العنوان معاوية بن أبي سفيان ومجلس الأمن!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1981
مشاهدات 50
نشر في العدد 534
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 30-يونيو-1981
منذ أن بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفتح القسطنطينية وأثنى خيرًا على فاتحها وجيشه، والمسلمون يسعون لينالوا شرف هذا الفتح العظيم.
ولقد كانت أولى بوادر محاولات الفتح في عهد الأمويين الذين قامت على أيديهم دولة الخلافة الإسلامية قوية فتية منظمة محكمة، وسرعان ما أنشأوا لأنفسهم قوة بحرية بالرغم من حداثة عهد العرب بالبحر وخشيتهم له من قبل، وهكذا صارت جزر البحر الأبيض الذي كان يسمى بحر الروم تابعة للقوات الإسلامية، وكذلك صارت شواطئه الشرقية والجنوبية، واشترك كثير من الصحابة والتابعين في حركة الفتح الإسلامي وترسيخ أطراف الدولة الإسلامية، وهكذا تجد قبر أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- مازال موجودًا خارج أسوار مدينة إستانبول (القسطنطينية سابقًا)، وبقربه مسجد ضخم جميل وهو يدل على أولى تحركات المسلمين في سبيل فتح القسطنطينية وإزالة دولة الكفر البيزنطية فيها ونيل شرف ثناء النبي- صلى الله عليه وسلم- على فاتحها وجيشه.
وكانت أولى هذه التحركات في عهد معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنه- واستمرت بعده حتى تحقق الفتح على يد السلطان محمد الفاتح العثماني.. ولم ييأس الأمويون لامتناع المدينة الحصينة عليهم بل كانوا يوجهون إليها البعثات الحربية والاستطلاعية دومًا.
وكان الروم يعيشون في قلق وخوف من قوة الدولة الإسلامية الناشئة بجوارهم وترعبهم هيبتها المستندة إلى الإيمان والعدل، وهم أهل باطل وظلم وكفر وقد تنبأ «هرقلهم» بزوال دولته عندما قال لأبي سفيان: «لئن كان ما تقول حقًا فليملكن موضع قدمي هاتين».
وفي إحدى المرات بعث معاوية- رضي الله عنه- بعثة استطلاعية من اثنين من جنوده للوصول إلى القسطنطينية وتفقد أحوالها، وسافر الاثنان متنكرين حتى وصلا عاصمة الروم واختلطا بأهلها وجمعا ما يريدان من معلومات وكانت خطتهما أن يمشيا متباعدين حتى إذا قبض على أحدهما كان بوسع الآخر العودة والإخبار عنه، ودخل أحدهما قصر الملك في أحد احتفالاتهم وحاول التعرف على القصر وأحوال الملك وجماعته، ولكنه اكتشف أمره وقبض عليه، وكان زميله يراقب فلما تأكد من أنه سُجن كر راجعًا ليخبر الخليفة بأمره.
وقدم الجندي الأموي المسلم إلى ملك الروم الذي كان مغرورًا كالديك الرومي محاطًا بالحاشية والحرس، فاتهمه الملك باللصوصية وقال له: ماذا يريد خليفتكم من الإغارة على بلادنا؟ أما تكفيكم بلادكم؟
ورد عليه الجندي- بعزة وإباء: نحن لا طمع لنا في بلادكم أو أموالكم وإنما تهدف إلى نشر الإسلام وإقامة موازين العدل الذي افتقدها الناس بسبب ضلالهم عن الدين الحق وتحريفهم لكتب الأنبياء السابقين ولتأليههم البشر وعبادتهم للملوك والجبابرة.
وغضب البطريرك الذي كان جالسًا قرب الملك وقام من مجلسه وصفع الجندي على وجهه صفعة مؤلمة، وأمر به إلى السجن ومرت أيام وجرى تبادل للأسرى بين المسلمين والروم، وعاد الجندي الأسير إلى أهله، واستدعاه الخليفة وأكرمه وسمع خبره ثم أمر بتوجيه بعثة من الجنود تنكروا على شكل صيادين حتى وصلوا القسطنطينية فدخلوها واحتالوا على البطريرك فقبضوا عليه وجاءوا به مكبلًا إلى أن أدخل على مجلس الخليفة الذي زانه الوقار والحكمة والهيئة، فأوقف أمامه، وكان الجندي الأسير بجانب الخليفة، فقال له معاوية: أهذا هو؟ (أي الذي صفعك) فقال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال له: دونك فاقتص منه، فقال الجندي باستعلاء وعزة: بل عفوت عنه يا أمير المؤمنين! فقال الخليفة للبطريرك: اذهب إلى ملكك وقل له: إن أمير المؤمنين يقيم العدل ويقتص من الجاني حتى في مملكتك!
ورجع البطريرك يرجف فؤاده خزيًا وهيبة وقد أذله وقهره عفو الجندي وتوبيخ الأمير بالرغم مما أساء إليهما به هو وملكه المتعجرف.
وهكذا لم يقر قرار للخليفة المسلم حتى أعاد لجندي لديه -صفع ظلمًا- حقه ومكنه من عدوه وحفظ له كرامته وللدولة هيبتها أمام أعلى دول الأرض حينذاك وأكثرها غنى ورفاهية وتجبرًا.
ورحم الله معاوية بن أبي سفيان ورضي عنه.. لقد ذكرت قصته هذه ونحن يوميًا نتلقى ضربات من العدو موجعة مؤلمة وتسمع من عنجهياته وتعنته وتطاوله على الحقوق والحرمات الشيء الكثير.. فلا يهتز لمن بيدهم الحكم والسلطان جانب إلا ما تمليه ضرورات الاحتجاج الدبلوماسي المهين وتجول طائرات العدو وتضرب في الأعماق.
ونحن ننتظر دول الكفر أن تغيثنا من كلابها وأجرائها.. ويزداد استيراد السلاح فتوجهه بعض الأنظمة إلى صدر الشعب والعدو جاثم يرقب ويقتل ويعيث فسادًا في كل أرض..
ولكن أين كرامة مثل كرامة معاوية بن أبي سفيان؟ وأين دهاء وشجاعة مثل شجاعته؟ لقد استعضنا عن ذلك بمجلس الأمن وطائرات الأواكس وقوات الطوارئ ويا ليتها تنفع المخذولين شيئًا!