويات... ومن أجل تحقيق هذه الأهداف تتبع الحركة الأساليب التالية:

إحياء المسجد كمركز للعبادة والقيادة على غرار ما كان عليه المسجد أيام الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- إحياء النشاط الثقافي والفكري وتشجيع جهود التأليف والنشر للثقافة الإسلامية- رفض العنف كوسيلة واعتماد الصراع الفكري والسياسي على أسس من الشورى- رفض التبعية الثقافية والحضارية- تبنِّي المفهوم الإجمالي الشامل للإسلام- الوقوف إلى جانب الجماهير المسلمة.

إن نظرة فاحصة لأهداف الحركة الإسلامية وأساليبها لتحقيق هذه الأهداف يعطينا تفسيرًا للأسباب الكامنة وراء التوجه العدائي للأنظمة ضد أعضاء الحركة الإسلامية.

فمن المعلوم أن الهيمنة الثقافية الغربية عمومًا والفرنسية بشكل خاص تكاد أن تكون شاملة على الأنظمة القائمة في المغرب العربي إلى درجة أن اللغة الفرنسية تكاد تكون الأولى والعربية اللغة الثانية، كما أن الارتباط الاقتصادي والثقافي والحضاري بأوروبا أكثر من ارتباطها بالعالم العربي وهذا يشكل تربة خصبة للاتجاه العلماني والإباحي. لذلك تنتشر الممارسات غير الأخلاقية باسم السياحة فشواطئ للتعري والهيبز ونوادي الروتاري..

وهذا كله يدفع هذه الأنظمة إلى توجيه عدائها للحركة الإسلامية التي تعمل من خلال مبادئها وأهدافها على تحطيم كل الاتجاهات التي تسير عليها هذه الأنظمة.

  • ماذا عن المستقبل؟:

من المعلوم أن الشعب المسلم في المغرب العربي يتميز بأصالته الإسلامية التي عاش من خلالها قرونًا عديدة، هذه الأصالة هي التي جمعت ووحدت كل الأشكال العرقية التي كانت سائدة في بلاد المغرب العربي ومن هذا المنطلق الإسلامي كان دعاة الإسلام يشعرون بالمسؤولية في كل ربوع المغرب العربي من ليبيا إلى تونس إلى الجزائر إلى المغرب، وكانت معارك الاستقلال تنطلق من خلال المعاني الإسلامية الجهادية فقط وكان علماء المسلمين في المغرب العربي على رأس الداعين والمحرضين للكفاح من أجل الاستقلال حتى حقق الله لهم ذلك ولكن أشكال الحكم التي أعقبت الاستقلال لم تكن بحسب ما يتمناه الدعاة فكانت الدعوة للعمل الإسلامي من جديد لتصحيح المسار والعودة بالشعب المسلم في المغرب العربي إلى أحضان الإسلام من جديد وهذا الالتفاف الكبير والواضح لجماهير الشعب حول الحركة الإسلامية يفسر سرعة انتشار المد الإسلامي في ربوع المغرب العربي. ونحن هنا نأمل من الأنظمة القائمة هناك أن تعمل على تحقيق رغبة الشعب المسلم وتمنح الحركة الإسلامية حقها في التعبير الحر عن آرائها من خلال التصريح الرسمي لهذه الحركة بالعمل السياسي. فهل يتحقق ذلك؟

الرابط المختصر :