العنوان معاناة.. وأمل
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الأحد 09-فبراير-1992
مشاهدات 56
نشر في العدد 988
نشر في الصفحة 34
الأحد 09-فبراير-1992
الحمد لله مؤلف الآراء، وجامع الأهواء،
والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى
آله وصحبة أجمعين، وبعد..
فالمعاناة من طبيعة هذه الحياة ﴿يَا
أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق:
6) رحلة الحياة منذ أن بدأتها النطفة إلى مواراة التراب إلى العودة إلى
الحياة الحقيقية.. ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (العنكبوت:64) طريق
طويل عنوانه الكد والمعاناة، وفي النهاية معاناة تنتهي إلى الجنة وأخرى إلى النار،
فهي معاناة لا راحة فيها إلا عند وضع أول قدم في الجنة.
«حادثة غزو الكويت» تحكي نوعًا من المعاناة
التي تمر بها البشرية منذ ميلادها إلى قيام الساعة، وتأتي عظم هذه المعاناة أنها مست
شعبًا بكامله، ولم يكن يحكمها شرع ولا عقل ولا دين، بل كانت الفوضى عنوانها،
واندثار القيم إطارها، وضياع المبادئ لبها، وتحكيم شريعة الغاب ميزانها، إنها
معاناة ظلم ذوي القربي، إنها معاناة لن تنسى، فكيف ينسى أهل الكويت خاصة- والعالم
عامة- أنه في ساعات قليلة وبغدر لم يشهد له التاريخ انتهت دولة بكاملها،
ودهست جنازير دبابات النظام العراقي أرض الكويت ومحرماتها، ثم بدأ بعد ذلك الذبح
اليومي للشعب بالتهديد، وبالدمار بالكيماوي، وبالتدمير النفسي، فانتشرت القبور
الجماعية للآمنين من الكويتيين، ولم تجد الأجسام الميتة مكانًا في الحافظات
المبردة في المستشفيات من تزاحمها وكثرتها، كيف ننسى رجال الاستخبارات وفسادهم في
الأرض، ونشرهم لكل المحرمات والموبقات؟ كيف ننسى عملية التجويع الغذائي والأمني
والتشريد لشعب بكامله من غير جريمة يرتكبها سوى أنه ابتلي برئيس دولة عنده حَوَل
في كل نظراته ومفاهيمه؟ والظلم هذا كما أننا لن ننساه فالله سبحانه وتعالى لن
ينساه ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ (طه:52).
نعم هي الحقيقة على مر التاريخ البشري،
فهذا المتوكل أخو الواثق الذي قتل الشيخ أحمد بن نصر الخزاعي- رضي الله عنه- يقول
لبطانته ووزرائه: في قلبي شيء من قتل أحمد بن نصر، فقالت البطانة على التوالي-
الوزير محمد بن الزيات: أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا
كافرًا. وقال هرثمة: قطعني الله إربًا إربًا إن قتله أمير المؤمنين الواثق
إلا كافرًا.. وقال ابن أبي دؤاد: ضربني الله بالفالج إن قتله أمير المؤمنين
الواثق إلا كافرًا. فكان حكم الله تعالى بعد ذلك، فحرق المتوكل ابن الزيات بالنار،
وقامت خزاعة بتقطيع هرثمة، وأصيب ابن أبي دؤاد بالفالج قبل موته بأربع سنين!
وهكذا يتحقق عدل الله سبحانه وتعالى: ﴿لَّا
يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ (طه:52).. ومع هذا الذي ذكرناه فأصحاب
النفوس الكبيرة التي لا تنسى لا تنتقم إلا من العُتُلِّ الجبار أسوة بالنبي- صلى
الله عليه وسلم- عندما لم ينس ما صنع أهل قريش فيه منذ أن بشرهم بالهدى إلى أن جاء
فاتحًا مكة؛ فقال لأهلها: «ما تظنون أني فاعل بكم؟» ثم قال: «اذهبوا فأنتم
الطلقاء»، ومع هذا قال- صلى الله عليه وسلم- عن نفر من قريش: «عبدالله بن أبي
السرح وهبار بن الأسود» اقتلوهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة، فمع عدم
النسيان تأتي مسحة الجمال: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ
الْجَمِيلَ﴾ (الحجر:85)، إنه جمال التأسي «إن الله جميل يحب الجمال»
الجمال الذي أنطق الشاعر فقال:
إني وهبت لظالمي ظلمي
وعفوت
ذاك له على علمي
الجمال الذي أنطق أبا ضمضم- رضي الله
عنه- فكان يقول حين يصبح: «اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس، فمن شتمني أو
قذفني فهو في حل»، هذا النطق الجميل الذي سمعه النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال:
«من يستطيع منكم أن يكون كابي ضمضم؟»، وهو الجمال الذي جعل النبي- صلى الله عليه
وسلم- يبشر الصحابي الذي يدخل عليهم المسجد بالجنة، ولم يكن له من زيادة عمل، كما
هي رواية عبدالله بن عمرو الذي قال له الرجل فيها: «والله ما هو إلا ما رأيت، غير
أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله
إياه».. الجمال الذي دفع الصديق- رضي الله عنه- أن يتفاعل مع آية النور: ﴿وَلَا
يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ
وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا
وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور:22)، فكانت الاستجابة «بلى، أحب أن يغفر
الله لي»، فأرجع الأعطية إلى مسطح رَحِمِه الذي تكلم في حق الصديقة عائشة- رضي
الله عنها- في حادثة الإفك، وخاض فيما خاض به المنافقون، نعم إنه الجمال في سعة
هذا الدين ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ
هُمْ يَنتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى:39-40)
إن المعاناة التي
تحدثنا عنها تظل كذلك، إلا أن هناك هواجس الخوف بعد ذلك التي لا تقل عن
المعاناة السابقة، الخوف من عدم الوفاء بالعهد الذي أبرمناه مع الله ﴿لَئِنْ
أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (يونس:22).
إنه الخوف من عدم النجاح بالشكر لله تعالى ﴿هَٰذَا
مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (النمل:40)، الخوف
من أن ننقلب من كوننا مظلومين إلى كوننا ظالمين، ومن كوننا نترقب النصر إلى أننا
نخشى المقت.. إننا نخاف من قول سلمة: «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في
ديوان الجبارين؛ فيصيبه ما أصابهم»! إنه الخوف من عدم ركوب سفينة الإصلاح فيصيبنا
ما أصاب القوم ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ
بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117)، ومع هذا الخوف وتلك المعاناة
يبقى هناك بريق الأمل ساطعًا يردد في الأجواء:
لبيك ما قام أمر
في
الكون عسرًا ويسرا
والليل إن طال.. ربي
فأتبع
الليل فجرا
الأمل الذي يصدق حسن الظن، وبهذا كان
النبي- صلى الله عليه وسلم- طوال حياته متفائلًا بظهور دعوته وانتشارها، ولهذه
الثقة قال لسراقة وهو يطلب قتل النبي- صلى الله عليه وسلم- في طريق الهجرة: «يا
سراقة، خذل عنا ولك سوار كسرى»، ولم لا يكون متفائلًا وهو يتحصن بقوله تعالى: ﴿وَلَا
تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ
إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف:87).
الروح المتفائلة التي تشم رائحة الجنة وإن
كانت في الأرض كما قال أنس رضي الله عنه: «إني لأشم ريح الجنة من وراء أحد»،
الروح المتفائلة التي تردد في الأكوان:
أخي ستبيد جيوش الظلام
ويشرق
في الكون فجر جديد
فأطلق لروحك أشواقها
ترَ
الفجر يرمقنا من بعيد
نعم، إنها نفوس حية قوية فتية، وقلوب
جديدة خفاقة، وأرواح طموحة متطلعة متوثبة، بهذه الطريقة من الحياة أزال الله
المعاناة الأولى، وفي مثلها تنتهي الصعاب، ويحل الخير والأمن
والإيمان، وسيكون الفرج.
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعًا
وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت
وكنت أظنها لا تفرج
فلنذهب جميعا
نبحث عن مواطن الخير فطريقها بين، ونهايتها جميلة ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن
يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ
مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل